Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الرضا باب الله الأعظم ... رؤية صوفية

الرضا باب الله الأعظم ... رؤية صوفية

تُمثل مقامات السلوك إلى الله تعالى مسالك شريفة لتزكية النفوس وتطهير السرائر، حيث تتجلى حقائق القرب في قلوب العارفين حين تتخلص من كدورات الغفلة وعلل الالتفات إلى الخلق. وفي طليعة هذه المقامات المنيفة يأتي مقام الرضا، الذي يعدّه أهل الله إكسيرًا يداوي أمراض النفوس، وحصنًا حصينًا مانعًا من السقوط في مهاوي المباهاة والرياء والعجب، ونحن إذ نقتفي أثر ساداتنا من الأعلام وأهل التربية، فإننا نستلهم من إشاراتهم ونصوصهم كيف يكون الرضا مانعًا من المباهاة، ومطهرًا للبواطن، ومجددًا لحقيقة العبودية لله وحده لا شريك له.

حقيقة الرضا ونفي الرياء عند الإمام الغزالي

يفتح حجة الإسلام الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه الماتع "إحياء علوم الدين" معارج التلقي لأسرار السرائر، مبينًا الشأن في نفوذ الرضا من حركات الجوارح إلى عمق الوجدان، ومؤصلاً لسر السلامة من داء المباهاة والرياء؛ حيث يقرر في كتاب الصبر والشكر، أن طمأنينة الرضا هي جنة معجلة تقطع دابر التطلع للخلق، فيقول: (اعلم أن الرضا ثمرةٌ من ثمار المحبة، وهو من أعلى مقامات المقربين) [ينظر إحياء علوم الدين (٤/ ٣٤٣) ط دار المعرفة – بيروت].

قد وصف الرضا بأنه من مقامات المقربين يرفعه فوق المقامات العامة للسالكين؛ ذلك أن العبد المتقرب بنوافل الطاعات يترقى في مدارج القرب حتى يفنى عن مراد نفسه ليبقى بمراد ربه، والرضا هو ذروة هذا الفناء، إذ يسقط العبد تدبيره واختياره واعتراضه، ويستقبل الأحكام بالفرح والسكون، لذا وصفت هذه السكينة بأنها "جنة الدنيا التعجيلية"، وباب الله الأعظم؛ لأن من دخله خرج من ضيق سجن الاختيار البشري إلى سعة الفوض الإلهي، فاستوى عنده المنع والعطاء، والشدة والرخاء، ويحقق العبد بمقام الاكتفاء بالله وحده، مقتلعًا جذر الرياء والمباهاة من أساسه كما يقرر في موضع آخر: (وإنما الرياء أصله طَلَبُ الْمَنْزِلَةِ فِي قُلُوبِ النَّاسِ) [ينظر: إحياء علوم الدين (٣/ ٢٩٧) ط دار المعرفة – بيروت] والراضي الحقيقي يشهد سلامة سريرته بملازمة هذه اليقظة الروحية، فيتحول الثناء عنده من ابتهاج النفس بالظهور ومنافسة الأقران إلى استغراق القلب بأنوار الرضا عن رب العالمين، مستأنسًا بتقدير ربه ومولاه، فلا يطلب بعبادته ودادًا من مخلوق، ولا يرجو بها إلا وجه الحق سبحانه.

مقام الرضا عند الإمام القشيري

وينقلنا إمام الطريقة أبو القاسم القشيري في كتابه الحافل لرسالة القشيرية" إلى تحرير دقيق لمقام الرضا، كاشفًا عن جوهره الذي يقطع دابر المباهاة والرياء عبر حسم مادة التطلع لعطايا الخلق أو التزين لهم؛ حيث يربط بين الرضا وسكون القلب تحت مجاري الأحكام لئلا يقع العبد في مباهاة نفسه بادعاء الصبر، ناقلًا عن إمام من أئمة التزكية الـحَارِثُ الـمُحَاسِبِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (الرِّضَا هُوَ سُكُونُ القَلْبِ تَحْتَ جَرَيَانِ الأَحْكامِ) [ينظر: الرسالة القشيرية (٢/ ٣٤٤) ط دار المعارف]، ومن هذا المنطلق، يرى الإمام القشيري أن العبد إذا رضي بقسمة الله وخمول المنزلة بين الناس، سقطت عنه مؤونة المباهاة، إذ كيف يباهي من استوى عنده المدح والذم في طاعة مولاه؟ فالرضا عنده يورث العبد خروجًا من ضيق التدبير لنفسه إلى سعة شهود تدبير الحق لها، وحين يستوي المنع والعطاء في قلب السالك لشهود حكمة الله فيهما، تضمحل رغبته في التزين لأعين المخلوقين بالرياء، ويتحقق بصدق الطمأنينة.

