Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

من وحي الهجرة الانتماء إلى الأمة

الكاتب

هيئة التحرير

من وحي الهجرة الانتماء إلى الأمة

شكل الانتماء الصادق للأمة حجر الزاوية في القيادة النبوية، حيث ارتبط النبي ﷺ بقومه برباط نفسي وفكري وثيق مهد الطريق لنجاح مسيرة الهجرة، وتجلى هذا التلاحم في تفهمه العميق لطبائع مجتمعه، وتوظيفه الحكيم للروابط الاجتماعية والمصاهرة لبناء جبهة داخلية صلبة قادرة على حمل أمانة الدعوة.

الانتماء كركيزة للقيادة النبوية

إن فيصل القول في وظيفة القيادة الناجحة القيام بتلك الأعمال التي تعين أعضاء الأمة على تحقيق هدف مشترك يقتنعون بأهميته، فيتفاعلون بطريقة تضمن تماسكهم وتحركهم في الاتجاه الملائم، ومن ثم، فإن انتماء القائد إلى الأمة يقع في المقام الأول من الأهمية بين مقومات القيادة الأصيلة، لأنه يصل القائد بقومه برباط نفسي وفكري ويجمع بينهما في سبيل واحد لتحقيق غاية واحدة.

وقد دلت الدراسات النفسية والاجتماعية التي تناولت سير القادة خلال العصور المختلفة على صدق هذه النظرية فأجمع الكتاب والباحثون والمتخصصون على أن الانتماء يحقق للقائد الإحساس بمشاعر الأمة واحترام تقاليدها وتبني نمط تفكيرها، وهي جميعًا عناصر جوهرية في بناء شخصية القائد وقدرته على كسب الرأي العام؛ ذلك أن هذا التجانس النابع من الانتماء عامل أساسي في تيسير مهمة القائد لم ينشأ عنه من تجاوب بين القمة والقاعدة، وطالما تحقق هذا التجاوب فإن ثمة ضمانا لوجود أهم مقومات النجاح في العمل.

وإذا أمعنا النظر في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم على ضوء مفهوم الانتماء إلى الأمة أدركنا مدى اكتمال هذا العنصر القيادي في القائد الأعظم للأمة الإسلامية، بحكم المنبت والتنشئة الاجتماعية، إذ كان صلى الله عليه وسلم أكثر العرب تمثيلا للخصائص العربية في جوانبها المشرقة من كرم وشجاعة وشرف ومروءة ونجدة وحماية للجار وعفو عند المقدرة، وما إلى ذلك من خلال كريمة، وكان أقدرهم على فهم مشاعر قومه وأفكارهم ودوافعهم وأهدافهم، وبالتالي التأثير فيهم وكسب الرأي العام إلى جانب دعوته السامية، وإلى معنى انتماء النبي إلى العرب الذين خاطبهم برسالته تشير الآية الكريمة:

﴿لَقَدۡ جَاۤءَكُمۡ رَسُولࣱ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ عَزِیزٌ عَلَیۡهِ مَا عَنِتُّمۡ حَرِیصٌ عَلَیۡكُم بِٱلۡمُؤۡمِنِینَ رَءُوفࣱ رَّحِیمࣱ﴾ [التوبة: ۱۲۸] ذلك أن الشريعة الإسلامية قد نزلت على الأمة العربية فاختار الله لها نبيا من أبنائها، واجتباه من مكة مدينة البيت الحرام الذي بناه إبراهيم عليه السلام، والتي يعتبر أهلها أكثر العرب تمثيلا للمقومات العربية، فأنزل الله رسالته علي نبيه محمد فيها، وشاء سبحانه أن ينتمي رسوله إلى قبيلة قريش أكبر القبائل العربية، وإلى بيت عبد المطلب أعرق بيوتها وأطهرها وأتقاها.

