ولقد غابت حكمة انتماء الرسول صلى الله عليه وسلم إلى قومه عن نفر من العرب طمس الله على قلوبهم، وأعمى بصائرهم فهم لا يفقهون، فاستنكروا أن ينزل الله رسالته على بشر مثلهم لا يختلف عنهم في شئون الخلق والحياة، وما أبلغ الصورة التي تعبر عن هذا الموقف في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا۟ مَالِ هَٰذَا ٱلرَّسُولِ یَأۡكُلُ ٱلطَّعَامَ وَیَمۡشِی فِی ٱلۡأَسۡوَاقِ لَوۡلَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡهِ مَلَكࣱ فَیَكُونَ مَعَهُۥ نَذِیرًا * أَوۡ یُلۡقَىٰۤ إِلَیۡهِ كَنزٌ أَوۡ تَكُونُ لَهُۥ جَنَّةࣱ یَأۡكُلُ مِنۡهَاۚ وَقَالَ ٱلظَّٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلࣰا مَّسۡحُورًا * ٱنظُرۡ كَیۡفَ ضَرَبُوا۟ لَكَ ٱلۡأَمۡثَٰلَ فَضَلُّوا۟ فَلَا یَسۡتَطِیعُونَ سَبِیلࣰا﴾ [الفرقان: ۷ – ۹]
ومن قبل هؤلاء الضالين كان أسلاف لهم في العصور القديمة أنكروا على أنبيائهم ما أنكره هؤلاء، غير مدركين أن انتماء الرجل صاحب الرسالة إلى الأمة التي يتوجه إليها برسالته تلك سر من أسرار نجاحه، وأن هذه الخصيصة من أهم خصائص القيادة ومقومات القائد، يقول الله تعالى: ﴿وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِینَ إِلَّاۤ إِنَّهُمۡ لَیَأۡكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَیَمۡشُونَ فِی ٱلۡأَسۡوَاقِۗ وَجَعَلۡنَا بَعۡضَكُمۡ لِبَعۡضࣲ فِتۡنَةً أَتَصۡبِرُونَۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِیرࣰا﴾ [الفرقان: ۲۰] و﴿إِنَّمَاۤ أَنَا۠ بَشَرࣱ مِّثۡلُكُمۡ یُوحَىٰۤ إِلَیَّ أَنَّمَاۤ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهࣱ وَٰحِدࣱۖ﴾ [الكهف: ۱۱۰] و﴿وَكَذَٰلِكَ مَاۤ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ فِی قَرۡیَةࣲ مِّن نَّذِیرٍ إِلَّا قَالَ مُتۡرَفُوهَاۤ إِنَّا وَجَدۡنَاۤ ءَابَاۤءَنَا عَلَىٰۤ أُمَّةࣲ وَإِنَّا عَلَىٰۤ ءَاثَٰرِهِم مُّقۡتَدُونَ﴾ [الزخرف: ۲۳] و﴿وَإِن مِّنۡ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِیهَا نَذِیرࣱ﴾ [فاطر: ٢٤] و﴿هُوَ ٱلَّذِی بَعَثَ فِی ٱلۡأُمِّیِّۦنَ رَسُولࣰا مِّنۡهُمۡ یَتۡلُوا۟ عَلَیۡهِمۡ ءَایَٰتِهِۦ وَیُزَكِّیهِمۡ وَیُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُوا۟ مِن قَبۡلُ لَفِی ضَلَٰلࣲ مُّبِینࣲ﴾ [الجمعة: ٢]
وهكذا نَبَعَت الرسالة والرسول صلى الله عليه وسلم من صميم الأمة العربية التي أنزلت عليها شريعة الحق، فكان انتماء النبي إلى الأمة التي بعثه الله لقيادتها وبعثها من الضلال إلى الهدى من أسباب نجاح الرسالة العظمى التي اؤتمن عليها ؛ إذ أتاح هذا الانتماء أن يتحدث بلغة هذه الأمة، ويتفهم شعورها باعتباره واحدا منها اصطفاه الله من بين أفرادها، وأن يدرك نوازعها الوجدانية واتجاهاتها العقلية في مختلف مناحي الحياة والمجتمع، الأمر الذي يشكل عاملا أساسا في تيسير الدعوة إلى الرسالة والاقتناع بها قال تعالى: ﴿وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوۡمِهِۦ لِیُبَیِّنَ لَهُمۡۖ فَیُضِلُّ ٱللَّهُ مَن یَشَاۤءُ وَیَهۡدِی مَن یَشَاۤءُۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِیزُ ٱلۡحَكِیمُ﴾ [إبراهيم: ٤] و﴿كِتَٰبࣱ فُصِّلَتۡ ءَایَٰتُهُۥ قُرۡءَانًا عَرَبِیࣰّا لِّقَوۡمࣲ یَعۡلَمُونَ﴾ [فصلت: ۳] و﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِیزُ ٱلرَّحِیمُ * وَإِنَّهُۥ لَتَنزِیلُ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِینَ * نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلۡأَمِینُ * عَلَىٰ قَلۡبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُنذِرِینَ * بِلِسَانٍ عَرَبِیࣲّ مُّبِینࣲ﴾ [الشعراء: ١٩٢ – ١٩٥] و﴿وَلَوۡ نَزَّلۡنَٰهُ عَلَىٰ بَعۡضِ ٱلۡأَعۡجَمِینَ * فَقَرَأَهُۥ عَلَیۡهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ مُؤۡمِنِینَ﴾ [الشعراء: ۱۹۸، ۱۹۹]
تلك هي الأصول العامة في خاصية انتماء القائد إلى الأمة، وتحققها في سيرة الرسول ﷺ، وسوف نعرض فيما يلي تحليلا لعناصر هذه الخاصية، والعوامل التي ساعدت على اكتمالها في حياة القائد الأعظم.
