الخطبة الأولى
سلامة الصدر وأثرها في السلم المجتمعي
الحمد لله رب العالمين، أجزل ثواب العاملين، وأحسن جزاء المخلصين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الذين أحسنوا في أعمالهم وتزودوا من دنياهم لآخرتهم؛ أما بعد:
فمن أجلِّ النِّعم، وأسمى العبادات القلبية التي غابت عن قلوبٍ كثيرة، سلامةُ الصدر؛ تلك الطهارة الخفية التي إذا فُقدت تفشَّت الخصومات، وتقطعت الأرحام، واضطربت أواصر المجتمع، وكأنَّ السكينة قد رُفِعت من بين الناس.
ومعنى سلامة الصدر: خلو القلب من الغل والحقد والحسد والضغينة والبغضاء لعباد الله؛ إنها الراحة المعجلة في الدنيا، والنجاة المؤكدة في الآخرة.
سلامة الصدر من صفات الأنبياء والمرسلين
وصف الله تعالى خليله إبراهيم عليه السلام بهذه الصفة الجليلة فقال: ﴿وَإِنَّ مِن شِیعَتِهِۦ لَإِبۡرَٰهِیمَ ٨٣ إِذۡ جَاۤءَ رَبَّهُۥ بِقَلۡبࣲ سَلِیمٍ﴾ [الصافات: ٨٣-٨٤]، أي بقلب سليم من الشرك ومن سائر الآفات كالحسد والغل والرياء، مع إخلاصه لدعوة الحق واستعداده لبذل كل شيء في سبيل رضا ربه.
وهذا يوسف عليه السلام حينما التقى بإخوته قال: ﴿لَا تَثۡرِیبَ عَلَیۡكُمُ ٱلۡیَوۡمَۖ یَغۡفِرُ ٱللَّهُ لَكُمۡۖ وَهُوَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِینَ﴾ [يوسف: ٩٢]، ثم أسند ما فعلوه إلى الشيطان سترًا عليهم وتأدبًا معهم: ﴿مِنۢ بَعۡدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّیۡطَٰنُ بَیۡنِی وَبَیۡنَ إِخۡوَتِیۤۚ﴾ [يوسف: ١٠٠].
أما سيدنا محمد ﷺ فقد بلغ في سلامة الصدر غاية الكمال، حتى امتنَّ الله عليه بقوله: ﴿أَلَمۡ نَشۡرَحۡ لَكَ صَدۡرَكَ﴾ [الشرح: ١]، فكان ﷺ يؤذيه قومه فيعفو، ويكذبونه فيدعو لهم، ويوم الفتح يقول لهم: «اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ»؛ فكان أصفى الناس صدرًا، وأطهرهم قلبًا، وأبعدهم عن الغل والحقد والانتقام.
سلامة الصدر من صفات أهل الجنة
أخبر الله تعالى عن أهل الجنة بما هم عليه من صفاء نفسي، فقال: ﴿وَنَزَعۡنَا مَا فِی صُدُورِهِم مِّنۡ غِلٍّ إِخۡوَٰنًا عَلَىٰ سُرُرࣲ مُّتَقَٰبِلِینَ﴾ [الحجر: ٤٧]، وقال ﷺ: «أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ... قُلُوبُهُمْ عَلَىٰ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ وَلَا تَبَاغُضَ». [رواه البخاري].
وعن سفيان بن دينار قال: قلت لأبي بشير: أخبرني عن أعمال من كان قبلنا؟ قال: كانوا يعملون يسيرًا ويُؤجَرون كثيرًا. قلت: ولِمَ ذاك؟ قال: "لسلامة صدورهم".
وفي حديث أنس في المسند: أن رجلًا بشَّره النبي ﷺ ثلاثة أيام متتالية بأنه من أهل الجنة، فتتبَّعه عبد الله بن عمرو ثلاث ليالٍ فلم يَرَ له كثيرَ عملٍ ظاهر، فسأله عن سر ذلك، فقال: "مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ، غَيْرَ أَنِّي لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ غِشًّا، وَلَا أَحْسُدُ أَحَدًا عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللهُ إِيَّاهُ"، فقال عبد الله: "هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ، وَهِيَ الَّتِي لَا نُطِيقُ". [رواه أحمد].
