وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
يرتكز الربط بين استقلال الوطن عسكريًا وتطهير العقول من الأفكار المتطرفة على حقائق استراتيجية كبرى، حيث يمثل التلازم بين تحرير الجغرافيا وتطهير العقول قاعدة أساسية في فقه بناء الدول؛ ذلك أن الأرض التي رويت بدماء الشهداء زكية طاهرة لنيل حريتها، لا يمكن ترك عقول أبنائها كلأ مباحًا للأفكار الوافدة والمنحرفة التي تصنعها دهاليز التنظيمات الإرهابية، فبقاء التطرف يمثل استعمارًا باطنًا يهدد كيان الأمة من داخلها، ويظهر ذلك في محورين:
إن سيادة الدولة على حدودها الجغرافية تفقد قيمتها إذا تركت عقول مواطنيها مستباحة لأجندات تنظيمية عابرة للحدود؛ وهي تنظيمات لا تؤمن بمفهوم الوطن وتراه مجرد "حفنة تراب"، مستبدلة الولاء للمؤسسات الوطنية الرسمية بالولاء المطلق للقيادات التنظيمية المارقة، متناسية خطورة السعي بالفساد وتدمير الأوطان الذي نهى عنه الحق سبحانه في قوله سبحانه: ﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِی ٱلۡأَرۡضِ لِیُفۡسِدَ فِیهَا وَیُهۡلِكَ ٱلۡحَرۡثَ وَٱلنَّسۡلَۗ وَٱللَّهُ لَا یُحِبُّ ٱلۡفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥].
تلتقي تنظيمات المروق مع المحتل التقليدي في ذات النتيجة؛ فبينما يسعى المستعمر لتفكيك الدولة للسيطرة عليها، تعمل جماعات التكفير على تفجيرها من الداخل بتمزيق النسيج الاجتماعي، واستباحة الدماء المعصومة، واستهداف القلاع المؤسسية كالجيش والشرطة والقضاء بناءً على مفاهيم مشوهة للحاكمية والجاهلية.
هذا التلازم يفرض على صانعي السياسات والموجهين الفكريين السير في خطين متوازيين؛ حماية الحدود الجغرافية بالردع العسكري واليقظة الأمنية، وحصانة الحدود العقلية بالوعي المعرفي والتأصيل الشرعي المستنير؛ مصداقًا للتوجيه النبوي الشريف الذي جمع بين عين الحراسة وعين الخشية والوعي في قوله - صلى الله عليه وسلم: «عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ كَشْيَةِ اللَّهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» [الترمذي، السنن، رقم ١٦٣٩]، فالعقل المحصن ضد لوثة التكفير هو خط الدفاع الأول عن تراب الوطن، ووعي الشباب هو صمام الأمان الحقيقي الذي يحفظ مكتسبات جلاء المستعمر.
أتثبت الحقائق التاريخية والوثائق السياسية الثابتة أن جماعات الغلو الفكري لم تكن نبتة محلية خالصة، بل رعتها أيادٍ استعمارية وظّفت الخطاب الديني لتمزيق النسيج الوطني وإضعاف قوى المقاومة الوطنية المشروعة؛ ويتجلى هذا الاختراق البريطاني في عدة شواهد تاريخية موثقة:
يُعد تقديم الدعم المالي المباشر من قِبل (شركة قناة السويس) العالمية، والتي كانت خاضعة للإدارة والسيادة البريطانية الفعلية، لنواة التأسيس الأولى لتلك الجماعات في الإسماعيلية عام ١٩٢٨م أبرز شواهد التوظيف الاستعماري؛ إذ تلقت تلك الحركة مبلغًا قدره ٥٠٠ جنيه مصري - وهو ثروة طائلة بمعايير تلك الحقبة - لبناء مسجدها ومقرها الأول، بهدف إيجاد قوة دينية موازية تضعف الحركات العمالية والنقابات الاشتراكيّة الوطنية التي كانت تهدد مصالح بريطانيا الحيوية في منطقة القناة [راجع: ميتشل، ريتشارد، الإخوان المسلمون، مكتبة مدبولي، القاهرة، ص ٣٤-٣٥، مارك كورتيس، شؤون سرية: تواطؤ بريطانيا مع الإسلام الراديكالي، ص ٤٢].
