Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

يوم المكتبة العربي

الكاتب

هيئة التحرير

يوم المكتبة العربي

لم تكن المكتبات في الحضارة الإسلامية مجرد خزائن للكتب بل كانت مؤسسات علميّة متكاملة، ومراكز إشعاع فكري أسهمت إسهامًا بالغًا في صياغة العقل البشري، وحفظ التراث الإنساني، ليأتي الاحتفاء بيوم المكتبة العربي في العاشر من شهر مارس من كل عام متزامنًا مع استحضار إرث أمة جعلت من الكلمة المكتوبة منطلقًا لنهضتها، ولتظل المكتبة في وعينا المعاصر شاهدًا حيًّا على الرابط الوثيق بين المعرفة ورقي المجتمعات.

التأصيل الشرعي: المعرفة كفريضة إسلامية

يبدأ التأصيل لمكانة المكتبة في الإسلام من أول كلمة نزلت في الوحي الحكيم "اقرأ"، حيث أسس القرآن الكريم لمجتمع المعرفة من خلال إعلاء شأن القراءة والكتابة والبحث، مقسمًا بأداة العلم في قوله تعالى ﴿نۤۚ وَٱلۡقَلَمِ وَمَا یَسۡطُرُونَ﴾ [القلم: ١]، فلم يكن جمع الكتب وحفظها في الإسلام ترفًا فكريًّا، بل كان تطبيقًا عمليًّا للحث المستمر على طلب العلم، ومن هذا المنطلق أدرك المسلمون الأوائل أن حفظ العلوم الشرعية والتجريبية ونقلها للأجيال القادمة يتطلب وعاءً جامعًا، فكانت المكتبات هي الحاضنة التي حفظت نتاج العقول.

المكتبات في التاريخ الإسلامي: تنوع مؤسسي وتنظيم دقيق

لم يقتصر اهتمام المسلمين على جمع الكتب، بل ابتكروا منظومة مؤسسية متكاملة لإدارتها وإتاحتها، حيث تجلى هذا الاهتمام بدايةً في تعدد مسمياتها التي عكست سعة الأفق المعرفي، لتعرف بـ "خزانة الكتب" و"دار العلم" و"دار الحكمة" و"بيت الحكمة"، وقد تنوعت أنماط هذه المكتبات؛ لتغطي كافة الاحتياجات المجتمعية والعلمية، متمثلة في عدة أشكال بارزة منها:

١- مكتبات المساجد (الجوامع):

 التي كانت النواة الأولى والأكثر انتشارًا للتعليم في العالم الإسلامي، إذ لم يخلُ مسجد مركزي من خزانة للكتب الموقوفة على طلبة العلم والعلماء، ومن أشهرها: "خزانة الجامع الأموي" في دمشق، و"مكتبة القرويين" في فاس، و"مكتبة الأزهر" في القاهرة، حيث كانت هذه الجوامع بمثابة جامعات مفتوحة تعجّ بحلقات الدرس التي تعتمد اعتمادًا كليًّا على تلك الخزائن.

٢- المكتبات العامة الكبرى (دور العلم والحكمة):

وهي مكتبات ضخمة، أسسها الخلفاء والأمراء؛ لتكون مراكز بحثية متاحة للجميع، ومنها:

  • "بيت الحكمة" في بغداد، الذي بلغ قمة ازدهاره أيام الرشيد وابنه المأمون، كأبرز نموذج أكاديمي جامع بين كونه مكتبة كبرى، ومركزًا فلكيًّا، ومقرًّا لحركة الترجمة النشطة من اللغات اليونانية والفارسية والهندية، حيث ضم عدة أقسام شملت قسم الكتب، وقسم الترجمة، وقسم البحث والتأليف، وقسم المرصد الفلكي، وقسم النسخ والتجليد، وتوالى على إدارته أعلام، مثل سهل بن هارون، وسعيد بن هارون، وسلم الحراني، متجاوزًا في مجموعاته مليوني مجلد.
  • مكتبة "دار العلم" بالقاهرة، التي أنشأها الحاكم بأمر الله، وافتتحت سنة (٣٩٥هـ/ ١٠٠٥م) بمليوني مجلد أيضًا، والتي قال عنها بابا روما سلفستر الثاني عبارته الشهيرة: "إنه لمن المعلوم تمامًا أنه لا يوجد أحد في روما له من العلم ما يؤهله لأن يعمل بوابًا لتلك المكتبة، وأنى لنا أن نعلِّم الناس، ونحن في حاجة لمن يعلمنا! إن فاقد الشيء لا يعطيه".
  • مكتبة سابور بن أردشير، التي أوقفها على الناس سنة ٣٨٢هـ في الكرخ ببغداد، وكان أبو العلاء المعري من بين المنتفعين بذخائرها.
  • مكتبة المدرسة النظامية في بغداد، التي أسسها الوزير السلجوقي نظام الملك في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري؛ لتضم أكثر من عشرة آلاف مجلد.
  • مكتبة المدرسة الفاضلية، التي أسسها القاضي الفاضل، وزير صلاح الدين الأيوبي؛ لتقف شامخة بمجموعات بلغت مائة ألف مجلد، حيث لم تضاهِها مكتبة مدرسية أخرى في القاهرة مكانةً.
  • مكتبات القصور الفاطمية التي وُصفت في المصادر التاريخية بأنها من عجائب الدنيا، إذ لم يكن في بلاد الإسلام جميعها دار كتب أعظم منها بعد أن بلغت خزائن الكتب فيها أربعين خزانة.
  • "مكتبة قرطبة" في عهد الحكم المستنصر، التي ضمت مئات الآلاف من المجلدات، واشتملت على غرف مخصَّصة للنساخ والمجلّدين.

