اتفق الفقهاء على أن الذبح قبل دخول وقت الأضحية
لا يُجزئ، وأنه لا يُعد أضحية وإنما شاة لحم، إلا أنهم اختلفوا في تحديد علامة ابتداء
الوقت على النحو الآتي:
فقال
أبو حنيفة: لا يجوز لأهل الأمصار الذبح حتى يصلي الإمام العيد، فأما أهل القرى
فيجوز لهم بعد طلوع
الفجر.
وقال
مالك: وقته بعد الصلاة والخطبة، وذبح الإمام.
وقال الشافعي: وقت الذبح إذا مضى من
الوقت مقدار ما يصلي فيه ركعتين وخطبتين بعدهما، وقال: يجوز ذلك بعد صلاة الإمام،
وإن لم يكن الإمام ذبح، ولم يفرق بين أهل القرى والأمصار، بل قال: إن القرى يتوخى
أهلها مقدار صلاة الإمام وخطبتيه، أن يصلي عندهم صلاة العيد، وإن كانت تصلى
فبعدها.[ ابن هبيرة، اختلاف الأئمة العلماء لابن هبيرة (١/ ٣٣٤)].
١. المذهب الحنفي (التفريق بين أهل
الحضر وأهل البادية)
يفرّق الحنفية بين من تجب عليهم صلاة العيد – وهم
أهل الأمصار (المدن والقرى الكبيرة) – وبين من لا تجب عليهم، وهم أهل البادية والبراري.
فأما أهل الأمصار: فيبدأ وقت الأضحية عندهم بعد
الفراغ من صلاة العيد.
وأما أهل القرى والبادية: فيبدأ وقتهم من طلوع فجر
يوم النحر (اليوم العاشر من ذي الحجة).
قال المغنيان: وَوقت الْأُضْحِية يدْخل
بِطُلُوع الْفجْر من يَوْم النَّحْر إِلَّا أَنه لَا يجوز لأهل الْأَمْصَار
الذّبْح حَتَّى يُصَلِّي الإِمَام الْعِيد، فَأَما أهل السوَاد فَيذبحُونَ بعد
الْفجْر، وَهِي جَائِزَة فِي ثَلَاثَة أَيَّام يَوْم النَّحْر، ويومان بعده. [المرغيناني، بداية
المبتدي (ص٢١٩)].
٢. المذهب المالكي (الارتباط بذبح
الإمام)
اشترط
المالكية لصحة الأضحية أن يقع الذبح بعد صلاة الإمام، بل وبعد ذبح الإمام لأضحيته إن
كان يضحي، فإن لم يذبح، اعتُبر فراغه من الصلاة والخطبة، ومضيّ قدرٍ يُمكن فيه ذبح
الأضحية.
قُلْتُ:
أَرَأَيْتَ الضَّحِيَّةَ، هَلْ تُجْزِئُ مَنْ ذَبَحَهَا قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ
الْإِمَامُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا.
قُلْتُ:
أَرَأَيْتَ أَهْلَ الْبَوَادِي وَأَهْلَ الْقُرَى فِي هَذَا سَوَاءٌ؟ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ -
فِي أَهْلِ الْقُرَى الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ إمَامٌ-: إنَّهُمْ يَتَحَرَّوْنَ
صَلَاةَ أَقْرَبِ الْأَئِمَّةِ إلَيْهِمْ وَذَبْحَهُ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ
تَحَرَّى أَهْلُ الْبَوَادِي النَّحْرَ فأخطأوا فَذَبَحُوا قَبْلَ الْإِمَامِ لَمْ
أَرَ عَلَيْهِمْ إعَادَةً إنْ تَحَرَّوْا ذَلِكَ، وَرَأَيْتُ ذَلِكَ مُجْزِئًا
عَنْهُمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ذَبَحُوا
بَعْدَ الصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ الْإِمَامُ أَيُجْزِئُهُمْ ذَلِكَ فِي
قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا يُجْزِئُهُمْ ذَلِكَ وَلَا يَذْبَحُونَ إلَّا بَعْدَ
ذَبْحِ الْإِمَامِ عِنْدَ مَالِكٍ وَهَذَا فِي الْمَدَائِنِ. [المدونة (١/ ٥٤٦)]
٣. المذهب الشافعي (الارتباط بزمن
الصلاة والخطبتين)
يرى الشافعية
أن وقت الأضحية يدخل بطلوع شمس يوم النحر، مع مضي قدرٍ من الزمن يتسع لصلاة ركعتين
خفيفتين وخطبتين خفيفتين. ولا يشترطون فعل الصلاة حقيقةً من المضحي، وإنما العبرة بمضي
وقتها المقدر شرعًا.
