Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

ذو النورين سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه، صاحب الهجرتين

الكاتب

هيئة التحرير

ذو النورين سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه، صاحب الهجرتين

يُمثِّل أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه نموذجًا فريدًا في البذل والتضحية ونصرة الدين، فقد ارتبط اسمه بمحطاتٍ مضيئة في تاريخ الإسلام، كان من أبرزها مبادرته إلى الهجرة فرارًا بدينه وابتغاء مرضاة ربه، حتى استحق أن يُعرف في تاريخ الأمة بصاحب الهجرتين.

ريادة الإسلام ومكانة ذي النورين المبكرة

عثمان بن عفان رضي الله عنه أمير المؤمنين، وذو النورين، وأحد السابقين الأولين إلى الإسلام. هاجر الهجرتين إلى الحبشة ثم إلى المدينة، وتزوَّج ابنتي سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ رقية رضي الله عنها، ثم أم كلثوم رضي الله عنها بعد وفاتها، ولذلك لُقِّب بذي النورين، وكان أول من هاجر بأهله إلى أرض الحبشة، فلمَّا بلغ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خبرُ هجرته قال: «إن عثمان لأول من هاجر بأهله بعد لوط».[ ابن سعد ، الطبقات الكبرى (٣/ ٥٢)].

ولم يشهد عثمان رضي الله عنه غزوة بدر؛ إذ أذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبقى بالمدينة لتمريض زوجته رقية رضي الله عنها، وضرب له بسهمه وأجره، فكان في حكم من شهدها. وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد أصحاب الشورى الستة الذين جعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه الأمر فيهم، وأخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي وهو عنهم راضٍ

اسمه: هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس.

أمه: أروى بنت كريز بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف، وأمها أم حكيم بنت عبد المطلب بن هاشم. يقال لها: البيضاء. واستشهد في آخر ذي الحجة سنة خمس وثلاثين. يكنى أبا عمرو، وقد اكتنى أبا عبد الله. [الطبقات - لخليفة بن خياط (ص١٠)].

اعتنق سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه الإسلام في رَعِيله الأول بدعوةٍ من أبي بكر الصديق رضي الله عنه،[ابن عبر البر، الدرر في اختصار المغازي والسير (ص٣٨)]، فكان من السابقين إلى الإسلام، ونال منزلةً رفيعة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى غدا واحدًا من أبرز أعلام الصحابة رضي الله عنهم.

أخرج ابن سعد في طبقاته بسنده إلى يَزيدَ بن رومانَ قالَ: خَرَجَ عُثمانُ بن عَفّانَ، وطَلحَةُ بن عُبَيد الله عَلَى أَثَر الزُّبَير بن العَوّامِ، فَدَخَلاَ عَلَى رَسول الله صَلى الله عَليه وسَلم، فَعَرَضَ عَلَيهما الإِسلاَمَ، وقَرَأَ عَلَيهما القُرآنَ، وأَنبَأَهُما بِحُقوق الإِسلاَمِ، ووَعَدَهُما الكَرامَةَ مِنَ الله، فَآمَنا وصَدَّقا، فَقالَ عُثمانُ: يا رَسولَ الله، قَدِمتُ حَديثًا مِنَ الشّام، فَلَمّا كُنّا بَينَ مَعانٍ والزَّرقاء فَنَحنُ كالنِّيام إِذا مُنادٍ يُنادينا: أَيُّها النِّيامُ، هُبّوا؛ فَإِنَّ أَحمَدَ قَد خَرَجَ بِمَكَّةَ، فَقَدِمنا فَسَمِعنا بِكَ، وكانَ إِسلاَمُ عُثمانَ قَديمًا قَبلَ دُخول رَسول الله صَلى الله عَليه وسَلم دارَ الأَرقَمِ. [ابن سعد، الطبقات الكبرى (٣/ ٥٢)].

ورغم مكانته الرفيعة وثروته الجليلة في قريش، إلا أنه لم يسلم من أذى المشركين وضغوطهم بعد إسلامه، عن إبراهيم بن حارث التيميّ عن أبيه قال: لَمّا أَسلَمَ عُثمانُ بن عَفّانَ أَخَذَهُ عَمُّهُ الحَكَمُ بن أَبي العاص بن أُمَيَّةَ, فَأَوثَقَهُ رِباطًا, وقالَ: أَتَرغَبُ عَن مِلَّة آبائِكَ إِلَى دينٍ مُحدَثٍ؟ والله لاَ أَحُلُّكَ أَبَدًا حَتى تَدَعَ ما أَنتَ عَلَيه مِن هَذا الدّينِ. فَقالَ عُثمانُ: والله لاَ أَدَعُهُ أَبَدًا ولاَ أُفارِقُهُ، فَلَمّا رَأَى الحَكَمُ صَلاَبَتَهُ في دينِه تَرَكَهُ. [ابن سعد الطبقات الكبرى (٣/ ٥٢)]، مما مهّد لرحلة التضحية الكبرى؛ وفاءً لدينه، متحملًا في سبيل ذلك مفارقة الأوطان والراحة.