التنشئة والخبرة المجتمعية لنجاح للهجرة النبوية

ولقد غابت حكمة انتماء الرسول صلى الله عليه وسلم إلى قومه عن نفر من العرب طمس الله على قلوبهم، وأعمى بصائرهم فهم لا يفقهون، فاستنكروا أن ينزل الله رسالته على بشر مثلهم لا يختلف عنهم في شئون الخلق والحياة، وما أبلغ الصورة التي تعبر عن هذا الموقف في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا۟ مَالِ هَٰذَا ٱلرَّسُولِ یَأۡكُلُ ٱلطَّعَامَ وَیَمۡشِی فِی ‌ٱلۡأَسۡوَاقِ لَوۡلَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡهِ مَلَكࣱ فَیَكُونَ مَعَهُۥ نَذِیرًا * أَوۡ یُلۡقَىٰۤ إِلَیۡهِ كَنزٌ أَوۡ تَكُونُ لَهُۥ جَنَّةࣱ یَأۡكُلُ مِنۡهَاۚ وَقَالَ ٱلظَّٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلࣰا مَّسۡحُورًا * ٱنظُرۡ كَیۡفَ ضَرَبُوا۟ لَكَ ٱلۡأَمۡثَٰلَ فَضَلُّوا۟ فَلَا یَسۡتَطِیعُونَ سَبِیلࣰا﴾  [الفرقان: ۷ – ۹]

ومن قبل هؤلاء الضالين كان أسلاف لهم في العصور القديمة أنكروا على أنبيائهم ما أنكره هؤلاء، غير مدركين أن انتماء الرجل صاحب الرسالة إلى الأمة التي يتوجه إليها برسالته تلك سر من أسرار نجاحه، وأن هذه الخصيصة من أهم خصائص القيادة ومقومات القائد، يقول الله تعالى: ﴿وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِینَ إِلَّاۤ إِنَّهُمۡ لَیَأۡكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَیَمۡشُونَ فِی ٱلۡأَسۡوَاقِۗ وَجَعَلۡنَا بَعۡضَكُمۡ لِبَعۡضࣲ فِتۡنَةً أَتَصۡبِرُونَۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِیرࣰا﴾ [الفرقان: ۲۰] و﴿إِنَّمَاۤ أَنَا۠ بَشَرࣱ مِّثۡلُكُمۡ یُوحَىٰۤ إِلَیَّ أَنَّمَاۤ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهࣱ وَٰحِدࣱۖ﴾ [الكهف: ۱۱۰] و﴿وَكَذَٰلِكَ مَاۤ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ فِی قَرۡیَةࣲ مِّن نَّذِیرٍ إِلَّا قَالَ مُتۡرَفُوهَاۤ إِنَّا وَجَدۡنَاۤ ءَابَاۤءَنَا عَلَىٰۤ أُمَّةࣲ وَإِنَّا عَلَىٰۤ ءَاثَٰرِهِم مُّقۡتَدُونَ﴾ [الزخرف: ۲۳] و﴿وَإِن مِّنۡ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِیهَا نَذِیرࣱ﴾  [فاطر: ٢٤] و﴿هُوَ ٱلَّذِی بَعَثَ فِی ٱلۡأُمِّیِّۦنَ رَسُولࣰا مِّنۡهُمۡ یَتۡلُوا۟ عَلَیۡهِمۡ ءَایَٰتِهِۦ وَیُزَكِّیهِمۡ وَیُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُوا۟ مِن قَبۡلُ لَفِی ضَلَٰلࣲ مُّبِینࣲ﴾  [الجمعة: ٢]

وهكذا نَبَعَت الرسالة والرسول صلى الله عليه وسلم من صميم الأمة العربية التي أنزلت عليها شريعة الحق، فكان انتماء النبي إلى الأمة التي بعثه الله لقيادتها وبعثها من الضلال إلى الهدى من أسباب نجاح الرسالة العظمى التي اؤتمن عليها ؛ إذ أتاح هذا الانتماء أن يتحدث بلغة هذه الأمة، ويتفهم شعورها باعتباره واحدا منها اصطفاه الله من بين أفرادها، وأن يدرك نوازعها الوجدانية واتجاهاتها العقلية في مختلف مناحي الحياة والمجتمع، الأمر الذي يشكل عاملا أساسا في تيسير الدعوة إلى الرسالة والاقتناع بها قال تعالى: ﴿وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوۡمِهِۦ لِیُبَیِّنَ لَهُمۡۖ فَیُضِلُّ ٱللَّهُ مَن یَشَاۤءُ وَیَهۡدِی مَن یَشَاۤءُۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِیزُ ٱلۡحَكِیمُ﴾  [إبراهيم: ٤] و﴿كِتَٰبࣱ فُصِّلَتۡ ءَایَٰتُهُۥ قُرۡءَانًا عَرَبِیࣰّا لِّقَوۡمࣲ یَعۡلَمُونَ﴾ [فصلت: ۳] و﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِیزُ ٱلرَّحِیمُ * وَإِنَّهُۥ ‌لَتَنزِیلُ ‌رَبِّ ‌ٱلۡعَٰلَمِینَ * نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلۡأَمِینُ * عَلَىٰ قَلۡبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُنذِرِینَ * بِلِسَانٍ عَرَبِیࣲّ مُّبِینࣲ﴾ [الشعراء: ١٩٢ – ١٩٥] و﴿وَلَوۡ نَزَّلۡنَٰهُ عَلَىٰ بَعۡضِ ٱلۡأَعۡجَمِینَ * فَقَرَأَهُۥ عَلَیۡهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ مُؤۡمِنِینَ﴾  [الشعراء: ۱۹۸، ۱۹۹]