٣- مكتبات البيمارستانات (المستشفيات):

 التي شكلت مراكز استشفاء ومدارس لتعليم الطب في آنٍ واحد، ولذلك أُلحقت بها مكتبات طبية متخصِّصة تحوي أمهات الكتب في الطب والصيدلة والتشريح؛ لتكون مرجعًا دائمًا للأطباء، والطلاب المتدربين.

٤- المكتبات الخاصة:

التي انتشرت بين العلماء والوزراء والأعيان والأدباء، حيث كان التنافس في جمع الكتب والمخطوطات النادرة مظهرًا من مظاهر الوجاهة الاجتماعية والرقي الفكري، ومن أمثلتها مكتبة الجاحظ، ومكتبة الوزير الصاحب بن عباد، الذي كان تلميذًا ومصاحبًا لابن العميد، وكان وزيرًا، وأول من لُقِّب بالصاحب من الخزانة، ويقال: إن مكتبته بلغت حمل أربعمائة جمل أو يزيد، وكان فهرست المكتبة يقع في ثلاث مجلدات.

التنظيم الإداري والعلمي واستدامة الوقف

لم تكن المكتبات الإسلامية مجرد مخازن تكدّس فيها الكتب، بل خضعت لتنظيم إداري وعلمي متقدم سبق الكثير من النظم الحديثة، معتمدة على وظيفة "الخازن" أو أمين المكتبة، التي لم يتولها إلا كبار العلماء والمفكرين ممن يُشهد لهم بسعة الاطلاع، مثل ابن مسكويه، والأسطرلابي؛ ليقوموا بالإشراف وتوجيه الباحثين، بمعاونة كادر فني متكامل يضم "النسّاخين"؛ لتكثير المخطوطات، و"المترجمين"؛ لنقل العلوم، و"المجلّدين"؛ لحفظ الكتب وصيانتها، إلى جانب ابتكار أنظمة دقيقة للفهرسة والتصنيف الموضوعي، وقد كمُن السر الحقيقي وراء ازدهار هذه المكتبات واستدامتها عبر القرون في "نظام الوقف"، حيث أوقف السلاطين والموسرون الأراضي الزراعية والعقارات؛ لتدرّ دخلًا ثابتًا يُصرف منه على صيانة المباني، وشراء الكتب، ودفع رواتب العاملين، وتوفير الحبر والورق مجانًا للطلاب، مما ضمن استقلالية هذه المؤسسات المعرفية، وحمايتها من التقلبات السياسية والاقتصادية.

من الماضي إلى الحاضر: بيان "الألكسو" امتدادًا للرؤية الحضارية

إن الرؤية المعاصرة للمكتبات في عالمنا العربي والإسلامي لا تنفصل عن هذا الإرث التليد، وفي هذا السياق، يبرز بيان المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو) بمناسبة يوم المكتبة العربي؛ ليؤكد تجدد هذه الرسالة الحضارية، ومواكبتها لمتطلبات القرن الحادي والعشرين، حيث نص البيان على ما يلي:

" تحتفي المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم في العاشر من شهر مارس من كل عام بيوم المكتبة العربي، إحياء لثقافة القراءة والتعلم والتعليم، وتأكيدًا على أهمية العناية بالمكتبات، ودورها في النهوض بالمجتمعات معرفيًّا وفكريًّا وثقافيًّا. فالمكتبات ثمار للعقول، وفضاء للمعارف. 

ويمثل يوم المكتبة العربي بالنسبة إلى المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم موعدًا سنويًّا دوريًّا للتذكير بأهمية المكتبة، ودورها في رقي الأمم والشعوب، ويندرج الاحتفاء به في إطار قناعة المنظمة بدور المكتبات في تثقيف الأجيال، وبناء الإنسان، وتنمية الوعي بالانتماء للأمة العربية، التي أسهم أعلامها وعلماؤها إسهاماتٍ جليلة في شتى مجالات المعارف والعلوم. 