تكشف وثائق الخارجية البريطانية الرسمية أن السفير البريطاني في القاهرة - مايلز لامبسون - كان يتابع نمو وتمدد جماعات المروق عن كثب، وأوصى في تقاريره السرية المرفوعة إلى لندن بالتعامل مع هذه الحركات ودعمها كقوة وظيفية يمكن استخدامها لضرب طموحات القوى الوطنية والمشاعر الاستقلالية الجارفة المناهضة لبريطانيا [راجع: الأرشيف الوطني البريطاني (Kew، لندن)، وثائق وزارة الخارجية البريطانية، أرتميس كوبر: القاهرة في الحرب العالمية الثانية ۱۹۳۹ - ۱۹٤٥ ، ط ١ ، المركز القومي للترجمة القاهرة ٢٠١٥، ص ١١٦].
عقب ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢م، عندما بدأت الدولة الوطنية تبني خطًا سياسيًا معاديًا للاستعمار ومطالبًا بالجلاء التام، سارعت المخابرات البريطانية عبر ضابطها في القاهرة (تريفور إيفانز) إلى عقد لقاءات سرية مع القيادة العليا للتنظيم الشيطاني لترتيب تنسيق مشترك يهدف إلى إضعاف النظام الوطني الجديد وإثارة الاضطرابات الدينية لإيجاد مبرر دولي يمنع جلاء القوات البريطانية.
عمد الاحتلال البريطاني إلى توظيف الأدبيات الإقصائية الطائفية التي تتبناها جماعات المروق لإحداث قطيعة داخل النسيج الوطني؛ فبينما كانت الحركة الوطنية الجامعة تقوم على شعار (الدين لله والوطن للجميع)، دخلت هذه الجماعات المتطرفة لإثارة النعرات الطائفية وتكفير الشركاء في الوطن، مما سمح لبريطانيا بتبرير وجودها العسكري بدعوى حماية الأقليات [راجع: طارق البشري، الحركة السياسية في مصر: ١٩٤٥ - ١٩٥٢، ص ٤١١-٤١٥].
من خلال تحويل دفة ما يسمونه الجهاد من محاربة المحتل البريطاني الرابض في معسكرات التل الكبير، إلى محاربة المفكرين التنويريين، وتكفير الأحزاب الوطنية، وتفجير المنشآت المدنية عبر التنظيم السري المسلح في الأربعينيات، استُنزفت القوة الحيّة للمجتمع في صراعات بينية داخلية أطالت أمد الاحتلال [راجع: أحمد عادل كمال، النقط فوق الحروف: الإخوان المسلمون والنظام الخاص، الزهراء للإعلام العربي، القاهرة، ص ١٨٠-١٨٥].
إن هذا السياق التاريخي يفرض حتميةً فكريةً وواقعيةً أثبتتها التجربة المصرية؛ وهي أن معركة التحرر الوطني والسيادة الكاملة لا يمكن أن تكتمل بمجرد جلاء الجيوش الأجنبية الغازية، بل تستوجب بالضرورة جلاء واستئصال الجماعات التكفيرية المارقة التي نبتت ورُعيت في ظلال ذلك الاحتلال.
تلازم مشروع التحرر المصري دائمًا مع مواجهة هذا الفكر الإقصائي عبر المحاور التاريخية التالية:
عندما وقعت مصر اتفاقية الجلاء مع بريطانيا عام ١٩٥٤م، تحركت الجماعات التكفيرية المارقة بشكل محموم لإجهاض هذا الإنجاز الوطني؛ لأن بقاء الدولة الوطنية القوية ينهي مبررات وجودها القائم على إدارة الأزمات والعيش في مربعات الفوضى فكان حادثة المنشية (١٩٥٤م)، حيث جاءت محاولة الاغتيال الآثمة في ميدان المنشية عام ١٩٥٤م، أثناء الاحتفال باتفاقية الجلاء، لتؤكد أن تنظيمات المروق الديني رأت في خروج المحتل وتأسيس دولة السيادة خطرًا على مشروعها الأممي؛ إذ كان الهدف إسقاط الدولة وإدخال البلاد في أتون حرب أهلية تعيدها لمربع الوصاية [عبد العظيم رمضان: جماعات الغلو والتنظيم السري المسلح، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ص ١٩٥-٢٠٢].
