أسهمت عدة عوامل في ظهور الحواضر الإسلامية في إفريقيا جنوب الصحراء، وهي في مجملها عوامل مرتبطة بحركة المسلمين نحو إفريقيا، سواء كانت تلك الحركة فتحًا، أم هجرةً، أم حراكًا دعويًّا، أو تجارةً، ولكنَّها في النهاية أكسبت تلك المدن الصغيرة أهميةً خاصةً، وأوقدت فيها جذوة الحضارة، ونحاول أن نعرض في هذا المبحث لبعض هذه العوامل:
١- الجهاد والفتح الإسلامي
أدَّت حركة الفتح الإسلامي في القرنين الأول والثاني الهجري، إلى استقرار الإسلام في مصر والشمال الإفريقي، مما جعله قاعدة قوية ينطلق منها الإسلام إلى المناطق المجاورة، وفيما بعد قامت دول قوية، قوامها العرب أو البربر، مثل دولة الأدارسة (٧٨٨ –٩٧٤م)، ودولة الأغالبة (٨٠٠- ٩٠٩م)، والمرابطين (١٠٥٦– ١١٤٧م)، ومن بعدهم الموحدين (١١٢١– ١٢٦٩م)، وخلفاؤهم بني مرين (١٢٤٤ – ١٤٦٥م). وفي هذه الدول وغيرها نشأت حواضر ومراكز تجارية، مثل القيروان، وفاس، ومراكش، والرباط، وزاويلة، وغدامس، وورقلة، وتوات، وسلجماسة، وتلمسان، وأوداغست، وغيرها من المدن التي كان لها تأثيرها الثقافي على دول السودان الغربي.
وقد كانت دولة المرابطين، من أكثر الدول الإسلامية في المغرب تأثيرًا، على السودان الغربي؛ بسبب حركة الفتوح الواسعة التي قام بها أبو بكر بن عمر اللمتوني، الذي أسقط دولة غانا الوثنية، مُفْسِحًا بذلك المجال لقيام دول إفريقية إسلامية خالصة مثل دولة مالي، التي ازدهرت فيها الحواضر الإسلامية، مثل ماسينا، وتمبكتو، وغاو، وجيني.
وفي السودان الأوسط، برزت حركات جهادية عظمى، خاصةً في الفترة بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين، ونجحت تلك الحركات في تكوين دول إسلامية، وأصبحت عواصمها ومدنها الكبرى حواضر إسلامية ذات تأثير كبير، من تلك الحركات: حركة الشيخ عثمان دان فوديو (١٧٥٤- ١٨١٧م) الذي أنشأ سلطنة “سكتو” الإسلامية، بحواضرها، سكتو وكانو، وحركة أحمدو لوبو (١٧٧٥– ١٨٤٤م) في ماسينا، وحركة عبد الكريم بن جامع، الذي أنشأ دولة وداي الإسلامية (١٦٣٥– ١٩٠٩م).
وفي سودان وادي النيل أدى تحالف الفونج والعرب القواسمة، إلى إسقاط دولة علوة، آخر الدول المسيحية في السودان، وقيام دولة الفونج الإسلامية (١٥٠٥- ١٨٢١م) بحاضرتها سنار.
وتوسع النفوذ العربي العماني، الذي سيطر على زنجبار في شرق إفريقيا ومساحة واسعة من الساحل الشرقي لإفريقيا، توسَّع متوغلًا إلى داخل إفريقيا؛ حيث نشأت عدة إمارات إسلامية قوامها العرب، انطلاقًا من الساحل الشرقي، ممتدةً إلى منطقة البحيرات، فيما عُرف بمناطق (البابيكي)، وحتى مصب نهر الكونغو، خاصة منطقة (كاتنقا)؛ حيث نشأت إمارتي (تيبو تيب) و(مصيري)، وازدهرت فيهما الحضارة، والثراء بشكل لم يسبق له مثيل، حتى إن الغزاة البلجيكيين عندما قدموا إلى تلك المناطق وأسقطوا تلك الإمارات، أصابهم الذهول لما شاهدوه من مظاهر الثراء والتحضر، والرفاهية.
