Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

تجليات قيمة التراحم من خلال مشكاة الحكم العطائية

تجليات قيمة التراحم من خلال مشكاة الحكم العطائية

تعد البصيرة في مدرسة الإمام ابن عطاء الله السكندري هي القوة النورية التي تبصر بها الروحُ حقائق الأشياء، وأول ما تشرق به هذه البصيرة هو رؤية الرحمة كأصلٍ وجودي يسري في ذرات الأكوان، فالعارف الذي أقام الله قلبه في مقام الشهود، يرى أن الخلق مستقرٌّ لتجلي أسمائه وصفاته، ومن هنا يقرر  سيدي ابن عطاء الله  حكمته المعبرة "مَتَى أَعْطَاكَ أَشْهَدَكَ بِرَّهُ، وَمَتَى مَنَعَكَ أَشْهَدَكَ قَهْرَهُ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مُتَعَرِّفٌ إِلَيْكَ، وَمُقْبِلٌ بِوُجُودِ لُطْفِهِ عَلَيْكَ"

فقه التراحم ما بين الأسباب والتجريد

يضع ابن عطاء الله ميزانًا دقيقًا للسلوك في حكمته المركزية حول الأسباب والتجريد، ومن قلب هذه الحكمة ينبثق فقهٌ عظيم للتراحم الاجتماعي، حيث يقول "إِرَادَتُكَ التَّجْرِيدَ مَعَ إِقَامَةِ اللهِ إِيَّاكَ فِي الأَسْبَابِ مِنَ الشَّهْوَةِ الخَفِيَّةِ، وَإِرَادَتُكَ الأَسْبَابَ مَعَ إِقَامَةِ اللهِ إِيَّاكَ فِي التَّجْرِيدِ انْحِطَاطٌ عَنِ الهِمَّةِ العَلِيَّة"، فالتراحم الحقيقي هو أن تكون رحمةً مهداة في المقام الذي اختاره الله لك، فمن أقامه الله في مقام الأسباب وبسط يده في العمل، فإنَّ حقيقة عبوديته هي أن يكون سندًا للمحتاجين، يرى في قضاء حوائجهم قربةً تفوق نوافل الطاعات، ومن أقامه الله في مقام التجريد وأفرغه لذكره، فإن تراحمه يتجلى في كونه منارةً للسكينة وصاحب دعاء مستجاب  للمكروبين، لذلك  فالتراحم هو الخيط الناظم الذي يربط بين أهل الأسباب وأهل التجريد، فكلٌّ في مقامه عابدٌ برحمة الله، خادمٌ لعباد الله.

انكسار النفس بوابة الرفق بالخلق

تنفي الحكمة العطائية عن العبد كل كبرٍ قد يتسلل إليه تحت ستار الطاعة، وتربي فيه أن الانكسار والافتقار هما جوهر القرب؛ لذا يقول الإمام "فَرُبَ مَعْصِيَةٌ أَوْرَثَتْ ذُلًاً وَافْتِقَارًا، خَيْرٌ مِنْ طَاعَةٍ أَوْرَثَتْ عِزًّا وَاسْتِكْبَارًا" ومن خلال هذا الانكسار يولد التراحم الحقيقي، فالإنسان الذي يرى نقائص نفسه، يمتلئ قلبه بالرفق تجاه نقائص الآخرين، فيعامل العاصي برحمة الانتشال لا بعين الاحتقار،  فالهمة العلية تقتضي من السالك أن يكون هيناً ليناً، يمتثل قوله "لاَ تَصْحَبْ مَنْ لاَ يُنْهِضُكَ حَالُهُ، وَلاَ يَدُلُّكَ عَلَى اللهِ مَقَالُهُ" وأي حالٍ أنصع في الدلالة على الله من حال الرحمة؟ إن العارف يرى في الضعفاء والمساكين مواطن نظر الله، فيبادر ببرهم وجبر خواطرهم، مدركًا أن الطريق إلى الله يمر عبر قلوب المنكسرين من خلقه.

التراحم منهج البناء الحضاري

يتجاوز التراحم في ضوء الحكم العطائية كونه سلوكًاً فرديًا ليصبح قاعدةً صلبة لبناء العمران وصيانة الأوطان، فالمجتمع الذي تشيع فيه هذه الحكمة هو مجتمعٌ متماسك يخرج أفراده من ضيق الانشغال بالذات، ممتثلين حكمة الإمام "إِحَالَتُكَ الأَعْمَالَ عَلَى وُجُودِ الفَرَاغِ مِنْ رُعُونَاتِ النُّفُوسِ" فإقامة الله للعبد في منصبٍ أو جاهٍ هي أمانةُ تراحمٍ، تستوجب بذل الرفق للجاهل، والمعونة للضعيف،  فهذا المنهج يرسخ التوازن بين عمارة الدنيا وتزكية الروح، حيث يغدو التراحم هو اللغة العالمية التي تذيب قسوة المادة بأنوار الروح، ويتحول معها المجتمع إلى جسد واحد يشد بعضه بعضاً في سلك العبودية لله .

فإن العارف في مدرسة ابن عطاء الله هو الذي يستسلم لمراد ربه في نفع عباده، مطبقًا حكمته "أَنْتَ إِلَى حِلْمِهِ إِذَا أَطَعْتَهُ أَحْوَجُ مِنْكَ إِلَى حِلْمِهِ إِذَا عَصَيْتَهُ"  فإذا كان العبد يحتاج حلم الله ورحمته في كل حين، فما أجدره أن يكون حليمًا رحيمًا بخلقه ، ليصير التراحم هو الوِرد الدائم والعمل القائم الذي لا ينقطع بانتهاء زمان أو مكان، بل هو حالٌ مستمر يتقلب فيه المؤمن بين حمدٍ على نعمة الإعانة، ورفقٍ يغلف كل قول وعمل ، ليعيش حال أهل الله {رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا} [ سورة الفتح : الآية ٢٩ ]

الخلاصة

تكشف الحكم العطائية للإمام ابن عطاء الله السكندري أن التراحم ليس خُلُقًا عابرًا، بل هو منهج حياة يربط العبد بربه ويصل الإنسان بأخيه الإنسان، فكلما امتلأ القلب بمعرفة رحمة الله انعكس ذلك رفقًا بالخلق، وجبرًا للخواطر، وإحسانًا في المعاملة. ومن هنا تتجلى قيمة التراحم باعتبارها أساسًا لبناء المجتمعات المتماسكة وصناعة الإنسان المتوازن روحًا وسلوكًا، حيث يتحول الرفق إلى قوة حضارية تُشيع السكينة والتكافل والمحبة بين الناس. وهكذا تبقى الحكم العطائية مدرسةً متجددة في تهذيب النفوس وترسيخ معاني الرحمة والإحسان، لتؤكد أن أعظم القربات إلى الله هي رحمة عباده وخدمة خلقه.

موضوعات ذات صلة

الرحمة في الإسلام ليست شعورًا مجردًا، بل منظومة حضارية.

الرحمة صفة عظيمة تعني التلطف بالغير والإحسان إليه ونزع الشر والسوء من النفس.

نظر الإسلام إلى ذوي الهمم نظرة رحمة وتقدير وإكبار.

التعاون طبيعة فطرية وفضيلة بشرية وضرورة إنسانية.

موضوعات مختارة