وعلى إثر ذلك، طالت الاعتقالات والمحاكمات آلاف العناصر وصدرت أحكام مغلظة بحق قادتهم ومنظّري فكر الحاكمية، حتى أُفرج عن أبرزهم عام ١٩٦٤م؛ وهي الحقبة الحرجة التي شهدت داخل السجون بذور صياغة أدبيات التكفير الشامل للمجتمع، وإن كانت تنظيمات التكفير العنيفة لم تظهر علنًا في الفضاء العام بتاتًا إلا في العقد التالي [قطب، محمد، واقعنا المعاصر، دار الشروق، القاهرة، ص ٣٩٦-٤٠١، صلاح الخالدي، من التأسيس إلى أيديولوجيا التكفير، دار القلم، دمشق، ص ٣٤٦-٣٦٥].
عند التفتيش عن الخيط الناظم، والمنجم الفكري الذي تولدت منه كل تلك الأطروحات، تبين أنه كتاب "ظلال القرآن"؛ وأن ما سواه من كتب سيد قطب ككتاب "معالم في الطريق" فما هي سوى مقتطفاتٍ من كتاب "الظلال"، حتى قال القرضاوي في مذكراته: "إن فكرة التكفير لم ينفرد بها كتاب المعالم، بل أصلها في الظلال وفي كتبٍ أخرى أهمها العدالة الاجتماعية"، فظلال القرآن هو المدونة الأساسية التي ترتكز عليها وتنبثق منها كل تلك التيارات التكفيرية، مما يحتم وضعه تحت المجهر، وقيام عملٍ علميٍّ نقديٍّ دقيقٍ يعتصر الكتاب ويستخلص من بين صفحاته وإسهابه البياني تلك المقولات الرئيسية [د. أسامة الأزهري: الحق المبين، دار الفقيه للنشر والتوزيع، ص١٧-١٨].
ومع ظهور تنظيم ١٩٦٥م بقيادة سيد قطب وكتابه "معالم في الطريق" وبيانه "لماذا أعدموني"، صِيغ الفكر التكفيري المارق بشكلٍ بنيويٍّ كاملٍ عبر مفهوم "جاهلية المجتمع"، وتكفير الحكام والشعوب والمؤسسات الوطنية بما فيها الأزهر الشريف؛ هنا أدركت الدولة المصرية أن جلاء العسكري البريطاني يجب أن يتبعه جلاءٌ فكريٌّ وتنظيميٌّ لهذه الجماعات التي تحولت إلى خناجر في ظهر الوطن وقت مواجهة العدو الخارجي [رفعت السعيد: حسن البنا: متى وكيف ولماذا؟، دار الثقافة الجديدة، القاهرة، ص٢٤٥].
وقد امتد هذا الأثر الفكري ليتشكل تنظيمياً من خلال "تنظيم الفنية العسكرية" عام ١٩٧٤م و"جماعة التكفير والهجرة"؛ ففي تلك البيئة المنغلقة داخل السجون، بدأت النواة الأولى لتيار التكفير الشامل تتشكل تنظيماً وفكراً، حيث كادت القيادة التنظيمية لهذا الفكر المارق تجمع الأتباع وتصيغ الرسائل الأيديولوجية، ليمتد النشاط بعد الإفراج عنهم إلى أخذ البيعة المطلقة وتقسيم المهام في بيئةٍ تنظيميةٍ تقوم على السمع والطاعة التامة، والانقياد الكامل لتلك القيادة برغم ما عُرف عنها من حدةٍ وعصبيةٍ مفرطةٍ في مواجهة من يخالفها الرأي [عبد الرحمن أبو الخير: ذكرياتي مع جماعة التكفير والمروق، دار البحوث العلمية، الكويت، ص١٨-١٩، و٣٢-٣٣].