٢-الهجرات البشرية والتمازج العرقي
تُعدّ الهجرة من أهم العوامل التي انتشر بها الإسلام في إفريقيا، ربما كان تأثيرها يفوق بكثير تأثير الفتح الإسلامي، وعلى مرّ عصور التاريخ الإسلامي في هذه القارة، تعاقبت هجرات كبيرة من بلاد الإسلام المختلفة على إفريقيا، فأنتجت التمازج العرقي والثقافي، وأدت إلى دخول السكان المحليين الإسلام، واستعراب الكثير منهم، الأمر الذي كان له أثره الكبير في نشوء الحواضر الإسلامية، والإمارات والدول.
ولا شك أن أول الهجرات لإفريقيا كانت الهجرة من مكة إلى الحبشة، تلك التي عُرفت بهجرة الحبشة الأولى، وكانت أول هجرة في الإسلام، ثم تلتها هجرة الحبشة الثانية، والهجرتان حملتا الإسلام إلى أول أرض خارج مكة وجزيرة العرب؛ حيث استقر الصحابة بأرض الحبشة في حماية مَلِكها أصحمة، الذي اعتنق الإسلام، ولم يعودوا إلا بعد فتح خيبر.
صحيح أنها لم تُحْدِث انتشارًا كبيرًا للإسلام في أرض الحبشة التي كانت تدين بالنصرانية، إلا أنها جعلت الإسلام معروفًا لأهل تلك البلاد.
ولقد شهدت شرق إفريقيا كمًّا هائلًا من هجرات المسلمين من جزيرة العرب؛ من اليمن عمان، وحتى فارس، مما كان له أكبر الأثر في انتشار الإسلام في ساحل إفريقيا الشرقي، ونشوء الممالك والإمارات الإسلامية هناك، مثل كلوة، وشوا، ومقديشيو، ولامو، وماليندي، وممباسا، زنجبار، وساهموا بشكل رئيس في إنشاء الممالك التي عرفت بممالك الطراز الإسلامي، على ساحل المحيط الهندي، وقد كان لكثرة الاضطرابات السياسية في أراضي الإسلام في المشرق بجانب قرب سواحل إفريقيا الشرقية من جزيرة العرب، أثر كبير في تدفق هجرات الفارّين السياسيين، وغيرهم إلى تلك السواحل، بعيدًا عن سلطان خصومهم، خصوصًا أن الاتصال البحري بين العرب وسواحل إفريقيا قديم.
ومن أشهر الهجرات التي شهدتها شرق إفريقيا:
أ- هجرة بني مخزوم في عهد الخليفة الراشد الثاني عمر بن الخطاب إلى الحبشة، واستقروا هناك، وفيما بعد أسَّست ذراريهم أقدم مملكة إسلامية عُرفت في تلك النواحي، وهي مملكة “شوا” سنة (٢٨٣هـ الموافق ٨٩٦م).
ب- هجرات الشاميين في عهد بني أمية؛ حيث هاجر بعض الناقمين على سياساتهم، إلى سواحل إفريقيا، خلال السنوات من (٧٦- ٨٥هـ)، بأعداد كبيرة، واستطاعوا إخضاع السكان الأصليين، ونزلوا في لامو، وبات، وماليندي، وممباسا.
ج- هجرة آل الجلندي الأزديين، الذين يحكمون نواحي عمان الحالية، فأجلاهم عنها الحجاج بن يوسف الثقفي، فاتجهوا صوب أرض الزنج، ونزلوا بأرخبيل لامو، في كينيا الحالية، واستقروا فيها، وأنشأوا فيها إمارة إسلامية، ونشروا الإسلام وتزاوجوا مع أهلها.
د– هجرة الزيدية: بعد فشل ثورة زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب –رضي الله عنه- ضد الأمويين واستشهاده سنة ١٢٢هـ، الموافق ٧٤٠م، هاجر بعض شيعته إلى شواطئ إفريقيا الشرقية، واستقروا على ساحل بنادر قرب موقع مقديشيو الحالية، ثم اضطروا للنزوح منها إلى الداخل، واستقروا حول نهر جوبا وشبيلي.
