ويجدر
بنا أن نشير في هذا المقام إلى أن توثيق الانتماء إلى الأمة لم يكن المقصد الوحيد
من تعدد زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان المقصد الأساسي في جميع الأحوال،
إذ كان اختيار الرسول صلى الله عليه وسلم لزوجاته على حسب حاجتهن إلى الإيواء
الشريف، وعلى حسب المصلحة الكبرى التي تقضي باتصال الرحم بينه وبين سادات العرب
وأساطين الجزيرة من أصدقائه وأعدائه على السواء.. بيد أنَّا إذا تعمقنا في دراسة
الحالات التي كانت الرحمة والمروءة والنخوة هي الدوافع الأساسية لها؛ وجدنا أن
توثيق الانتماء يقف كعامل غير مباشر خلف هذه الحالات، وبخاصة إذا لاحظنا أن هذه
الدوافع تحقق انتماءً روحيًا عميقًا بأفراد أمته سواء الأقربين منهم إلى الأصهار
أو البعيدين منهم؛ لأن الحاجة إلى التأليف أو الرعاية وتبادل العطف والمودة هي
حاجة إنسانية أساسية، لا تقتصر على القريب دون البعيد، بل هي مشاع بين الأسرة
الإنسانية جميعها، ولا شك أن التآلف والرعاية هي القاعدة التي تقوم عليها رابطة
الانتماء إلى المجتمع.
وتتزايد
حلقات الدائرة - دائرة الانتماء - حتى تضم الصعيد الإنساني كله لتجمع بين القاصي
والداني والأبيض والأسود والغني والفقير على قاعدة الإخاء والمساواة، وإن لم
تتوافر وشائج انتماء القائد الأعظم المبعوث من عند الله إلى الناس كافة عن طريق
الدم والمصاهرة لاستحالة هذا الأمر، فليكن مدُّ اليد إليهم حينما يوجدون بالسلام،
ومناشدة التعاون في سبيل نصرة المظلوم وإرساء القيم الفاضلة والمبادئ القويمة،
بديلًا عن هذه الوشائج، بديلًا معنويًّا لا يقل عنها قوة وأصالة، بديلًا لا غنى
عنه، ولا يقوم مقامه مثيل في سبيل إنجاز أهداف الرسالة الإسلامية، وهي رسالة
عالمية بطبيعتها وأهدافها.
ذلك
هو التفسير المنطقي للحكمة التي كان يستهدفها النبي
ﷺ
من وصاياه إلى جنده وولاته على
الأقاليم والأمصار التي فتحوها، وصايا بحسن المعاملة، والتمسك بالمثل العليا فيما
يصدر عنهم نحو أبناء هذه البلاد من أقوال وأفعال.
وكان
يضرب لهم المثل على ذلك بسلوكه مع الناس فهو الكريم السمح العافي عند المقدرة، مما
زاد المسلمين به تعلقًا، وجعلهم يرون فيه نبي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم الحق،
ويرون فيه إلى جانب ذلك أبًا لهم جميعًا، وليس أقوى ولا أوثق من هذه الأبوة
الروحية في التمكين لرابطة انتماء القائد إلى أمته، فليكن للحكام المسلمين في رسول
الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة وليذكروا نصائحه وتعاليمه، وهم يتعاملون مع أهل
البلاد المفتوحة حتى تضيق مسافات الخلاف بينهم، وتقوم مقامها وشائج الانتماء
بالمشاعر الودية، والتجاوب الصادق والعمل المشترك في سبيل تحقيق أهداف سليمة يلتقي
عليها الجميع حكامًا ومحكومين.
ولقد
أثمرت هذه التعاليم الرشيدة في نفوس المسلمين وأدرك أولو الأمر من صحابة الرسول صلى
الله عليه وسلم ما تنطوي عليه من حكمة سامية، فسعوا إلى توثيق رابطة الانتماء
بينهم وبين سائر المسلمين في الجزيرة العربية، ثم سعى من شغل منهم وظائف القيادة
والحكم إلى خلق هذه الرابطة بينهم وبين الشعوب المجاورة التي تحقق لهم النصر على
حكامها المستبدين المستغلين، فدانت لهم تلك الشعوب بالولاء والطاعة واستجابوا
لمبادئ دعوتهم، وعملوا معهم جنبًا إلى جنب الإرساء قواعدها وتدعيم بنيانها.
ولقد
اقتدى القادة والحكام المسلمون بنبيهم في خَلق أواصر الانتماء بالجماعات التي
تختلف فيما بينهم سلالة ولغة وعادات وتقاليد ونظمًا اجتماعية وسياسية، وتتفق في انضوائها
جميعا تحت راية الدين الجديد، فكانت وسيلتهم لتحقيق هذا المقصد هي الوسيلة نفسها
التي اتبعها الرسول صلى الله عليه وسلم؛ ونعني بها المصاهرة والمعاملة الحسنة
بوصفها أداة لخلق الانتماء الروحي إذا لم تتيسر السبل إلى المصاهرة، وأداة لتعزيز
الانتماء عن طريق النسب إذا توافرت هذه الرابطة.
ومن
ثم فقد اختلط المسلمون بأبناء البلاد التي دخلوها اختلاطا يقوم على المودة
والتكافل والرحمة والعدل، وتبادل المنافع المشتركة، والتعاون في سبيل المصلحة
العامة وأدى ذلك كله إلى عقد أواصر المصاهرة بين كثير من الجنود المسلمين وأهل تلك
البلاد، مما أنشأ ووثق روابط الانتماء بين الجانبين، وأزال من نفوس المحكومين عقدة
كراهية الحاكم ومقاومته بشتى وسائل المقاومة؛ ذلك لأن العرب الفاتحين أصبحوا إخوة
لهم بالمصاهرة والمعاملة الكريمة، وكان من نتائج هذا كله أن تحققت الوحدة القومية
في العالم الإسلامي فأصبح العرب وأهل الأقاليم التي دخلوها يكونون أمة عربية
واحدة، تظلها راية العقيدة الإسلامية، وتقويها وشائج الانتماء بمختلف صورها،
واندثرت القيم القديمة والعقائد البالية وحلت مكانها قيم المجتمع الإسلامي الجديد،
بل لقد اندثرت لغات كثيرة في هذه البلاد، وحلت محلها اللغة العربية، وهي لغة
القرآن، وأصبح لا فرق بين عربي ولا عجمي إلا بالتقوى.
ونخلص
مما تقدم إلى أن الانتماء إلى أمته ووطنه من أهم مقومات القيادة في نبي الإسلام
وصحابته، إذ كان عاملاً أساسيًّا في تحقيق أهداف العقيدة الإسلامية. فلقد شعرت
القاعدة المحكومة أن القوة منبثقة منها، وليست مفروضة عليها، فتجاوبت معها نفسيًّا
واجتماعيًّا، وارتفعت معنوياتها فتسابقت إلى التعاون مع القادة والبذل والتضحية في
سبيل التمكين للعقيدة، ورفع ألوية الحضارة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها،
وارتياد آفاق جديدة لم يسبق إليها أحد في تاريخ البشرية.