وَهُوَ خَتَن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم عَلَى ابْنَتَيْهِ رُقَيَّة، وأُم كُلثُوم، رضي الله عنهما، وشَهِدَ لَهُ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بالجنة. [التاريخ الكبير للبخاري (٦/ ٢٠٨)].

أما عن كنيته، فهو يكنى أبا عبد الله وأبا عمرو، كنيتان مشهورتان، وأبو عمرو أشهر. قيل: إنه ولدت له رقية ولدًا سماه عبد الله، فاكتنى به، فمات، ثم ولد له عمرو، فاكتنى به إلى أن مات. وقيل: إنه كان يكنى أبا ليلى، وكان يقال له: ذو النورين. [محب الدين الطبري، الرياض النضرة في مناقب العشرة (٣/ ٦)].

الهجرة الأولى إلى الحبشة والريادة مع السيدة رقية رضي الله عنها

لما اشتد أذى المشركين للمسلمين في مكة، وأمعنوا في إيذائهم والتضييق عليهم، أذن النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالهجرة إلى أرض الحبشة؛ طلبًا للأمن على دينهم وفرارًا بعقيدتهم من الفتنة، قَائلًا: لَوْ خَرَجْتُمْ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ فَإِنَّ بِهَا مَلِكًا لَا يُظْلَمُ عِنْدَهُ أَحَدٌ، وَهِيَ أَرْضُ صِدْقٍ، حَتَّى يَجْعَلَ اللَّهُ لَكُمْ فَرَجًا، مِمَّا أَنْتُمْ فِيهِ، فَخَرَجَ عِنْدَ ذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، مَخَافَةَ الْفِتْنَةِ، وَفِرَارًا إلَى اللَّهِ بِدِينِهِمْ، فَكَانَتْ أَوَّلَ هِجْرَةٍ كَانَتْ فِي الْإِسْلَامِ. [سيرة ابن هشام (١/ ٣٢١-٣٢٢)].

فكان سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه أول من خرج مهاجرًا بأهله، بصحبة زوجته السيدة رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم [ابن إسحاق، السير والمغازي (١٧٦)، ابن هشام السيرة النبوية (١/٣٢٢)]، ليعيد إلى الأذهان سيرة الأنبياء الأوائل، وينال ثناء النبوة كأول بيت هاجر في سبيل الله بعد نبي الله لوط عليه السلام. [ابن سعد الطبقات الكبرى (٣/ ٥٢)].

وهي أول هجرة هاجر إليها المسلمون، فكان أول من خرج منهم، وذلك في رجب سنة خمس من المبعث أحد عشر رجلًا، وأربع نسوة منهم عثمان بن عفان وامرأته "رقية" بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم  - وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، ومصعب بن عمير، وعثمان بن مظعون، ثم خرج في أثرهم جعفر بن أبي طالب في جماعة صاروا مع المتقدمين اثنين وثمانين نفسًا، وصادفوا من النجاشي ما حمدوه . [الماوردي، الحاوي الكبير (١٤/ ١١)].

الهجرة الثانية إلى المدينة المنورة وبناء الدولة

ولم تكن تضحية سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه مقصورةً على هجرةٍ واحدة، بل تجددت عزيمته وتعاظم أجره عندما أذن الله تعالى للمؤمنين بالهجرة إلى يثرب، فغادر أرض الحبشة بعد مقامه بها، ثم شدَّ الرحال مرةً أخرى نحو المدينة المنورة، متحملًا مشاقَّ السفر وآلام الغربة في سبيل نصرة الدين، وهناك شارك إخوانه من المهاجرين والأنصار في بناء المجتمع الإسلامي الناشئ، والإسهام في إرساء دعائم الدولة الإسلامية الأولى، فاستحق بذلك أن يُعرف في تاريخ الإسلام بصاحب الهجرتين. وقد ضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم في بدر بسهمه وأجره، وكان يخلف على رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت معه بأرض الحبشة، وله عقب. [سيرة ابن اسحاق = السير والمغازي (ص٢٢٣)، ابن هشام السيرة النبوية (١/٦٧٨)].

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَهَاجَرُوا۟ وَجَٰهَدُوا۟ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِینَ ءَاوَوا۟ وَّنَصَرُوۤا۟ أُو۟لَٰۤئِكَ هُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ حَقࣰّاۚ لَّهُم مَّغۡفِرَةࣱ وَرِزۡقࣱ كَرِیمࣱ﴾ [الأنفال: ٧٤].

فَإِن قيل: أَي معنى فِي هَذَا التّكْرَار؟

قُلْنَا: الْمُهَاجِرُونَ كَانُوا على طَبَقَات، وَكَانَ بَعضهم أهل الْهِجْرَة الأولى، وهم الَّذين هَاجرُوا قبل الْحُدَيْبِيَة، وَبَعْضهمْ أهل الْهِجْرَة الثَّانِيَة، وهم الَّذين هَاجرُوا بعد الْحُدَيْبِيَة قبل فتح مَكَّة، وَكَانَ بَعضهم ذَا هجرتين، وهما الْهِجْرَة إِلَى الْحَبَشَة وَالْهجْرَة إِلَى الْمَدِينَة؛ فَالْمُرَاد من الْآيَة الأولى الْهِجْرَة الأولى، وَالْمرَاد من الثَّانِيَة الْهِجْرَة الثَّانِيَة.