هـ- هجرة الإخوة السبعة: وهم سبعة إخوة من قبيلة الحارث العربية، أجلاهم القرامطة عن مناطقهم بالأحساء؛ بسبب وقوفهم إلى جانب الدولة العباسية التي خرج عليها القرامطة؛ فخرجوا مع أتباعهم، ومن لحق بهم من العرب سكان شاطئ الخليج الغربي، في ثلاث سفن، ونزلوا عند شاطئ بنادر، وأجلوا الشيعة الزيدية عن مناطهم، وأسسوا مدينتي مقديشو وبراوة.
و- هجرات القبائل العربية اليمنية إلى أرض النوبة والبجة، في القرن التاسع الميلادي؛ حيث أنشأوا إمارات عربية، مثل إمارة العمري في أرض البجة، وفي القرن الثالث عشر الميلادي تجددت الهجرات العربية إلى أرض النوبة؛ حيث أسقطوا الممالك المسيحية في دنقلا والمريس، واندفعوا منها إلى كردفان وأواسط السودان.
وفي القرن السادس عشر الميلادي، تحالف الأعراب مع الفونج، وهم أيضًا يرجعون أصول نسبهم إلى بني أمية، فأسقطوا علوة، آخر الممالك النوبية المسيحية، وأقاموا السلطنة الزرقاء، بحاضرتيها، سنار، وقرّي.
ز- هجرات الفولانيين، في غرب إفريقيا، الذين ينسبون أنفسهم إلى عقبة بن نافع الفهري، فاتح إفريقيا، وقد نزحوا من مناطقهم الأصلية في جنوب المغرب، متوغلين في أرض السودان، ومتجهين نحو الشرق، حتى وصلوا إلى مواطنهم الحالية في نيجيريا.
٣- الحركة التجارية والأسواق الكبرى
لعبت التجارة دورًا كبيرًا في بروز الحواضر الإسلامية، وازدهارها، فقد اكتسبت المدن التي كانت تحوي الأسواق، أو تقع على طريق القوافل أهمية كبرى، فقد نالها من الثراء، والتطوُّر ما نالها جراء حركة المال والبيع والشراء. وكانت القوافل تأتي بالبضائع، وتحمل معها الثقافة والعلم والمعرفة، وكثير من التجار، كانوا دعاة للإسلام بسلوكهم. وكما جذبوا الأهالي للإسلام وحبَّبوه إليهم، كذلك جذبوا العلماء والدعاة إلى تلك المدن بما يُطلعونهم عليه من أخبارها. فصارت تلك المدن مراكز للتجارة، ومراكز للإشعاع المعرفي الإسلامي. [محمد عبد الله النقيرة، انتشار الإسلام في شرقي إفريقية ومناهضة الغرب له، دار المريخ للنشر، الرياض ١٩٨٢م، ص (٧٩-١٠٤)، وعبد القادر زبادية، دراسة عن إفريقيا جنوب الصحراء في مآثر ومؤلفات العرب والمسلمين، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، ص (٢٣ -٢٥).].
ومن أهم الحواضر التي بدأت في الأصل مراكز تجارية في غرب إفريقيا:
أ- تنبكتو: التي بدأت معسكرًا صغيرًا للطوارق، يقع في طريق القوافل، ثم ما لبثت أن أصبحت مدينة، وازدهرت بوصفها مركزًا تجاريًّا مُهمًّا، في عهد سلطنتي مالي وسنغي، واكتسبت أهميتها من موقعها الممتاز على منحنى نهر النيجر، فأصبحت في سنغي أقرب محطة للقوافل التجارية القادمة من الغرب، كما أن موقعها على نهر النيجر، جعلها حلقة اتصال بين تجارة المغرب وتجارة السودان. [عباس كريم عبد الله، الصلات التجارية بين المغرب والسودان الغربي، مجلة كلية التربية الأساسية جامعة بابل، العدد ٤، أيلول ٢٠١٠م].
ب- جاو: كانت عاصمة لسلطنة سنغي، وتقع على بُعد أربعمائة ميل جنوب شرق تنبكتو، وكانت أكثر مدن السودان ذهبًا، يَفِد إليها التجار، فيجلبون إليها الأقمشة وغيرها من البضائع المغربية، ويأخذون منها الملح والودع والذهب والنحاس المسبوك، والرقيق.
