Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

مختصر زاد الأئمة والخطباء (٥٢): دعوة الإسلام إلى التراحم

مختصر زاد الأئمة والخطباء (٥2): دعوة الإسلام إلى التراحم

دعوة الإسلام إلى التراحم

الخطبة الأولى

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

فإن الرحمة في الإسلام رحمة واسعة تشمل الناس والخلق جميعًا، وتُنشئ مجتمعًا متراحمًا تسوده المودة والصدق والنصح والتعاطف، وفي ظلها تزول قسوة القلوب والأنانية، فيتحول الإنسان إلى عونٍ لأخيه، يشعر بألمه ويسعى لقضاء حاجته قبل طلبها، وتقوم العلاقات على البذل والإيثار؛ وبهذا تُبنى المجتمعات على الرفق والتسامح، فيُصان الضعيف، ويُكفَل المحتاج، ويُقوَّم المخطئ بلطفٍ وحكمة دون قسوة.

  • الرحمة من أخص صفات الله جل جلاله

الرحمة من أخص صفات الله تعالى، وقد جعل الله اسميه «الرحمن الرحيم» عنوانًا لكتابه، وافتتح بهما السور وتكرر ذكرهما في القرآن لإشاعة الطمأنينة والرجاء في النفوس، وجعل رحمته سابقة لغضبه دلالة على سعة فضله وإحسانه، والرحمن يدل على رحمته العامة لجميع الخلق في الرزق والخلق، والرحيم على رحمته الخاصة بالمؤمنين في الهداية والثواب، كما بيّن العلماء، وقد دلت الآيات على سعة رحمته تعالى لكل شيء، كما في قوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾، قال الإمام الماتريدي: "ما من أحد من مسلم وكافر إلا وعليه من آثار رحمته في هذه الدنيا، بها يتعايشون ويؤاخون ويوادون، وفيها يتقلبون، لكنها للمؤمنين خاصة في الآخرة، لا حظ للكافر فيها" [تأويلات أهل السنة].

وأن الرحمة تشمل الخلق في الدنيا وتختص بالمؤمنين في الآخرة، كما أكدت النصوص أن الله كتب على نفسه الرحمة، وأن رحمته غلبت غضبه، وجاء في السنة تشبيه رحمته بعباده برحمة الأم بولدها، تأكيدًا لعظيم سعة رحمة الله تعالى وعمومها، فعَنْ سيدنا عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْيٌ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ قَدْ تَحلب ثديها تَسْقِي، إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ، فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَتُرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ» قُلْنَا: لاَ، وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لاَ تَطْرَحَهُ، فَقَالَ: «لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا» [متفق عليه]، وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَمَّا قَضَى اللَّهُ الخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ إِنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي» [رواه البخاري].

  • رحمة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام بأقوامهم

إذا كانت الرحمة من أخص صفات الله تعالى، فهي كذلك من أبرز صفات الأنبياء والرسل عليهم السلام في دعوتهم لأقوامهم، فعَنْ التابعي الجليل سيدنا كَعْبٍ الأحبار، قال: "أوحى الله إلى موسى فقال: يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ أُقَرِّبَ مَجْلِسَكَ مِنِّي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلَا تَنْهَرِ السَّائِلَ وَلَا تَقْهَرِ الْيَتِيمَ، وَجَالِسِ الضُّعَفَاءَ وَارْحَمِ الْمَسَاكِينَ وَأَحِبَّ الْفُقَرَاءَ وَلَا تَفْرَحْ بِكَثْرَةِ الْمَالِ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الْمَالِ تُقَسِّي الْقَلْبَ... يا مُوسَى كُنْ لَيِّنَ الْجَانِبِ، فَإِنَّ أَبْغَضَ الخَلقِ إِلَيَّ الَّذِي فِي نَفسِهِ كِبرٌ وَفِي لِسَانِهِ جَفَاءٌ وَفِي قَلْبِهِ قَسْوَةٌ، وَأَحَبُّ الْأَخْلَاقِ إِلَيَّ الرَّحْمَةُ وَالْعَطْفُ وَالرَّأْفَةُ وَالرِّقَّةُ" [حلية الأولياء].