فَيَدْخُلُ وَقْتُ التَّضْحِيَةِ إِذَا
طَلَعَتِ الشَّمْسُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَمَضَى قَدَرُ رَكْعَتَيْنِ وَخُطْبَتَيْنِ
خَفيفات عَلَى الْمَذْهَبِ... وَيَخْرُجُ وَقْتُ التَّضْحِيَةِ
بِغُرُوبِ الشَّمْسِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ.
وَيَجُوزُ لَيْلًا وَنَهَارًا، لَكِنْ تُكْرَهُ التَّضْحِيَةُ وَالذَّبْحُ
مُطْلَقًا فِي اللَّيْلِ، فَإِنْ ذَبَحَ قَبْلَ الْوَقْتِ، لَمْ تَكُنْ
أُضْحِيَّةً، فَإِنْ لَمْ يُضَحِّ حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ، فَاتَتْ.[روضة الطالبين وعمدة
المفتين (٣/ ١٩٩)].
ظَاهر الْخَبَر- أي: قول النَّبِي صلى الله
عليه وسلم: «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا ذَبَحَ لِنَفْسِهِ، وَمَنْ ذَبَحَ
بَعْدَ الصَّلَاةِ فَقَدْ تَمَّ نُسُكُهُ وَأَصَابَ سُنَّةَ الْمُسْلِمِينَ» [البخاري
(٥٥٤٦) يدل على اعْتِبَار الصَّلَاة، فَلم
عدلتم عَن ذَلِك إِلَى اعْتِبَار الْوَقْت، فَالْجَوَاب: أَن فعل الصَّلَاة لَيْسَ بِشَرْط فِي دُخُول الْوَقْت
بِالنِّسْبَةِ إِلَى أهل السوَاد بالِاتِّفَاقِ، فَكَذَلِك فِي أهل الْأَمْصَار،
وَالله أعلم.
وَيخرج وَقت التَّضْحِيَة بِانْقِضَاء
أَيَّام التَّشْرِيق؛ لقَوْله صلى الله عليه وسلم: «أَيَّام منى كلهَا منحر» [أحمد،
مسند، (١٤٤٩٨) عن جابر، رضي الله عنه]. وَلِأَن حكم ثَالِث أَيَّام التَّشْرِيق
حكم اليوميين قبله فِي الزَّمن، وَفِي تَحْرِيم الصَّوْم، فَكَذَا فِي الذّبْح.
وَالله أعلم. [تقي الدين الحصني، كفاية الأخيار في حل غاية الاختصار
(ص٥٣٢)]
٤. المذهب الحنبلي (الارتباط بفراغ
صلاة الإمام)
يرى
الحنابلة أن وقت الأضحية يبدأ من الفراغ من صلاة العيد مع الإمام، ولو كان الذبح قبل
الخطبة. أما من كان في موضع لا تُقام فيه صلاة العيد، فيبدأ وقته بعد طلوع الشمس بمقدار
زمن صلاة العيد.
قال
الامام ابن قدامة: (وإذا مضى من نهار يوم الأضحى مقدار صلاة العيد وخطبته، فقد حل الذبح
إلى آخر يومين من أيام التشريق نهارًا، ولا يجوز ليلًا) الكلام في وقت الذبح في
ثلاثة أشياء؛ أوله، وآخره، وعموم وقته أو خصوصه، أما أوله؛ فظاهر كلام الْخِرَقِيِّ
أنه إذا مضى من نهار يوم العيد قدر تحل فيه الصلاة، وقدر الصلاة والخطبتين
التامتين في أخف ما يكون، فقد دخل وقت الذبح، ولا يُعتبر نفس الصلاة، لا فرق في هذا
بين أهل المصر وغيرهم.[ ابن قدامة ، المُغني (٩/ ٤٥٢)] .