Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الهيموفيليا بين ريادة الطب الحديث ومقاصد الشريعة

الكاتب

هيئة التحرير

الهيموفيليا بين ريادة الطب الحديث ومقاصد الشريعة

يُعد مرض الهيموفيليا اختبارًا إنسانيًّا رفيعًا يتطلب تضافر العلم والإيمان؛ إذ يمثل السعي في علاجه تجسيدًا لمبدأ استخلاف الإنسان في الأرض عبر تطويع الطب لحماية النفس البشرية.

ذكرى المناسبة الهيموفيليا

يوم السابع عشر من أبريل من كل عام، ليس مجرد تاريخ عابر، بل هو صرخة أمل، ووقفة إجلال لمعركة يومية صامتة يخوضها أبطال مرض (الهيموفيليا) أو ما يسمى (الناعور)، وهذا التاريخ هو ذكرى ميلاد (فرانك شنابل)، مؤسس الاتحاد العالمي للهيموفيليا (WHF)، والذي تحول بمرور العقود إلى ميثاق عالمي يهدف إلى توحيد الجهود تحت شعار إنساني نبيل هو: "الوصول بالعلاج للجميع".

تصنيف مرض الهيموفيليا

تُصنف الهيموفيليا (الناعور) ضمن الأمراض الوراثية النادرة والمزمنة، وهي مرتبطة جينيًّا بالكروموسوم الجنسي ($X$)، مما يجعلها تصيب الذكور بصفة أساسية، بينما تكون الإناث حاملات للمرض، وتتحدد نوعيتها طبيًّا بناءً على بروتين التجلط الناقص في الدم إلى نوعين رئيسيين: هيموفيليا (أ) (Hemophilia A) وهي الأكثر شيوعًا وتنتج عن نقص العامل الثامن، وهيموفيليا (ب) (Hemophilia B) وتنتج عن نقص العامل التاسع، ومن الناحية السريرية، تُقسم نوعية الإصابة إلى (بسيطة، أو متوسطة، أو شديدة) حسب نسبة وجود عامل التجلط، حيث يعاني المصاب بالنوع الشديد من نزيف تلقائي متكرر في المفاصل والعضلات دون وقوع إصابات واضحة [راجع: كابور سانجاي: دليل أمراض الدم الوراثية: التشخيص والعلاجات الحديثة، ترجمة وتحقيق: وحدة أمراض الدم بجامعة القاهرة، دار النشر الأكاديمية، القاهرة، ط٦، ٢٠٢٦م، ص (١١٢-١١٥)].

التداوي في الإسلام

لم ينظر الإسلام للمرض كعقوبة، بل كباب للرحمة وبذل الأسباب، وتتجلى رؤية الإسلام لمعالجة الأمراض الوراثية والمزمنة في أمور منها:

  •  التداوي واجب شرعي

حين سأل الأعرابُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم: "ألا نتداوى؟"، لم يكتفِ بالقول "نعم"، بل صاغ دستورًا علميًّا بقوله: «تَدَاوَوْا، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً» [رواه أبو داود في سننه].

هذا الحديث هو الذي دفع العلماء المسلمين قديمًا لإنشاء المستشفيات (البيمارستانات)، وهو الذي يدفعنا اليوم لاعتماد أحدث الهندسة الوراثية لعلاج الهيموفيليا؛ فالبحث عن الدواء عبادة، والوصول إليه فتح عظيم.

  • التداوي إحياء للنفس

يضع الإسلام حفظ النفس في قمة الضروريات الخمس، وعندما تخصص الدولة والمنظمات مواردها لعلاج مرض نادر أو مكلف كالهيموفيليا، فهي تطبق الآية المحكمة: ﴿وَمَنۡ أَحۡیَاهَا فَكَأَنَّمَاۤ أَحۡیَا ٱلنَّاسَ جَمِیعࣰاۚ﴾ [المائدة: ٣٢].

إن إنقاذ مريض واحد من نزيف دماغي أو إعاقة حركية، هو في ميزان الإسلام إنقاذ للإنسانية برُمّتها.

  •  لا ضرر ولا ضرار

في التعامل مع الأمراض الوراثية، يسبق الإسلام الطب الحديث بقرون في مبدأ الوقاية الاستباقية، فمبادرات الفحص عن الأمراض التي تتبناها مصر حاليًا، تجد سندها الشرعي في قاعدة: «لا ضرر ولا ضرار» [رواه ابن ماجه في سننه]، فمنع انتقال الجينات المصابة أو اكتشافها مبكراً هو واجب لحماية الذرية (حفظ النسل).