تلك هي الأصول العامة في خاصية انتماء القائد إلى الأمة، وتحققها في سيرة الرسول ﷺ، وسوف نعرض فيما يلي تحليلا لعناصر هذه الخاصية، والعوامل التي ساعدت على اكتمالها في حياة القائد الأعظم.

فقد نبع الرسول من صميم العرب - موطنا وقبيلة وبيتا -كما تقدم، وفي ذلك يقول : «أَنَا أَعْرَبُكُم، وَأَنَا قُرَشِيٌّ وَاسْتُرْضِعْتُ فِي بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ» [الروض الأنف للسهيلي: ٢٩٤/١ السيرة النبوية لابن هشام، تحقيق: مصطفى السقا] ويقول: «إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةِ مِنْ قُرَيْشٍ، كَانَتْ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ» [رواه الطبراني في معجمه الأوسط من حديث جرير بن عبد الله البجلي برقم: ١٢٦٠، والحاكم في مستدركه برقم: ۳۷۳۳] ويقول: «إِنَّ اللهَ اصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، فَأَنَا خِيَارٌ مِنْ خِيَارٍ» [رواه الإمام مسلم بنحوه من حديث وائلة بن الأسقع، برقم: ٢٢٧٦وأسفاره، وفي ذلك يقول المرحوم الأستاذ عباس العقاد في كتابه (عبقرية محمد)].

ولما كانت القدرة على فهم مشاعر الأمة وأفكارها - نتيجة لانتماء القائد إليها - تتدعم وتتعمق إذا كان القائد قد مارس الحرفة الرئيسية للجماعة واختلط بالسواد الأعظم منها، كي يتاح له من التجارب والخبرات ما يعينه على أن يسبر أغوار القطاعات المختلفة في مجتمعه، ويدرك مغزى سلوكها وتفكيرها وأسرار اتجاهاتها وتطلعاتها فيستطيع قيادتها، ويسلس له تدبير أمورها، لما كان الأمر كذلك، فقد أراد الله لرسوله الكريم أن يكتسب هذه التجارب والخبرات ليؤهله للاضطلاع برسالته: إذ اشتغل النبي في صباه وشبابه برعي الأغنام والتجارة، وهما المهنتان السائدتان في الجزيرة العربية في ذلك الحين، واقتضاه ذلك الأمر الانتقال من مكان إلى آخر، والاتصال بنماذج مختلفة من الناس في أثناء رحلاته

خبير بكل ما يختبره العرب من ضروب العيش في البادية والحاضرة، تربى في الصحراء وألف المدينة، ورعى القطعان، واشتغل بالتجارة.

وكما شارك الرسول صلى الله عليه وسلم الطبقة العاملة الكادحة، والطبقة المتوسطة في مجتمع قريش في وسائل كسب العيش، فلقد شارك كذلك علية القوم، وذوي الرأي منهم فيما كانوا يشتغلون به من شئون الحكم، وتدبير أمور المجتمع في السلم والحرب معا، فشهد الحروب كما شهد الأحلاف.

ومن الثابت في هذه المقام أن النبي صلى الله عليه وسلم قد حضر في شبابه حلف الفضول الذي عقده بنو هاشم وزهرة وتميم وتعاهدوا فيه باسم الله المنتقم ليكونن مع المظلوم حتى يُؤدى إليه حقه، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحِلْفِ: «مَا أُحِبُّ أَنْ يَكُونَ لِي بِحِلْفٍ حَضَرْتُهُ فِي دَارِ ابْنِ جُدْعَانَ حُمْرُ النَّعَمِ» [رواه ابن حبان في صحيحه (بنحوه) من حديث عبد الرحمن بن عوف، برقم: ٤٣٧٣].