جـ- جينيه: هي سوق عظيمة، كانت تذخر بالأموال والرجال، يلتقي فيها تجار الملح وتجار الذهب، وهما التجارتان اللتان كانت تشتهر بهما؛ حيث يتم مبادلة الملح بالذهب، هذا بالإضافة إلى ثرواتها الحيوانية والسمكية والزراعية، ولا سيما القطن الذي يشتريه التجار المغاربة مقابل الأواني النحاسية والأسلحة وغيرها. كما أن جينيه تقع في منطقة محاطة بالمياه، وذلك ما ساعد على تأمينها من هجمات الغزاة.
د- زيلع: من أشهر الموانئ التي كانت تربط شرق إفريقيا ببلاد العرب، وتحيط بها المياه من ثلاث جهات، كانت تشتهر قديمًا بصيد اللؤلؤ، وفيها سوق من أكبر أسواق الرقيق، ويُحمَل منها البن والفاكهة والخشب واللبان والبخور. [محمد عبد الله النقيرة، مصدر سابق، ص ١٩٩].
هـ- وممباسا: أهَّلها موقعها المهم، بوصفها جزيرة في المحيط الهندي لأن تكون مركزًا تجاريًّا وميناءً مُهمًّا، يربط شرق إفريقيا بتجارة الهند والصين، وعبرها كانت إفريقيا تُصدِّر للعالم؛ العاج، وقرون الكركدن، والتوابل، والنحاس الأحمر، والأصفر، وتستقبل التوابل والبخور، وغيرها من منتجات الأمم.
و- وسُفالا: هي أحد أقاليم (موزمبيق)، وتقع عند نهر الزمبيزي، وهي آخر المحطات المهمة للرحلات التجارية العربية؛ حيث وصلت إليها السفن التجارية القادمة من (عُمان)، و(اليمن) وبلدان الخليج العربي وغيرها.
وارتبطت (سفالة) بتجارة الذهب منذ العصور القديمة، وأصبحت أحد المنافذ الحضارية إلى العالم الخارجي، ومقصدًا للسفن التجارية العربية حتَّى بداية العصور الإسلامية. [موسى بن خميس بن محمد البوسعيدي، تأسيس المدن الإسلامية في شرق إفريقيا، مجلة التفاهم، الصادرة عن وزارة الأوقاف والشؤون الدينية سلطنة عمان، العدد ٣٩ سنة ١٤٣٤هـ الموافق ٢٠١٣م].
وصفها المسعودي بقوله: “وكذلك أقاصي بحر الزنج هو بلاد (سُفالة)، وأقاصيه بلاد (الواق واق)، وهي أرض كثيرة الذهب كثيرة العجائب، خصبة حارة. [المسعودي، مروج الذهب ومعادن الجوهر، المكتبة العصرية، الطبعة الأولى، بيروت ٢٠٠٥م، ج ٢/٦].
٤- الرباط العلمي وحركة العلماء والدعاة
لقد كان لوفود العلماء والدعاة إلى المدن الإفريقية، وجلوسهم للتدريس، وذيوع صيتهم فيها، أثره الكبير على ازدهارها وتحضُّرها، فذلك من شأنه أن يجعلها قِبْلَة يتداعى إليها طلاب العلم من كل حدب وصوب، لينهلوا من معارفها، ويتزودوا من زادها، ما يعودون به إلى أهلهم، ناشرين للعلم والمعرفة.
وقد كان للممالك والعواصم والمراكز العلمية التي ذاع صيتها في غرب إفريقيا، مثل: تمبكتو، وجني وأغاديس، وكنو، وكتشنا، الفضل العظيم في نشر الثقافة العربية الإسلامية في المنطقة، ووصلت الثقافة العربية الإسلامية إلى ذروة ازدهارها في القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين، وذلك في عهد (إمبراطورية سنغي الإسلامية) التي اشتهرت بكثرة علمائها، ومؤلفاتهم العلمية التي أسهمت بدور كبير في نشر الثقافة الإسلامية في غرب القارة وخارجها. [د. علي يعقوب، جهود العلماء الأفارقة في نشر الثقافة الإسلامية والعربية: غرب إفريقيا نموذجًا، مجلة قراءات إفريقية، العدد الثالث، ذو الحجة ١٤٢٩هـ – ديسمبر ٢٠٠٨م].