معاني الرضا عند سيدي ابن عطاء الله

ويكلل تاج الدين ابن عطاء الله السكندري معاني الرضا بنقلنا إلى عمق الفهم عن الله، ليعلمنا أن حقيقة سكون النفس لأقدار الحق هي محض فضل إلهي وتوفيق رباني، واضعًا في كتابه الشريف "الحكم العطائية" جواهر تقصم ظهر المباهاة والرياء ورؤية النفس، حاثًّا على الرضا بالخمول والبعد عن الشهرة كصمام أمان من العجب في حكمته السائرة: (ادْفِنْ وُجُودَكَ فِي أَرْضِ الـخُمُولِ، فَمَا نَبَتَ مِمَّا لَمْ يُدْفَنْ لَا يَتِمُّ نَتَاجُهُ) [الحكمة الحادية عشر صفحة ٤٨، ط]، ثم يكشف ابن عطاء الله عن أن طلب المباهاة بالعمل والرياء فيه علامة على جهل العبد وطمعه في حظوظ الدنيا والجاه بين الخلق قائلًا: (مَا بَسَقَتْ أَغْصَانُ ذُلٍّ إِلَّا عَلَى بَذْرِ طَمَعٍ) [الحكمة الستون صفحة ٥٦، ط مركز الأهرام للترجمة والنشر]، ويتوج ذلك بقاعدته الروحية القاطعة التي تداوي علة العُجب بالطاعة وتفضيل النفس على العباد: (مَعْصِيَةٌ أَوْرَثَتْ ذُلًّا وَافْتِقَارًا خَيْرٌ مِنْ طَاعَةٍ أَوْرَثَتْ عِزًّا وَاسْتِكْبَارًا) [الحكمة السادسة و التسعون صفحة ٦٢، ط مركز الأهرام للترجمة والنشر]، فالرضا مع ابن عطاء الله يتجاوز السكون الظاهري إلى سكون الصخب النفسي والتطلع إلى مدح المادحين، حيث يرى الراضي في إخفاء عمله وعدم مباهاة الخلق به علامة على إرادة القبول والتوفيق، مرتقيًا من ذكر النفس إلى شهود المنة.

تجريد العبودية بنور التسليم

تؤكد رحلتنا مع هؤلاء الأعلام من أهل المعرفة ومغردي السلوك أن التحقق بمقام الرضا هو مدرسة لبناء الإنسان من الداخل، وتطهير الباطن من آفات العجب والظهور والرياء، وتجديد العهد مع الله على التواضع التام، فبين سكون النفس ونفي الرياء عند الغزالي، ومواطن الابتلاء والسكينة عند القشيري، وحِكَم ابن عطاء الله في دفن الوجود وشهود المنة، نجد منهجًا متكاملًا يوضح أن كمال العبد يتحقق حين تُذبح المباهاة على أعتاب الرضا، وتتطهر القلوب من رؤية النفس، ليعيش المرء في حصن الأمان لابسًا خِلَعَ القبول والوضاعة، ومحققًا لمعنى العبودية المحضة في أسمى وأزكى معانيها.

الخلاصة

الرضا بالله هو الباب الأعظم لتحرير القلب من أسر النفس والتطلع إلى الخلق؛ فمن رضي بتدبير الله وقسمته استغنى عن طلب المنزلة في أعين الناس، فسقط عنه الرياء والعجب والمباهاة؛ ولذلك جعل أئمة التصوف الرضا من أعلى مقامات السلوك؛ لأنه يورث السكينة والتواضع والإخلاص، ويحقق للعبد كمال العبودية بشهود فضل الله لا رؤية عمله أو فضله على غيره.

موضوعات ذات صلة

يمثّل خُلُقا الرضا والتسليم لله جوهر العلاقة بين العبد وربّه.

حال يفيضها الله على قلوب المؤمنين في مواضع الشدة والاضطراب، فتمنحهم ثباتًا ويقينًا.

قبول الشيء بسرور وغبطة واطمئنان، وهو من الله عن العبد ومن العبد عن ربه.

من معالم الطريق إلى الله تعظيم كتاب الله، ولزوم سنة رسوله ﷺ، وتزكية الباطن مع إحكام الظاهر.

التوعية بأن من رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط، والتحذير من التفاخر والتباهي.

موضوعات مختارة