وقد وصف الله تعالى رسوله الكريم مبيِّنا رحمته صلى الله عليه وسلم بالخلق بقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]، وأثبت الله عز وجل أن رحمته صلى الله عليه وسلم عامة شاملة بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾[الأنبياء: ١٠٧]، قال ابن عباس في قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا ‌أَنَا ‌رَحْمَةٌ ‌مُهْدَاةٌ» [دلائل النبوة للبيهقي]، وعن أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ النَّاسِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ جَعَلَ الفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي تَقَعُ فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا، فَجَعَلَ يَنْزِعُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَقْتَحِمْنَ فِيهَا، فَأَنَا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، وَهُمْ يَقْتَحِمُونَ فِيهَا» [متفق عليه].

  • جسدٌ واحدٌ.. تنبضُ فيه القلوبُ رحمةً وودًّا

عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله «‌مَثَلُ ‌الْمُؤْمِنِينَ ‌فِي ‌تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وتعاطُفهم مَثَل الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجسدِ بِالسَّهَرِ والْحُمَّى» [صحيح مسلم]، وهكذا تكون تجمع الأمة فى كيانها : قلوبًا متآلفة، وأرواحًا متراحمة، يفرح بعضهم لفرح بعض، ويتألمون لألمه، فتزول الأنانية وتقوم العلاقات على الإيثار والتكافل والصدق والوفاء،، حتى يغدو المجتمع متماسكًا قويًا.

ويؤكد هذا المعنى قوله : «‌الرَّاحِمُونَ ‌يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا أَهْلَ الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» [سنن أبي داود]، وقال صلى الله عليه وسلم: «وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ ‌مِنْ ‌عِبَادِهِ ‌الرُّحَمَاءَ» [صحيح البخاري]، مما يجعل الرحمة أساسًا لبناء الأمة ووحدة صفها.

  • في رعايةِ الضعفاء تتجلى الرحمة

ويُقصد بهم الفقراء والأيتام وكبار السن وذوو الاحتياجات الخاصة ومرضى الأمراض المزمنة، حيث جعل الإسلام رعايتهم مسؤولية جماعية ومعيارًا لرقيّ المجتمع وإنسانيته، حتى صار الضعيف في ذمة القوي والمحتاج في عهدة المجتمع.

وقد أكد القرآن الكريم هذا المعنى، فقال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٦]، وقال عن صفات الأبرار: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨]،وقال سبحانه: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾.

وجاءت السنة النبوية لتؤكد ذلك بوضوح، فقال : «أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين»، وقال : «مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ حَقَّ كَبِيرِنَا فَلَيْسَ مِنَّا» [رواه أبو داود]، وبذلك يربي الإسلام المجتمع على التكافل والتراحم، ليصبح بيئة متماسكة تحتضن الضعفاء، وتجمع بين العدل والرحمة، والإحسان والإنسانية.

  • التراحم في المعاملات المالية

التراحم في المعاملات المالية يعني تهذيب السلوك الاقتصادي وضبطه بأخلاق الإحسان والسماحة، بحيث لا يطغى الطمع أو الغش على حقوق الناس، وقد جاء الإسلام ليغرس هذا المعنى في جميع التعاملات.

فقد دعا النبي إلى السماحة في البيع والشراء والاقتضاء، فقال: «رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، سَمْحًا إِذَا اشْتَرَى، سَمْحًا إِذَا اقْتَضَى» [رواه البخاري]، مما يدل على أن السماحة وحسن المعاملة سبب للبركة ونيل الرحمة.

وفي المقابل حذّر النبي من الانشغال بالدنيا على حساب القيم؛ فعن رِفَاعَةَ "أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَى المُصَلَّى، فَرَأَى النَّاسَ يَتَبَايَعُونَ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ، فَاسْتَجَابُوا لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَرَفَعُوا أَعْنَاقَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ إِلَيْهِ"، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ التُّجَّارَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ فُجَّارًا، إِلَّا مَنْ اتَّقَى اللَّهَ، وَبَرَّ، وَصَدَقَ» [رواه الترمذي وحسنه].

  • الرحمة بغير المسلمين

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، لا يضع الله رحمته إلا على رحيم»، قالوا: يا رسول الله! كلنا يرحم، قال: «ليس برحمة أحدِكم صاحبَه؛ يرحم الناس كافة» [رواه أبو يعلى].

وقد تجلت هذه الرحمة في سيرته ﷺ مع غير المسلمين، إذ كان يعود المريض منهم، ويعاملهم بالرفق والإنصاف؛ فقد صح "أن غُلاَمًا يَهُودِيًّا كَانَ يَخْدُمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَرِضَ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأسِهِ فَقَالَ لَهُ: «أَسْلِمْ» فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ؟ فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْلَمَ"، فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنْ النَّارِ» [صحيح البخاري].