فقد نبع الرسول من صميم العرب - موطنا وقبيلة وبيتا -كما تقدم، وفي ذلك يقول : «أَنَا أَعْرَبُكُم، وَأَنَا قُرَشِيٌّ وَاسْتُرْضِعْتُ فِي بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ» [الروض الأنف للسهيلي: ٢٩٤/١ السيرة النبوية لابن هشام، تحقيق: مصطفى السقا] ويقول: «إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةِ مِنْ قُرَيْشٍ، كَانَتْ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ» [رواه الطبراني في معجمه الأوسط من حديث جرير بن عبد الله البجلي برقم: ١٢٦٠، والحاكم في مستدركه برقم: ۳۷۳۳] ويقول: «إِنَّ اللهَ اصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، فَأَنَا خِيَارٌ مِنْ خِيَارٍ» [رواه الإمام مسلم بنحوه من حديث وائلة بن الأسقع، برقم: ٢٢٧٦وأسفاره، وفي ذلك يقول المرحوم الأستاذ عباس العقاد في كتابه (عبقرية محمد)].
ولما كانت القدرة على فهم مشاعر الأمة وأفكارها - نتيجة لانتماء القائد إليها - تتدعم وتتعمق إذا كان القائد قد مارس الحرفة الرئيسية للجماعة واختلط بالسواد الأعظم منها، كي يتاح له من التجارب والخبرات ما يعينه على أن يسبر أغوار القطاعات المختلفة في مجتمعه، ويدرك مغزى سلوكها وتفكيرها وأسرار اتجاهاتها وتطلعاتها فيستطيع قيادتها، ويسلس له تدبير أمورها، لما كان الأمر كذلك، فقد أراد الله لرسوله الكريم أن يكتسب هذه التجارب والخبرات ليؤهله للاضطلاع برسالته: إذ اشتغل النبي في صباه وشبابه برعي الأغنام والتجارة، وهما المهنتان السائدتان في الجزيرة العربية في ذلك الحين، واقتضاه ذلك الأمر الانتقال من مكان إلى آخر، والاتصال بنماذج مختلفة من الناس في أثناء رحلاته
خبير بكل ما يختبره العرب من ضروب العيش في البادية والحاضرة، تربى في الصحراء وألف المدينة، ورعى القطعان، واشتغل بالتجارة.
وكما شارك الرسول صلى الله عليه وسلم الطبقة العاملة الكادحة، والطبقة المتوسطة في مجتمع قريش في وسائل كسب العيش، فلقد شارك كذلك علية القوم، وذوي الرأي منهم فيما كانوا يشتغلون به من شئون الحكم، وتدبير أمور المجتمع في السلم والحرب معا، فشهد الحروب كما شهد الأحلاف.
ومن الثابت في هذه المقام أن النبي صلى الله عليه وسلم قد حضر في شبابه حلف الفضول الذي عقده بنو هاشم وزهرة وتميم وتعاهدوا فيه باسم الله المنتقم ليكونن مع المظلوم حتى يُؤدى إليه حقه، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحِلْفِ: «مَا أُحِبُّ أَنْ يَكُونَ لِي بِحِلْفٍ حَضَرْتُهُ فِي دَارِ ابْنِ جُدْعَانَ حُمْرُ النَّعَمِ» [رواه ابن حبان في صحيحه (بنحوه) من حديث عبد الرحمن بن عوف، برقم: ٤٣٧٣].
ومن ثم نشأ الرسول في قلب البيئة العربية وخالط جميع أوساطها، وكان قريبا من سراتها، غير بعيد من فقرائها فلما نزل عليه الوحي وأمر بالدعوة، صدع بها في مجتمع ولد وعاش في كنفه مخالصًا أهل سائر القبائل والبيوت
عالما بظروف هذا المجتمع، ملما بمعتقداته وتقاليده خبيرا بوسائل عمله، متقنا لغته، واعيًا أسرار تصرفاته وقد أتاحت هذه النشأة وتلك التجارب لمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحدد -بوحي من الله- أفضل السبل الهداية العرب إلى الدين الحق فكان يخاطب الناس على قدر عقولهم، ويدعو الرجل منهم إلى الإسلام بالأسلوب الذي يتفق مع مستواه فهو -بحكم معرفته بطبائع كل جماعة- يستطيع أن يختار الخطة الفكرية المناسبة لإقناعها، وهو -بحكم تعمقه في فهم النفس البشرية- يستطيع أن ينفذ إلى عقل العربي وقلبه، ويفتح عينه على نور العقيدة الصحيحة.