وعدَّ أبو الليث السمرقندي سلامة الصدر في مقدمة أخلاق الأبدال، وقال قاسم الجوعي: "أفضل طرق الجنة: سلامة الصدر"؛ لأن الجنة دار السلام، ولا يليق بدخولها إلا من ذاق في الدنيا شيئًا من سلامة القلب وصفائه.
سلامة الصدر سبيل النجاة والمغفرة
قال الله تعالى: ﴿یَوۡمَ لَا یَنفَعُ مَالࣱ وَلَا بَنُونَ ٨٨ إِلَّا مَنۡ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلۡبࣲ سَلِیمࣲ﴾ [الشعراء: ٨٨-٨٩]، فالسعيد حقًا من لقي ربَّه بقلب طاهرٍ من الغل، عامرٍ بالإخلاص والمحبة واليقين.
وأوصى النبي ﷺ أنس بن مالك رضي الله عنه: «يا بُنَيَّ إِنْ قَدَرْتَ أَنْ تُصْبِحَ وَتُمْسِيَ ليس في قَلْبِكَ غِشٌّ لأحَدٍ فافْعَلْ، يا بُنَيَّ وذلكَ من سُنَّتي، ومن أحيا سُنَّتي فقد أحياني، ومن أحياني كانَ مَعِي في الجنَّةِ». [رواه الترمذي].
وجعل القرآن من دعاء أهل الإيمان: ﴿رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا وَلِإِخۡوَٰنِنَا ٱلَّذِینَ سَبَقُونَا بِٱلۡإِیمَٰنِ وَلَا تَجۡعَلۡ فِی قُلُوبِنَا غِلࣰّا لِّلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ رَبَّنَاۤ إِنَّكَ رَءُوفࣱ رَّحِیمٌ﴾ [الحشر: ١٠]؛ فصلاح المجتمع يبدأ من القلوب التي امتلأت رحمةً ودعاءً لإخوتها.
وسلامة الصدر سبب لنيل المغفرة، ولذلك جاء التحذير من الشحناء؛ فقال ﷺ: «إنَّ اللهَ لَيَطَّلِعُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ» [رواه ابن ماجه]؛ فكم من قلب حُرم نفحات المغفرة بسبب ضغينة استقرت فيه!
وقال أبو دجانة رضي الله عنه وهو في مرض موته: "مَا مِنْ عَمَلِي شَيْءٌ أَوْثَقُ فِي نَفْسِي مِنَ اثْنَتَيْنِ: لَمْ أَتَكَلَّمْ فِيمَا لَا يَعْنِينِي، وَكَانَ قَلْبِي لِلْمُسْلِمِينَ سَلِيمًا"، وقال الحارث المحاسبي: "لا أنور للقلب من سلامة الصدر".
سلامة الصدر من أفضل الأعمال
قال بعض الصالحين: "أفضل الأعمال سلامة الصدور، وسخاوة النفوس، والنصيحة للأمة؛ وبهذه الخصال بلغ مَن بلغ، لا بكثرة الاجتهاد في الصوم والصلاة"، فكم من عملٍ قليلٍ عَظُم عند الله لما صاحبه من نقاء القلب، وكم من عمل كثير حُرم صاحبَه بركتَه بسبب ما امتلأ به قلبه من غلٍّ أو حسد.
وكان النبي ﷺ يحرص على بقاء قلبه نقيًا تجاه أصحابه فقال: «لَا يُبَلِّغُنِي أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِي عَنْ أَحَدٍ شَيْئًا فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ». [رواه أبو داود].
ولما سُئل ﷺ: «أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟» قال: «كُلُّ مَخْمُومِ القلبِ صَدوقُ اللِّسانِ»، ثم فسَّر المخموم بأنه: «التَّقِيُّ النَّقِيُّ لا إِثْمَ فيه ولا بَغْيَ، ولا غِلَّ، ولا حَسَدَ». [رواه ابن ماجه].