ويؤكد ذلك أن صالح سرية وكتابه "رسالة الإيمان" التي تنادي بتكفير الحكام وجاهلية المجتمع واعتباره دار حربٍ؛ قد نبعت بالأساس من أطروحات سيد قطب وكتابه "ظلال القرآن"؛ وأن شكري مصطفى وتنظيم التكفير والهجرة قد انبثق من "ظلال القرآن"؛ وأن محمد عبد السلام فرج وتنظيم الجهاد وكتابه "الفريضة الغائبة" كذلك، وصولاً في نهاية المطاف إلى تنظيم "داعش"، ء وبيان ذلك أن تركي بن مبارك البنعلي كتب كتاباً عن الرجل الثاني في "داعش" أبي محمد العدناني (طه صبحي فلاحة) يحمل اسم "اللفظ الساني في ترجمة العدناني"، فذكر فيه صراحةً أن العدناني تأثر جداً بتفسير "ظلال القرآن" لسيد قطب، وأنه كان من أحب الكتب إلى قلبه حتى عكف عليه عشرين سنةً وهمّ بكتابته بخطه، وأنه في درس التلاوة مرّ على قول الله تعالى: ﴿وَمَن لَّمۡ یَحۡكُم بِمَاۤ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَٰۤئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، فهزته هذه المسألة الأم التي تفرعت عنها كل أيديولوجيات المروق المعاصرة. [د. أسامة الأزهري: الحق المبين، دار الفقيه للنشر والتوزيع، ص١٧-١٨].
وقد تجسد هذا التحور الفكري الخطير في ظهور تنظيمات الغلو التي كفّرت المجتمع كليًا واعتزلته، ثم انتقلت فورًا إلى العنف الدموي الذي توج باغتيال وزير الأوقاف الأسبق الشيخ الذهبي عام ١٩٧٧م، لعجزهم عن مواجهة الحجة بالحجة بعد أن فكّك أفكارهم المنحرفة علميًا وفقهيًا؛ وهي العمليات الإرهابية التي كانت تستهدف بالأساس ضرب النواة الصلبة للدولة الوطنية، وإشغالها بمعارك أمنية وجانبية لاستنزاف طاقاتها عن معركة البناء والتنمية الكبرى عقب نصر أكتوبر ١٩٧٣م [راجع: علي مبروك، الخطاب السياسي للجماعات الإسلامية، دار التنوير، بيروت، ص ٨٨-٩٢].
ثم بلغ هذا المروق الفكري مداه الجنائي والسياسي فوق منصة العرض العسكري لانتصارات أكتوبر عام ١٩٨١م، حين أقدمت أجنحة هذا التنظيم السري المسلح على اغتيال رئيس الدولة وقائدها الأعلى وسط جند الصاعقة والمدفعية؛ وهو الحادث الغادر الذي قطع الشك باليقين، وأثبت أن العدو الحقيقي والأول لهذه الجماعات هو الدولة الوطنية وجيشها النظامي، في تلاقٍ كامل وخبيث مع ذات الأهداف التي كان يسعى إليها المحتل الأجنبي تاريخيًا حين كان يعمد إلى حصار قصر عابدين لكسر إرادة الدولة، أو ضرب خطوط دفاع الشرطة الوطنية الاستباقية في الإسماعيلية لإحداث الفراغ الأمني [لورانس رايت: البروج المشيدة، دار نشر كنوبف، نيويورك، ص ٦٥-٧٢].