وتسعى المنظمة من خلال الاحتفال الرمزي بالمكتبة إلى الحفاظ على تراث الأمة العربيّة، ودعم المبادرات التي تمكّن من صيانته والعناية به، ونفض الغبار عنه، فهو موعد تاريخي يتجدّد لربط الصلة مع الكتاب بأنواعه المختلفة، في إطار رؤية ثقافية مجتمعية مواكبة لتطلعات العصر، ومستجدات القرن الواحد والعشرين، فبهذا المعنى تؤدّي المكتبة داخل المجتمعات المعرفية اليوم دورًا ثقافيًّا وعلميًّا بارزًا، وتؤمن للمواطن عملية الوصل الثقافي بين الماضي والحاضر، وتُعدّه لمتطلبات المستقبل ومستجداته الفكريّة، وإنجازاته العلمية والتكنولوجية. 

ويشكّل هذا اليوم الاحتفالي بالمكتبة في إطار رؤية المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم مناسبة هامة لتعميق التفكير في سبل الارتقاء بأداء المكتبات، وتحسين خدماتها؛ لتنمية قدرات المتعلّمين على الاستكشاف، واكتساب المعرفة، والاطلاع على الإنتاج الفكري البشري؛ فضلاً عن إتقان مهارات البحث والتأهيل؛ للتفاعل الإيجابي مع تطورات العصر المعرفية والتكنولوجية، فالمكتبات مصدر مهم لتشكيل ثقافة المجتمع، وتبادل الآراء، وتعزيز فرص التعلم الذاتي التي تخلق الفرد المبدع الواعي بقضايا مجتمعه ومحيطه، بما يفضي إلى إنتاج ثقافة متقدمة ومتميزة لكل مجتمع.

ودعما لهذا التوجه الاستراتيجي في رؤية المنظمة تربويا وثقافيًّا وعلميًّا وتكنولوجيًّا، تواصل الألكسو جهودها في تطوير المكتبة العربية بمؤلفات هادفة في مجالات اختصاصها، وتسعى في إطار مشاريعها وأنشطتها المختلفة إلى النهوض بدوري المؤلف والناشر، وفي هذا الإطار أصدرت المنظمة حوالي ثلاثة آلاف عنوان غطت كل مجالات التربية، والثقافة، والعلوم، والتقانة، والمعلومات، والآداب، والفنون، منها: الموسوعات والكتب المرجعية الكبرى، ومنها: كتب التراث الفكري والعلمي والأدبي، ومنها: سلسلة الكتب الموجهة لتثقيف الجمهور الموسّع في مجالات الفن العربي الإسلامي، وكتب الفن التشكيلي العربي المعاصر، ومنها: سلسلة قصص المدن الفلسطينية، وأمهات الكتب المترجمة، والمعاجم اللغوية، فضلًا عن المجلات المختصة.

وبهذه المناسبة الثقافية العلمية الرمزية، يسرّ الألكسو أن تتوجّه بأسمى عبارات الشكر والتقدير للمشرفين على هذا الصرح العلمي من أمناء مكتبات، وكادر فني، وتنوّه بالجهود الحكومية العربية المبذولة لتوسيع نطاق الخدمات المكتبية، وتدعو في الآن نفسه إلى مزيد من مضاعفة الجهود العربية، وتوفير الموارد المالية الضرورية؛ لدعم سلسلة المكتبات العربية، وتطوير أدائها بالرفع من مستوى العاملين فيها، وتنويع مصادرها بما يجعلها تواكب التطور التكنولوجي الحديث، وتسهم بدرجة عالية في التقدم نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة (٢٠٣٠).


مراجع الاستزادة:

  • فضل الحضارة الإسلامية والعربية على العالم، زكريا هاشم زكريا، دار نهضة مصر.
  •  الحياة العلمية في الدولة الإسلامية، محمد الحسيني عبد العزيز، وكالة المطبوعات الكويت.
  • موسوعة الحضارة الإسلامية د/أحمد شلبي.
  • لمحات من تاريخ الكتب والمكتبات، د/ عبد الستار الحلوجي.
  • موسوعة المفاهيم الإسلامية العامة، وزارة الأوقاف.

الخلاصة

إن إحياء يوم المكتبة العربي في العاشر من مارس من كل عام، ليس مجرد احتفاءٍ بذاكرة الماضي المشرق، بل هو دعوة جادة لتجديد بناء مختبرات المستقبل، وكما شيَّد أجدادنا دور الحكمة التي أضاءت ظلمات العصور الماضية، يقع على عاتقنا اليوم - مستلهمين روح هذا اليوم السنوي - دعم مؤسساتنا المعرفية، وتطويرها تكنولوجيًّا وماديًّا؛ لتكون قادرة على صناعة "الفرد المبدع"، وتحقيق النهضة التنموية الشاملة التي تستحقها شعوبنا.

موضوعات ذات صلة

يُعَدُّ بيت الحكمة أحد أعظم رموز الازدهار العلمي والثقافي في التاريخ الإسلامي.

بيت الحكمة أنشأه هارون الرشيد، وكان منارة علمية في العصر الإسلامي.

الأزهرُ الشريفُ مؤسسة دينيّة علميّة إسلاميةٌ عريقةٌ تأسّست في العصر الفاطميّ.

موضوعات مختارة