أثر تألف القلوب وسلامتها في تحقق النصر
قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِیۤ أَیَّدَكَ بِنَصۡرِهِۦ وَبِٱلۡمُؤۡمِنِینَ ٦٢ وَأَلَّفَ بَیۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِی ٱلۡأَرۡضِ جَمِیعࣰا مَّاۤ أَلَّفۡتَ بَیۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَیۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِیزٌ حَكِیمࣱ﴾ [الأنفال: ٦٢-٦٣]، فالتأليف بين القلوب آية باهرة؛ إذ كانت بين العرب من الحمية والعصبية والضغائن ما لا يمكن أن يأتلف معه قلبان، فأنساهم الله ذلك كله، فاتفقوا على الطاعة وصاروا أنصارًا وأعوانًا، وما ذاك إلا بلطيف صنعه وبليغ قدرته.
الشحناء سبب في عدم قبول الأعمال
كم من إنسانٍ يجتهد في الطاعات ثم تحول الأحقاد بينه وبين تمام الانتفاع بعمله؟ لأن الله يريد من عباده قلوبًا متآلفة متراحمة، لا نفوسًا متنافرة متدابرة. قال ﷺ: «تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْاِثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا». [رواه مسلم].
أسباب سلامة الصدر
- أولًا: كثرة الدعاء واللجوء إلى الله، فقد كان النبي ﷺ يقول في دعائه: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا»، و«اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ لِسَانًا صَادِقًا، وَقَلْبًا سَلِيمًا»، و«وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ قَلْبِي».
- ثانيًا: حسن الظن بالخلق، قال تعالى: ﴿ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِی هِیَ أَحۡسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِی بَیۡنَكَ وَبَیۡنَهُۥ عَدَٰوَةࣱ كَأَنَّهُۥ وَلِیٌّ حَمِیمࣱ﴾ [فصلت: ٣٤]، وقال سعيد بن المسيب: "ضَعْ أَمْرَ أَخِيكَ عَلَى أَحْسَنِهِ مَا لَمْ يَأْتِكَ مَا يَغْلِبُكَ، وَلَا تَظُنَّنَّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ شَرًّا وَأَنْتَ تَجِدُ لَهُ فِي الْخَيْرِ مَحْمَلًا".
- ثالثًا: الحذر من الحالقة، قال ﷺ: «دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ: الحَسَدُ وَالبَغْضَاءُ، هِيَ الحَالِقَةُ، لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعْرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَفَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِمَا يُثَبِّتُ ذَلِكَ لَكُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» [رواه الترمذي وأحمد]، وقال ﷺ: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ». [متفق عليه].
- رابعًا: تجنب مجالس الغيبة والنميمة، فهي تملأ القلوب غيظًا وحنقًا، وقال ﷺ: «أَبْغَضَكُمْ إِلَى اللهِ المَشَّاؤُونَ بِالنَّمِيمَةِ، المُفَرِّقُونَ بَيْنَ الأَحِبَّةِ». [رواه الطبراني].
- خامسًا: تدريب النفس واللسان، فقال ﷺ: «لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ، وَلَا يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ». [رواه أحمد].
أثر سلامة الصدر في السلم المجتمعي
الجرائم تبدأ بفكرة، ثم حقد، ثم تنفيذ، وقد بدأت قصة ابني آدم بحسد في القلب: ﴿قَالَ لَأَقۡتُلَنَّكَۖ﴾ [المائدة: ٢٧]، وكم من بيوت هُدمت بسبب كلمة نُقلت أو ظن سيء أُضمر! والقلوب المتنافرة لا تبني وطنًا ولا تشيد حضارة، قال ﷺ: «لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا». [متفق عليه].
إجراءات عملية لتنقية القلب
- إخلاص النية والرضا بقضاء الله: فالحسد اعتراض على قسمة الله، والرضا يورث راحة البال.
- التماس الأعذار: درِّب نفسك أن تقول: لعل له عذرًا لا أعلمه.
- مقابلة السيئة بالحسنة: ﴿ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِی هِیَ أَحۡسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِی بَیۡنَكَ وَبَیۡنَهُۥ عَدَٰوَةࣱ كَأَنَّهُۥ وَلِیٌّ حَمِیمࣱ﴾ [فصلت: ٣٤].
- الدعاء لمن تعاديه: إذا دعوت لمن ظلمك بظهر الغيب، قال الملك: "ولك بمثل"، ويذوب الغل من قلبك تدريجيًا.