إن التاريخ المعاصر يؤكد أن بقاء هذه الجماعات يعني بقاء بؤر الاستعمار غير المباشر؛ فالتمويل الأجنبي والتوجيه الاستخباراتي الدولي ظل عصب هذه التنظيمات في كل تحول سياسي، ولم يتوقف هذا المد التدميري عند تلك المحطة، بل امتد ليتجلى في أبشع صوره خلال موجة إرهاب التسعينيات؛ حيث ركزت تنظيمات المروق استراتيجيتها على ضرب قطاع السياحة، ومحاولة تصفية الرموز الفكرية والقامات الأدبية والتنويرية، واستهداف رجال الشرطة البواسل والشركاء في الوطن من الأقباط [منتصر الزيات، الجماعات الإسلامية، دار مصر المحروسة، القاهرة، ص ١١٢-١١٨]، ولم تكن هذه العمليات عشوائية، بل كانت تستهدف بدقة عزل الدولة الوطنية اقتصاديًا وسياسيًا، وتجفيف مصادر دخلها القومي، وتدمير بنيتها الحضارية والثقافية من الداخل؛ وهو ذات المخطط الاستراتيجي الخبيث الذي سعى إليه الاحتلال الأجنبي تاريخيًا لإظهار مصر كدولة عاجزة عن إدارة شؤونها وحماية مواطنيها، لإيجاد الذرائع الدولية المستمرة للتدخل في قرارها السيادي وإجهاض مسيرتها في البناء والتنمية.
وقد أعادت أحداث عام ٢٠١١م وما تلاها إنتاج هذا المخطط الاستعماري القديم برداء جديد يسعى إلى تفتيت الجغرافيا وإعادة تقسيم المنطقة، حيث تحالفت تنظيمات التكفير والمروق مع قوى دولية وإقليمية لتقويض الكيانات القائمة وتفكيك الجيوش الوطنية بالمنطقة، وكان وعي الشعب المصري والمؤسسة العسكرية الوطنية، هو نقطة التحول الاستراتيجية التي فرضت الجلاء الثاني والأخطر؛ وهو جلاء عباءة المروق الديني والتطرف الفكري التي حاولت اختطاف هوية الدولة وتاريخها الحضاري، ليعاد التأسيس الحقيقي للسيادة الكاملة التي لا تقبل التجزئة [مصطفى الفقي، الدولة المصرية وتحديات الحداثة، دار الشروق، القاهرة، ص ٣١٠-٣١٥].
تنطلق الشريعة الإسلامية الغراء في مواجهتها للفكر التكفيريّ من قواعدَ كليةٍ صارمةٍ؛ فالإسلام الذي عظم حرمة الدم الإنساني وجعل زوال الدنيا أهون عند الله من قتل امرئٍ مسلمٍ بغير حقٍ، قد ربط بقاء الدين ببقاء الأوطان واستقرارها؛ إلا أن تنظيمات المروق والاتجاهات المتطرفة استقت أفكارها الأيديولوجية من أطروحات "الحاكمية"؛ تلك الفكرة المحورية التي تعد الجذر الأساسي الذي نهضت على أساسه منظومتهم الفكرية بكل مقولاتها ومفاهيمها وفروعها.
ومن رحمها تولدت بقية مفاهيمهم، كفكرة الوعد الإلهي لهذه العصبة المؤمنة، وفكرة الجاهلية التي وصموا بها بقية المسلمين، وفكرة المفاصلة والتمايز الشعوري بين الفئتين، وفكرة الاستعلاء من العصبة المؤمنة على الجاهلية وأهلها، وفكرة حتمية الصدام بين الفئتين لإقامة الخلافة، وفكرة التمكين؛ وهي شجرة المفاهيم الناتجة عن قضية الحاكمية والتي تكون في مجموعها نظريةً متكاملةً داخل عقل تلك التيارات [د. أسامة الأزهري: الحق المبين، دار الفقيه للنشر والتوزيع، ص١٧].
وقد انعكس هذا التأصيل على الواقع الحركي؛ ففي مقابلةٍ أجريت مع أحد رموز هذه الاتجاهات في لبنان، أقر بأن أدبياتهم التنظيمية والفكرية استندت بالأساس إلى تلك التنظيرات الإقصائية والجاهلية والتكفير [مجلة الوطن العربي، العدد الصادر في ٧/١٢/١٩٩٢، ص ١٤].