قَوْله تَعَالَى: ﴿أُو۟لَٰۤئِكَ هُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ حَقࣰّاۚ﴾ يَعْنِي: لَا مرية وَلَا ريب فِي إِيمَانهم.

قَوْله: ﴿لَّهُم مَّغۡفِرَةࣱ وَرِزۡقࣱ كَرِیمࣱ﴾ روى فِي الرزق الْكَرِيم أَن المُرَاد مِنْهُ: رزق الْجنَّة لَا يصير بخوى؛ بل يصير رشحا لَهُ ريح الْمسك. [تفسير السمعاني (٢/ ٢٨٣)]

دلالات لقب «صاحب الهجرتين» والمكانة الرفيعة في التاريخ

حاز سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه منزلةً رفيعة في التاريخ الإسلامي، واقترن اسمه بلقب «صاحب الهجرتين»، وهو لقب يعكس سَبْقَه إلى التضحية والثبات في سبيل العقيدة، فقد هاجر أولًا إلى أرض الحبشة فرارًا بدينه واستجابةً لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم هاجر إلى المدينة المنورة حين أذن الله تعالى للمؤمنين بذلك، فجمع بين شرف الهجرتين.

وقد أشار الصحابة إلى هذه المنقبة العظيمة؛ فعن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه قال: كنا نسير مع عثمان بن عفان في طريق مكة، إذ رأى عبد الرحمن بن عوف فقال: «ما يستطيع أحد أن يعيد على هذا الشيخ فضلًا في الهجرتين جميعًا» يعني: هجرته إلى الحبشة وهجرته إلى المدينة. [سيرة ابن اسحاق = السير والمغازي (ص٢٢٢)].

 وهذا اللقب الجليل يجسد ما تحمله رضي الله عنه من مشاق الغربة ومفارقة الأوطان والأهل ابتغاء مرضاة الله تعالى، ويبرز مكانته بين السابقين الأولين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين أسهموا في بناء الدولة الإسلامية ونشر دعائمها.

ولم تقتصر فضائل سيدنا عثمان رضي الله عنه على السبق إلى الهجرة والتضحية في سبيل الدين، بل جمع إلى ذلك كريم الخصال وحسن الشمائل، حتى كان من أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم خُلُقًا. فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: دخلت على رقية بنت النبي صلى الله عليه وسلم وفي يدها مشط، فقالت: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندي آنفًا، رجلتُ رأسه، فقال: «كيف تجدين أبا عبد الله؟» قلت: خير الرجال، فقال: «أكرميه؛ فإنه من أشبه أصحابي بي خُلُقًا» الرياض النضرة في مناقب العشرة (٣/ ١٢)].

فكان رضي الله عنه مثالًا في الحياء والرفق وحسن المعاشرة وسمو الأخلاق، وهي صفات زادت من رفعة قدره ومكانته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعند المؤمنين.

وقد بُويِعَ لعثمانَ رضي الله عنه بالخلافةِ يومَ السبتِ غُرَّةَ المحرمِ سنةَ أربعٍ وعشرينَ بعدَ دفنِ عمرَ بن الخطابِ بثلاثةِ أيامٍ باجتماعِ الناسِ عليه، وقُتِل بالمدينةِ يومَ الجمعةِ لثمان عشرة أو سبعَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِن ذِي الحِجَّةِ سنةَ خمسٍ وثلاثين مِن الهجرةِ، ذكَره المدائنيُّ، عن أبي معشرٍ، عن نافعٍ. [الاستيعاب في معرفة الأصحاب (٣/ ١٠٤٤)].

الخلاصة

وتبقى سيرة ذي النورين سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه صفحةً مشرقةً من صفحات التاريخ الإسلامي، تُجسِّد أسمى معاني الإيمان والتضحية والثبات. فقد برهن بهجرتيه إلى الحبشة والمدينة أن العقيدة غاليةٌ في نفوس المؤمنين، وأن رضا الله تعالى هو الغاية التي تهون في سبيلها المشاق والتضحيات. وهكذا خلد التاريخ مواقفه العظيمة، وبقي لقبه «صاحب الهجرتين» شاهدًا على صدق إيمانه وعظيم منزلته في الإسلام.

موضوعات ذات صلة

أرسله الحبيب النبي المصطفى - صلى الله عليه وآله وسلم - إلى المدينة قبل الهجرة

لم تكن الهجرة إلى المدينة مجرد مغادرةٍ للأوطان، بل كانت ملحمةً إيمانية

شكلت الهجرة إلى الحبشة ملاذًا آمنًا للمسلمين الأوائل فرارًا بدينهم من بطش قريش وتنكيلها