- الهدية والكلمة الطيبة: قال ﷺ: «تَهَادُوا تَحَابُّوا»؛ فالهدية تسلُّ السخيمة من الصدر.
- تذكر قِصَر عمر الدنيا: نحن هنا ضيوف وسنرحل قريبًا، فلنرحل بقلوب بيضاء.
۞۞۞
الخطبة الثانية
التحذير من التشكيك ونشر روح التشاؤم
حين تتكاثر الشبهات، وتُبثُّ روح التشاؤم في النفوس، تبرز الحاجة إلى ترسيخ اليقين الذي به تحيا القلوب وتستقيم الحياة؛ فالتشكيك المفرط لا يورث علمًا ولا طمأنينة، بل يبدد الأمل ويُضعف العزيمة، ويُشيع في المجتمعات أجواءً من السلبية والإحباط تعوق مسيرة البناء والعمران.
وما الإيمان إلا ثمرة من ثمار اليقين؛ يقوى بقوته ويضعف بضعفه؛ ولذلك قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "خَيْرُ مَا أُلْقِيَ فِي الْقُلُوبِ الْيَقِينُ".
جاء الإسلام باليقين وطرد الشك
اليقين هو النور الذي تهتدي به الأرواح، والركن الذي تستند إليه النفوس في مواجهة الفتن والمتغيرات، وقد فرَّق العلماء بين العلم واليقين؛ فالعلم إدراك الحقيقة، أما اليقين فهو سكون النفس وطمأنينة القلب حتى يصبح الإيمان حقيقةً حاضرةً في الوجدان لا تعصف بها الشبهات ولا تزعزعها الحوادث.
ولعظيم منزلة اليقين أكثر القرآن من الثناء على أهله، فجعلهم أهل الهداية والفلاح: ﴿وَبِٱلۡءَاخِرَةِ هُمۡ یُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤]، وجعل الإمامة في الدين ثمرةً للصبر واليقين: ﴿وَجَعَلۡنَا مِنۡهُمۡ أَئِمَّةࣰ یَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا لَمَّا صَبَرُوا۟ۖ وَكَانُوا۟ بِءَایَٰتِنَا یُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤].
اليقين يقطع حبال الشك عند المؤمن
ما من مسلم إلا ويغلبه الشيطان بالتفكر فيما يعكر صفو إيمانه، ولكن المؤمن فطن يقطع على الشيطان حيله؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النبي ﷺ: «يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا، مَنْ خَلَقَ كَذَا، حَتَّى يَقُولَ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ» [متفق عليه].
قال الإمام الخطابي: "هذا كلام متهافت ينقض آخره أوله؛ لأن الخالق يستحيل أن يكون مخلوقًا، وقد أثبت العقل أن المحدثات مفتقرة إلى محدث، فلو كان هو مفتقرًا إلى محدث لكان من المحدثات".
أثر اليقين في محاربة الهوى
إن الرغبة الجامحة في الشهوات والتفلت من قيود الدين مظهر سيئ للإلحاد المعاصر؛ إذ يرى صاحبه أن الإله يقف عقبةً أمام غاياته المادية، ويلجأ بعضهم إلى الإلحاد للتحلل من المسؤوليات والتكاليف الشرعية.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: "ما ذكر الله الهوى في كتابه إلا ذمَّه"، وقال النبي ﷺ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لَمَّا جِئْتُ بِهِ»، وقال الشاطبي: "سُمِّيَ الهوى هوًى لأنه يَهوي بصاحبه إلى النار".
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «ثَلَاثٌ مُنْجِيَاتٌ وَثَلَاثٌ مُهْلِكَاتٌ؛ فَأَمَّا الْمُنْجِيَاتُ: فَتَقْوَى اللهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، وَالْقَوْلُ بِالْحَقِّ فِي الرِّضَا وَالسُّخْطِ، وَالْقَصْدُ فِي الْغِنَى وَالْفَقْرِ، وَأَمَّا الْمُهْلِكَاتِ: فَهَوًى مُتَّبَعٌ، وَشُحُّ مُطَاعٌ، وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ، وَهِيَ أَشَدُّهُنَّ». [رواه البيهقي].