ومن الأفكار الشاذة التي روجت لها هذه التيارات، الاندفاع نحو تكفير المجتمعات الإسلامية قاطبة؛ ففي مصنفاتهم التنظيمية مثل كتاب (الدين الخالص) [طبعة: دار الكتب العلمية، ج ١، ص ١٤٠] يوردون تحت عنوان "تقليد المذاهب من الشرك" توسيعًا غير مسبوق لدوائر المروق، وفي ذات المصنف [ج ١، ص ١٦٠] يوردون تعليلات شاذة بنسب الشرك لأصول بشرية، بل إنهم ذهبوا في كتابهم "هل المسلم ملزم باتباع مذهب معين من المذاهب الأربعة" [ص ١٨] إلى الادعاء بأن المذاهب الفقهية المعتبرة إنما رُوِّجت من أعداء الإسلام لتفريق المسلمين، مصادمين بذلك إجماع الأمة ومستقرها الفقهي.
ولم يتوقف الغلو عند هذا الحد، بل اتسعت موجات التكفير لتشمل شعوبًا وعواصم بأكملها؛ ففي الشروح المعتمدة لديهم مثل كتاب (فتح المجيد) [طبع مكتبة دار الفيحاء ومكتبة دار السلام، ص ١٩١] توسعوا في إطلاق أحكام التكفير والردة الجماعية لتشمل بلاد الشام ومصر والعراق واليمن والحجاز وغيرهم، وصولًا إلى الادعاء في كتابهم (كيف نفهم التوحيد) [ص ١٦] بأن عتاة الجاهلية الأولى كانوا أخلص إيمانًا من المسلمين المعاصرين، وهو ما يمثل تصفية أيديولوجية للوجود الإسلامي المعاصر وتبريرًا مستبقًا للعنف المسلح.
بل ووصل الشذوذ الفكري والتهافت الاستراتيجي ببعض كبار منظري هذا التيار إلى إصدار فتاوى تخدم المخططات الاستعمارية بشكل مباشر.
هذا التصور الغريب هو الذي جعل التيارات المتطرفة التكفيرية عبر تاريخها تنكفئ على المسلمين وتريق منهم الدماء، حتى تحولوا إلى حربةٍ في نحور أهل الإسلام وألحقوا بهم النكال، دون أن يكون لهم أدنى اشتغالٍ بمخاطبة بقية الأمم والشعوب والحضارات من حولنا بما في هذا الدين من هدايةٍ وعلومٍ ومعارفَ وحضارةٍ؛ فانعكس على يدهم مقصود الدين، وانعكست عندهم مقاصد الرسالة المحمدية، وبدلاً من جعل أمة الإسلام أمةً تقوم بين الأمم مقام هدايةٍ وبيانٍ ودعوةٍ إلى الله ونشرٍ لمنظومة القيم النابعة من محاسن هذا الشرع الشريف، تحولوا إلى المسلمين فنهشوا فيهم وسفكوا دماءهم [د. أسامة الأزهري: الحق المبين، ص٦٣-٦٤].
إن هذه الأفكار المخالفة لصريح الكتاب والسنة وإجماع الأمة تُعد شذوذًا محضًا؛ فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «وَمَنْ شَذَّ شَذَّ إِلَى النَّارِ» [الترمذي: السنن،٢١٦٧]، وعلى الرغم من التناقضات البينية العميقة التي تضرب هذا التيار، فإن الشريعة بكل أحكامها ومقاصدها تبين زيف هذه الأيديولوجيات المتضاربة، والتي تؤكد الشواهد أن تفكيكها وحفظ كليات الدين الخمس لا يجد مناخًا للتطبيق والاستقرار إلا في كنف الدولة الوطنية المستقرة.
إذا كان جلاء المستعمر عسكريًا يتطلب حشدًا للجيوش وتطويرًا لمنظومات السلاح والعتاد وخوضًا للمعارك الميدانية الشاقة، فإن جلاء الغلو وتطهير العقول يقتضي تفعيلًا كاملًا لأدوات القوة الناعمة من فكر وثقافة وتعليم ودعوة مستنيرة؛ ذلك أن المعركة هنا لا تُدار في جبهات جغرافية مرئية، بل تُدار داخل العقول والأفئدة، وتستهدف انتزاع جذور الشبهات والضلالات التي تبثها منصات التطرف عبر الفضاءات الرقمية والكتائب الإلكترونية المضللة.