ومن ثم نشأ الرسول في قلب البيئة العربية وخالط جميع أوساطها، وكان قريبا من سراتها، غير بعيد من فقرائها فلما نزل عليه الوحي وأمر بالدعوة، صدع بها في مجتمع ولد وعاش في كنفه مخالصًا أهل سائر القبائل والبيوت

عالما بظروف هذا المجتمع، ملما بمعتقداته وتقاليده خبيرا بوسائل عمله، متقنا لغته، واعيًا أسرار تصرفاته وقد أتاحت هذه النشأة وتلك التجارب لمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحدد -بوحي من الله- أفضل السبل الهداية العرب إلى الدين الحق فكان يخاطب الناس على قدر عقولهم، ويدعو الرجل منهم إلى الإسلام بالأسلوب الذي يتفق مع مستواه فهو -بحكم معرفته بطبائع كل جماعة- يستطيع أن يختار الخطة الفكرية المناسبة لإقناعها، وهو -بحكم تعمقه في فهم النفس البشرية- يستطيع أن ينفذ إلى عقل العربي وقلبه، ويفتح عينه على نور العقيدة الصحيحة.

من وحي الهجرة التواصل بلسان القوم ومراعاة طبائعهم

إن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم يدرك مدى اعتزاز العربي بكرامته وأنفته من التعالي عليه، وتمسكه الشديد بالعزة والكبرياء، ومن ثم فإن انتهاج أسلوب اللين في غير ضعف، والبعد عن كل ما ينفر المخاطب، هو الطريق القويم للدعوة، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَلَوۡ كُنتَ ‌فَظًّا ‌غَلِیظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّوا۟ مِنۡ حَوۡلِكَۖ﴾ [آل عمران: ١٥٩] و﴿ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِی هِیَ أَحۡسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِی بَیۡنَكَ وَبَیۡنَهُۥ عَدَٰوَةࣱ كَأَنَّهُۥ وَلِیٌّ ‌حَمِیمࣱ﴾ [فصلت: ٣٤]

والعربي ابن البادية، ومنها أخذ جوهر طباعه وأسلوبه في طلبها لينقذها من ضياع الغربة وضياع الأهل وضياع القرين فكانت النجدة الإنسانية باعث هذا الزواج، ولم يكن له باعث من المتعة والاستزادة من النساء، وكان للنبي صلى الله عليه وسلم مقصد جليل من وراء هذا الزواج الذي لم يفكر فيه حتى ألجأته النجدة إلى التفكير فيه، وهو أن يصل بينه وبين أبي سفيان باصرة النسب، عسى أن يهديه ذلك إلى الدين، بما يعطف من قلبه ويرضي من كبريائه.

ومثلما عزز الرسول صلى الله عليه وسلم انتماءه إلى جماعة قريش بالزواج من بعض نسائها، عزز هذه الرابطة أيضًا بتزويج بناته من صاحبين جليلين هما؛ علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان رضي الله عنهما؛ لأن توثيق الصلة بهما هو في الوقت نفسه تنمية للعلاقات الحميدة مع البيوت العربية الأصيلة، وتدعيم الانتماء إلى من يقودهم.

ولقد أكد المرحوم الدكتور محمد حسين هيكل أن تقوية انتماء الرسول صلى الله عليه وسلم إلى قومه أو زيادة الأواصر على حد تعبيره كانت من مقاصد زواجه ال، بقوله في الفصل الثامن من كتابه (حياة محمد صلى الله عليه وسلم).

زاد عناد هذه القبائل سيدنا محمدًا صلى الله عليه وسلم عزلة، كما زاده إمعان قريش في أذى أصحابه ألمًا وهما، وانقضى زمن الحداد على السيدة خديجة رضي الله عنها؛ ففكر في أن يتزوج، لعله يجد في زوجه من العزاء ما كانت السيدة خديجة رضي الله عنها تأسو به جراحه، على أنه رأى أن يزيد الأواصر بينه وبين السابقين إلى الإسلام متانة وقربي، وخطب إلى أبي بكر رضي الله عنه ابنته عائشة رضي الله عنه.