ومن أشهر هؤلاء الأعلام
كانت تمبكتو مركز الثقافة العربية الإسلامية الأول في بلدان السودان الغربي، خلال القرن السادس عشر الميلادي، وقد تكاثر علماؤها، وقصدها طالبو العلم من أصقاع عديدة، حتى أبناء الوجهاء الوثنيين من بلاد (الموسى) كان يبعث بهم آباؤهم ليتعلموا في تمبكتو.
ففي السودان الغربي اشتهر من العلماء؛ الشيخ محمد بن عبد الكريم المغيلي التلمساني (١٤٢٥-١٥٠٤م)، الذي وُصِفَ بـ(خاتمة المحققين)، الذي عاش حياته متنقلًا من تلمسان التي وُلِدَ فيها وترعرع، إلى تمنطيط، في نواحي توات، وإلى بلاد السودان، متنقلًا بين مدنها مثل كتشنا، وكنو، وبلاد التكرور، ناشرًا للعلم والمعرفة، ومباشرًا للجهاد، وناصحًا للملوك والسلاطين ومُفتيًا، ومُعلمًا لأحكام الشرع وقواعد الدين، ومُصنِّفًا للتصانيف في فنون العلم الشرعي.
والشيخ أحمد بابا التمبكتي (١٥٥٦- ١٦٢٧م)، فقيه تمبكتو وعالِمها الموسوعي، المشهور بعالم التكرور، الذي نشر العلم والمعرفة في تمبكتو، قبل أن ينفيه الغزاة المغاربة إلى مراكش؛ حيث جلس فيها لتعليم العلم، وكان يحضر دروسه فيها المئات من طلاب العلم من داخلها وخارجها، وزادت تصانيفه عن ٤٠ مصنفًا في مختلف الفنون.
ومنهم الشيخ عبد الرحمن السعدي، صاحب تاريخ السودان، والشيخ العالِم المؤرخ، محمود كعت صاحب تاريخ الفتاش، هذا بجانب العلماء الأمراء المجاهدين الذين أقاموا دولًا، أمثال الشيخ المجاهد عثمان بن فودي (١٧٥٤- ١٨١٧م)، مؤسس دولة سكتو الإسلامية، والشيخ أحمد لوبو، صاحب ماسينا (١٧٧٥-١٨٤٤م)، والمامي عبد القادر كن الذي أقام دولته في منطقة (الفوتاتورو) على ضفتي نهر السنغال في القرن الثامن عشر، والحاج عمر الفوتي (١٧٩٤- ١٨٦٤م)، في إفريقيا الغربية والوسطى، والشيخ محمد الأمين الكانمي (ت ١٨٤٦)، في سلطنة برونو وكانم.
أما شرق إفريقيا فقد نزح إليها كثير من الفقهاء والعلماء والصوفية، من بلدان المشرق الإسلامي، ووجدوا ترحيبًا وحفاوةً من الحكام في الإمارات الإسلامية في ساحل إفريقيا الشرقي، مما شجَّعهم على البقاء ونشر العلم بأحكام الدين، ومن أمثلة تلك الحفاوة، أن سلطان مقديشو خصَّص دارًا مرتبة ومجهزة لضيافة العلماء والفقهاء الذين يفدون على مقديشو، وخصَّص أخرى لإقامة طلاب العلم ورعايتهم، والقيام بأمرهم. [محمد عبد الله النقيرة، مصدر سابق، ص (٢٧٤).].
ومن أشهر العلماء الذين كان لهم أثر في حواضر الإسلام في شرق إفريقيا: الشيخ عمر الرضا أبادير الهرري، مُؤسِّس هرر، الذي جاء في حوالي سنة ١٢١٦م (٦١٢ سنة هجرية) من الحجاز في كتيبة من الأشراف، وحلَّ بأرض هرر من أرض الحبشة، ومعه العالم المشهور الشيخ يوسف الكونين الشهير بـ(آو برخدلى)، وهو أول مَن قام بتهجية الحروف العربية شفويًّا باللغة الصومالية.