وتتسع دائرة المواجهة المعرفية لتشمل تفكيك الأصول والمقولات التي بنيت عليها أطروحات الإسلاميين المعاصرين، كقضية الحاكمية، والجاهلية، وحتمية الصدام، ومفاهيم الجهاد، والخلافة، والتمكين، وعلاقة الأوطان والقوانين بالشريعة، وغيرها من الأفكار المفخخة التي أنتجت تكفيراً ودماءً [د. أسامة الأزهري: الحق المبين، ص٩-١٠].
إن الأزهر الشريف يقتفي اليوم أثر سيدنا عبد الله ابن عباسٍ - رضي الله عنهما - في مناظرته للخوارج؛ حيث حصر مقولاتهم وفكك تأويلهم المنحرف بأدوات المعرفة الحاضرة والمنهج العلمي المنضبط، ومن العجيب أن تلك التيارات بدأت حركتها بمسألة "الحاكمية" بناءً على فهمٍ سقيمٍ لقوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمۡ یَحۡكُم بِمَاۤ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَٰۤئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾[المائدة: ٤٤]، وهي المسألة الأم ذاتها التي انطلقت منها تنظيمات زماننا متأثرةً بالفهم السقيم عينه؛ مما يضعنا أمام منهجٍ أزهريٍّ مستقيمٍ، يقابله منهجٌ سقيمٌ مفعمٌ بالتشنج يفتقر للبصيرة وأدوات الفهم.
إن سند هذه التيارات ينتهي إلى فكر الخوارج، بينما ينتهي سند الأزهر العلمي إلى سيدنا ابن عباسٍ - رضي الله عنهما - في موقفه الرصين، واستمراراً لهذا الدور، يعكف علماء الأزهر على إعداد جمهرةٍ لتوثيق الآيات والأحاديث التي انتهكها الفكر المتطرف لبيان وجه الغلط في استدلالاتهم، ولا يعني هذا احتكاراً للمعرفة، بل هو غيرةٌ على منهجٍ علميٍّ أصيلٍ شاركته فيه مدارس عريقة كالزيتونة، والقرويين، والأموي، وجامع الفاتح [د. أسامة الأزهري: الحق المبين، ص١٢-١٣]، وتتكامل هذه المواجهة عبر مساراتٍ مؤسسيةٍ تنظمها المؤسسات الدينية الرسمية من خلال المؤتمرات الدولية للأزهر الشريف ووزارة الأوقاف، والتي شكلت منصاتٍ عالميةً لتفكيك الفكر التكفيري، بالتوازي مع دوراتٍ تدريبيةٍ تخصصيةٍ مكثفةٍ بأكاديمية الأزهر العالمية لتدريب الأئمة والوعاظ على نشر الفكر المستنير بالدليل الشرعي الرصين.
تؤكد حقائق التاريخ وشواهد الحاضر أن صون استقلال الأوطان جغرافيًا وعسكريًا يظل رهينًا بمدى نجاح معركة الجلاء الفكري؛ فاستئصال الغلو وتطهير العقول من لوثة التكفير ومفاهيم المروق الديني ليس ترفًا فكريًا، بل هو ركيزة سيادية متممة للتحرر الوطني، وضمانة أساسية لاستقرار الدولة الوطنية المعاصرة وحفظ كلياتها المقاصدية الخمس.
الأمنُ أساسُ بناءِ الدولِ ومقصدٌ شرعيٌّ، حمايتُه واجبٌ لمستقبلٍ مزدهرٍ.
انتفاضة يونيو: ثورةُ شعبٍ رفض الاستبداد والهيمنة لحماية هويته المصرية.
يُعد يوم الجلاء ١٨ يونيو ١٩٥٦ علامة فارقة في تاريخ مصر
دور مصطفى كامل ومحمد فريد وسعد زغلول في يوم الجلاء
تتلاقى محطات الاستقلال الفاصلة كعيد الجلاء مع المقاصد الشرعية الكبرى التي ترتفع بحب الوطن إلى مصاف الواجبات التعبدية