  • مدافعة القدر بالقدر

سُئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الأدوية هل ترُدُّ من قدر الله شيئًا؟ فقال: «هيِ مِنْ قدرِ الله» [رواه الترمذي في جامعه]، هذه الرؤية العميقة تنهي الصراع المتوهم بين الإيمان والعلم؛ فنحن نُدافع قدر المرض بقدر العلاج، وكلاهما يقع في ملك الله.

إن حث النبي - صلى الله عليه وسلم - على التداوي بالصدقة والدعاء -كما في قوله: «داوُوا مرضاكم بالصَّدَقةِ» [رواه أبو داود في المراسيل]- لا يلغي البحث عن الدواء المادي، بل يمنح المريض طاقة روحية تعزز كفاءة جهاز المناعة، وهو ما تؤكده المؤسسات الصحية اليوم في بروتوكولات سلامة المرضى، حيث تُعد الحالة النفسية للمريض جزءًا لا يتجزأ من مسار الشفاء.

  • الأمانة الطبية

إن إحالة النبي - صلى الله عليه وسلم لسيدنا سعد بن أبي وقاص إلى الحارث بن كلدة (طبيب تعلم في جنديسابور الفارسية) هي رسالة خالدة بأن العلم "بضاعة إنسانية" نأخذها من أمهر أهلها، وهذا المنهج هو الذي جعل المسلمين يجمعون بين الطب النبوي (التمر، العسل، الحبة السوداء) وبين الطب التجريبي الذي يبحث في مسببات الداء.

لذلك وضع الإسلام أول نظام للمسئولية الطبية في التاريخ، فحين قرر النبي - صلى الله عليه وسلم - قاعدة: «من تطبَّبَ ولم يُعلمْ منهُ طبٌّ فهوَ ضامِنٌ» [رواه أبو داود في سننه]، كان يضع حجر الأساس لما يُعرف الآن بالترخيص الطبي وأخلاقيات المهنة.

هذا المبدأ النبوي هو المحرك اليوم لإنشاء ١٨ لجنة تخصصية في مصر؛ فلا يُسمح بالاجتهاد في علاج نزف الدم الوراثي إلا لأهل الاختصاص المهرة «أَيُّكُمَا ‌أَطَبُّ؟» [رواه ابن أبي شيبة في مصنفه]؛ لضمان عدم حدوث مضاعفات تودي بحياة المريض، وهو جوهر مبادرة سلامة المرضى من البداية.

النهضة المصرية في علاج مرض الهيموفيليا

أعلنت وزارة الصحة المصرية، بقيادة الدكتور: خالد عبد الغفار، الانتقال الكامل لمفهوم المنع قبل وقوع الضرر، فبعدما كان العلاج يقتصر على حقن المريض عند النزف، أصبح العلاج الوقائي (مثل حقن "إيميسيزوماب" (Emicizumab) كل أسبوعين تحت الجلد) متاحاً بالمجان لطلاب المدارس والجامعات.

توسعت الدولة في إنشاء ١٨ لجنة تخصصية لأمراض الدم؛ لضمان وصول الخدمة لكل مريض في ربوع مصر، تماشيًا مع رؤية ٢٠٣٠.

سؤال وجواب

س: هل الهيموفيليا مرض يمكن التعايش معه؟

ج: نعم، مع التشخيص المبكر والعلاج المناسب يمكن التعايش مع المرض وتقليل مضاعفاته بشكل كبير.

الخلاصة

إن التكاتف بين مشرط الطبيب ويقين المؤمن هو الدرع الحامي لمرضى الهيموفيليا، لتظل الحضارة الإسلامية نموذجًا يحتذى به في صون الأمانة الطبية وحفظ النفس البشرية، وفق أسمى المعايير العلمية والشرعية.

موضوعات ذات صلة

الطب السريري يركز على تشخيص الأمراض وعلاجها من خلال التواصل المباشر مع المرضى

يُعنى الطب الوقائي، أو "حفظ الصحة"، بالحفاظ على الصحة الموجودة بدلًا من استردادها

لقد أسهمت الحضارة الإسلامية إسهامًا عظيمًا في تطوير العلوم الطبية والصيدلية، بأسس علمية وإيمانية متكاملة

لقد أثبت طب الفم والأسنان في الحضارة الإسلامية أنه علم متكامل قائم على أسس متينة من التشخيص والعلاج والوقاية

يعدُّ التحصينُ ميثاقًا شرعيًا وعقدًا طبيًا لحفظ النفس البشرية من غوائل الأوبئة استنادًا لقواعد الشريعة الغراء