ولما آذوه صلى الله عليه وسلم وأدموه في أُحد قال ملَك الجبال: إن شئت أطبق عليهم الأخشبين – وهو قد عانى منهم كثيرا - قال صلى الله عليه وسلم: «لَا؛ فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَلَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» [متفق عليه].

  • الرحمة بالحيوان

تعكس الرحمة بالحيوان في الإسلام شمول خلق الإحسان في النفس المؤمنة، حيث يُرشد النبي ﷺ إلى الإحسان والرحمة بالذبيحة، إذ يُروَى "أَنَّ رَجُلًا، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، آخُذُ الشَّاةَ فَأَذْبَحُهَا فَأَرْحَمُهَا، قَالَ: «وَالشَّاةُ فَإِنْ تَرْحَمْهَا يَرْحَمْكَ اللهُ» [شعب الإيمان].

وقال سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "‌لو ‌ماتت ‌شاةٌ على شط الفُرات ضائعةً لظننتُ أن اللهَ تعالى سائلي عنها يوم القيامة" [حلية الأولياء].

 * * * *

الخطبة الثانية

وآتوا حقه يوم حصاده

لقد احتفت الشريعة الإسلامية بيوم الحصاد بوصفه لحظة امتزج فيها جهد الإنسان بفضل الله، وتجلّت فيه آثار الرحمة الإلهية في الثمار والسنابل بعد طول كدّ وانتظار، فلم يكن مجرد يوم عابر، بل ثمرة عملٍ مباركٍ تُوِّج بالتوفيق والعطاء الإلهي.

  • يوم الحصاد موسم للعطاء

ففيه يدرك الإنسان أن ما بين يديه هو حصيلة غيثٍ وشمسٍ وأرضٍ وعنايةٍ إلهية، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٤، ٢٥]، قال النسفي: "يعني الزكاة لأنها مقدرة معلومة أو صدقة يوظفها الرجل على نفسه يؤديها في أوقات معلومة" [مدارك التنزيل]، وقال سبحانه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]، فيتحول العطاء إلى تزكيةٍ للنفس، وتطهيرٍ للقلب والضمير.

وقد جاء هدي النبي صلى الله عليه وسلم ليؤكد هذا البناء الإنساني المتماسك، فقال: «ليس المؤمنُ الذي يَشبَعُ وجارُه جائعٌ» [رواه الحاكم]، وقال: «مَنْ كَانَ لَهُ فَضْلُ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ» [صحيح مسلم].

  • تتحقق البركة بالبذل

فما يُخرَج لله ينمو في الدنيا ويُدَّخر في الآخرة، بينما قد تُنزَع البركة من المال إذا حُجِب عنه حق الله، وقد صوّر القرآن هذا المعنى بقوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ[البقرة: ٢٦١]، حيث يُضاعَف العطاء كالحبة التي تنبت سنابل كثيرة، مؤكدًا أن الإنفاق سبب للزيادة: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: ٣٩].

كما بيّن النبي أن الصدقة لا تُنقص المال، بل تجلب البركة، وأن القليل مع الإخلاص عظيم الأثر، كما في قوله:«اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ»، وهكذا يصبح المال وسيلةً للنماء الحقيقي بالبذل، لا غايةً تُحبس، فيفوز من أنفق ونال البركة في دنياه وثواب الآخرة.

  • زكاة الحصاد

لقد اختلف الفقهاء في أصناف الزروع؛ فوسّع الحنفية دائرتها فأوجبوا الزكاة في كل ما تُنبت الأرض دون اشتراط نصاب أو حول، استنادًا إلى عموم قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، ولتحقيق مصلحة الفقراء، وهي حق متعلق بالمال فتجب في مال كل مسلم.

ويختلف مقدار الزكاة بحسب طريقة الري؛ فإن كان الزرع يُسقى بغير كلفة كالمطر والسيول وجب فيه العشر (١٠ %)، وإن كان يُسقى بكلفة وآلات أو حيوانات وجب نصف العشر (٥ %)، كما دلّ عليه الحديث النبوي، وبذلك تجمع زكاة الزروع بين مراعاة الجهد المبذول وتحقيق التكافل الاجتماعي.

حفِظَ اللهُ مصرَ وأهلَهَا منْ كلِّ مكروهٍ وسوءٍ، وأدامَ عليها بِساطَ الأمنِ والسلامِ

موضوعات مختارة