وبقوله عن سعي الرسول صلى الله عليه وسلم لزيادة ارتباط المسلمين به من طريق حسن رعايتهم، وذلك في الحديث عن زواج النبي صلى الله عليه وسلم من حفصة بنت عمر رضي الله عنها.

وكذلك كان هؤلاء الأعراب في فزع من محمد صلى الله عليه وسلم، وفي قلق على مصيرهم، بعد تزايد بأس المسلمين إثر الهجرة إلى المدينة.. وقريش لها سيادة العرب، وهي لا يمكن أن تني عن الأخذ بثأرها، وما كان شيء من هذا ليغيب عن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وبعد نظره وسلامة سياسته؛ فلا بد له إذن من أن يزيد المسلمين به تعلقا وارتباطًا، ومهما يكن الإسلام قد شد من عزائمهم وجعلهم كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، فإن حسن رعايتهم تزيد عزائمهم شدة وتضامنهم قوة، ومن حسن رعايتهم أن يزيد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم رابطته بهم؛ لهذا تزوج من حفصة بنت عمر بن الخطاب، كما تزوج من عائشة من قبل.

ونستبين من هذين النصين أن من أولى مقاصد الرسول من الزواج زيادة الأواصر بينه وبين السابقين في الإسلام متانة وقربي، وحسن رعاية المسلمين حتى يزيدوا به تعلقا وارتباطا، وكلا المقصدين يدور في الحقيقة حول معنى واحد وهو تعزيز القائد بانتمائه إلى أمته.

ويستطرد المؤلف في بيان العلاقة بين زواج الرسول صلى الله عليه وسلم وبين أهداف الدعوة، وما تنبئ عنه هذه العلاقة.

وكما تزوج من حفصة رضي الله عنها فزاد ابن الخطاب به تعلقا زوج ابنته السيدة فاطمة رضي الله عنها من ابن عمه علي أشد الناس محبة للنبي صلى الله عليه وسلم، وإخلاصا له منذ طفولته، ولما كانت رقية ابنته رضي الله عنها قد اختارها الله إلى جواره فقد زوج عثمان بن عفان رضي الله عنه بعدها ابنته أم كلثوم رضي الله عنها، كذلك جمع حوله برابطة المصاهرة أبا بكر وعمر وعثمان وعليا رضي الله عنهم، وجمع بذلك أربعة من أقوى المسلمين الذين كانوا معه بل أقواهم إن شئت بهذا كفل للمسلمين مزيدًا من القوة.

فالانتماء إلى الأمة إذن مقوم أساسي من مقومات القائد؛ لأن القربي والمصاهرة وما إليها من أسباب التقارب والوحدة تكفل للجماعة مزيدًا من القوة، قوة معنوية لا تقل عن القوة التي يكفلها الانتصار في الحرب وحيازة المغانم، وبغير هذه القوة لن يستطيع القائد أن يشق طريق النجاح في مسيرة تضم كل أعضاء الأمة، ومن ثم فإن الانتماء هو إحدى الدعائم التي تقوم عليها القيادة الحقة.

الخلاصة

أثبتت الهجرة النبوية أن قوة الانتماء والمشاركة الوجدانية بين القائد وأمته هي الضمانة الكبرى لتجاوز العقبات وتحقيق الأهداف الاستراتيجية، فقد أثمرت عبقرية النبي ﷺ في تعزيز الروابط الاجتماعية والروحية عن تلاحم غير مسبوق دفع المؤمنين للتضحية بكل غالي ونفيس فداءً للعقيدة. وبهذا الانتماء الأصيل، تأسست دولة الإسلام الأولى في المدينة المنورة على قواعد راسخة من الإخاء والمساواة والولاء المطلق للرسالة الخالدة.

موضوعات ذات صلة

شكَّلت الهجرة النبوية الشريفة نقطةَ تحولٍ فارقةً في تاريخ الدعوة الإسلامية

تعد الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة نقطة تحول عظيمة في تاريخ الإسلام

شَكَّلت الهجرة النبوية تحولًا تاريخيًا نقل الدعوة من الاستضعاف إلى التمكين

لم تكن الهجرة النبوية الشريفة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة انتقالًا جغرافيًا أو هروبًا من الاضطهاد والتعذيب

موضوعات مختارة