Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

سلامة الصدر حال أهل الله ... رحلة سلوكية صوفية

سلامة الصدر  حال أهل الله ... رحلة سلوكية  صوفية

إن الناظر بإمعان في عوالم التزكية والتربية الإيمانية يجد أن مدار الأمر كله وقطب رحى السير إلى الله إنما يرجع إلى قضية واحدة هي عمارة الباطن، وتطهير مضغة القلب حتى تتهيأ لفيضان الأنوار الإلهية، وإن من أجل الخصال التي تبرهن على صدق العبد في سيره، وتكشف عن شرف نسبته إلى أهل الله خلق شريف ونور منيف، وسمة بها تميز الأصفياء وهي سلامة الصدر.

ولكي يستجلي المقال تجليات هذا الخلق، ويقف على عتبات معانيه يلج صرح إمامين من معالم التصوف والتربية السلوكية، لبيان كيف تضافرت كلمة أئمة المسالك على إبراز هذا المقام


تشخيص غوائل القلوب عند حجة الإسلام الغزالي

يقف الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي في كتابه الفذ "إحياء علوم الدين" موقف العالِم البصير الذي يشرح مكنونات البواطن ويزيح الستار عن غوائل الحقد والغل التي تقطع العبد عن حضرة مولاه مبينًا أن خبث السريرية سدٌّ منيع يحجب القلب عن شهود الحق وغزارة القبول فنراه يقول: "ومهْما انْطَوى الباطِنُ على حِقْدٍ وحَسَدٍ فالانْقِطاعُ أوْلى قالَ بَعْضُ الحُكَماءِ ظاهِرُ العِتابِ خَيْرٌ مِنْ مَكْنونِ الحِقْدِ ولا يَزيدُ لُطْفُ الحَقودِ إلّا وحْشَةً مِنْهُ ومَنْ في قَلْبِهِ سَخيمَةٌ على مُسْلِمٍ فإيمانُهُ ضَعيفٌ وأمْرُهُ مُخْطِرٌ وقَلْبُهُ خَبيثٌ لا يَصْلُحُ لِلِقاءِ اللهِ" [إحياء علوم الدين للغزالي ٢/ ١٧٨ دار المعرفة].

في هذا الموضع من كتاب الإحياء يتجلى مفهوم سلامة الصدر بأبهى معانيه من خلال إدراك ضده الخبيث، فالشحناء الكامنة والسخيمة المستقرّة في سويداء القلب تؤدي إلى وهن إيمانيات القلب، وتعرّض صاحبها لعظيم الخطر بحيث يصبح هذا الباطن الخرب محجوبًا غير صالح لورود التجليات الإلهية، ولا مؤهلاً للمثول في مشهد الإقبال عند لقاء الله؛ فسلامة الصدر إذن هي شرط الأهلية الأوحد للعرض على الحق جل جلاله؛ إذ إن القلب السليم الخالي من غوائل الغل وسخائم النفس هو وحده الوعاء الطاهر الذي يتأهل لانعكاس أنوار المعرفة الإلهية والمهيأ للفوز برضا المولى والعيش في نعيم أوليائه المقربين.

مقام الرضا وتطهير الباطن عند سيدي ابن عطاء الله السكندري

ثم يتدرج السير خطوة أعمق في فقه البواطن بالجلوس بين يدي العارف بالله سيدي ابن عطاء الله السكندري في كتابه الحكم العطائية لرؤية كيف تنشأ سلامة الصدر من مقام الرضا بالله، وعميق تفويض الأمر إليه؛ إذ إن التفات القلب إلى الأغيار وحمله الشحناء يقطع المرء عن رتبة الصلاح والتسليم لحكم رب العالمين، يقول الإمام ابن عطاء الله السكندري في "حكمه" موضحًا خطورة انطواء الصدر على غير الرضا ومبينًا مسلك تصفية الباطن: 

"كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته؟ أم كيف يرحل إلى الله وهو مكبل بشهواته؟ أم كيف يطمع أن يدخل حضرة الله وهو لم يتطهر من جنابة غفلاته؟ أم كيف يرجو أن يفهم دقائق الأسرار وهو لم يتب من هفواته؟" [الحكمة الثانية عشر من الحكم العطائية]، فيظهر من هذه الحكمة الشريفة أن سلامة الصدر هي التطهير الأساسي الذي يسبق نيل الأنوار، فكدر الأكوان وغوائل الأحقاد تمنع إشراق الباطن وتكبل الروح عن الرحيل إلى مولاها، وحين يتطهر الصدر من غفلات الشحناء والالتفات إلى الخلق، يسلم القلب ويغدو مرآة مصقولة صالحة لدخول حضرة القدس وفهم دقائق الأسرار الربانية.

الخلاصة

إن هذه النقول النورانية لتخط معالم المنهج القويم في صناعة الإنسان الساجد قلبه لله؛ فسلامة الصدر امتلاء بالله، واستغراق في محبته وترفع عن سفاسف الخصومات، وما أحوجنا اليوم في زمن تلاطمت فيه أمواج الشقاق، وكثرت فيه الضغائن إلى الفيء إلى أنوار هؤلاء الأئمة، قال تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ}.

موضوعات ذات صلة

القُرْآنُ بَحْرُ الحِكَمِ كُلَّهَا، وَلَكِنْ أَيْنَ الْأُذُنُ الوَاعِيَةُ؟

تزكية النفس هي أساس رسالة سيدنا محمد ﷺ، والطريق إلى الفلاح في الدنيا والآخرة

تتجلى حقائق القرب في قلوب العارفين حين تتخلص من كدورات الغفلة وعلل الالتفات إلى الخلق.

جوهر العلاقة بين العبد وربّه.

كل من المقامات والأحوال هي مما منَّ الله به على عبده.

موضوعات مختارة