وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓاْ أَمَٰنَٰتِكُمۡ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ * وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَأَوۡلَٰدُكُمۡ فِتۡنَةٞ وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجۡرٌ عَظِيمٞ ٢٨﴾ [الأنفال: ٢٧-٢٨].
وهذا النداء ليس مجرد افتتاح، بل هو تشريف، واستدعاء للسامع ليكون أهلًا لما سيأتي بعده؛ لأن ما بعد النداء تكليفٌ خاص بمن تشرف بوصف الإيمان، فكأن الله يقول: يا من زُيِّن قلبُه بالإيمان، انتبه لما سأكلفك به لأنه يليق بك وبمقامك.
الآيات تُربّي النفس على اليقظة الإيمانية، وألّا يسقط المؤمن في خيانةٍ خفية، تبدأ صغيرة ثم تكبر، وتُعيد ترتيب الأولويات؛ فالمؤمن يحسن تربية المال والولد، لكن لا يجعلهم سببًا للمخالفة أو الغفلة، وتُحيي القلب على مراقبة الله، فالعلم وحده لا يكفي إذا لم يُترجم إلى أمانة، وتُذكّر بوعد الله العظيم، الذي يغلب كل مغريات الدنيا، ويثبت أقدام المؤمنين في الابتلاء.
اختلف المفسرون فيمن نزلت فيهم هذه الآية
أولًا: قال فريق منهم إنها نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر.
وكان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد بعثه إلى بني قريظة بعد أن تأمروا على الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهموا بقتله، فذهب إليهم أبو لبابة فاستشاروه أو بتعبير أدق سألوه من هو الرسول الذي عليهم أن ينزلوا عليه، فأشار بيده إلى حلقه، يعني: أن الحكم هو الذبح، وكان الحكم فعلًا كذلك، وانتبه أبو لبابة إلى أنه - دون أن يشعر قد أفشى سرًّا ائتمنه عليه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأنه بذلك قد خان الله ورسوله، فحلف لا يذوق طعامًا ولا شرابًا، حتى يموت أو يتوب الله عليه وربط نفسه في سارية من المسجد النبوي إنفاذًا لما اعتزمه تكفيرًا عن ذنبه، وبقي على ذلك أيامًا حتى أنزل الله ـ عز وجل ـ على رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ توبة أبي لبابة، وجاء المسلمون ليفكوا الوثاق الذي ربط به نفسه فحلف ألا يفكه أحد إلا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأقبل الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وحل وثاقه بيده.
وتقول المصادر:
إنه كان قد نذر إن تاب الله عليه أن ينخلع من ماله كله صدقة لله إن تاب الله عليه لكن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال له: يجزيك الثلث أن تتصدق به ففعل، ونزلت هذه الآيات.
ثانيًا: قيل إنها نزلت في قتلة عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ وهذا القول منسوب إلى المغيرة بن شعبة.
ثالثًا: نزلت في مجهول من المنافقين كتب إلى أبي سفيان يحذره مما كان سيتعرض له من القتل؛ حيث تقول الرواية إن جبريل ـ عليه السلام ـ أخبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن أبا سفيان ابن حرب خرج من مكة وأنه في مكان كذا وكذا فأخبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أصحابه بذلك فكتب واحد من المنافقين إلى أبي سفيان يحذره فنزلت هذه الاية.
رابعًا: أنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، حيث جاء في الصحيحين أنه كتب إلى قريش يعلمهم بقصد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إليهم عام الفتح،
فأطلع الله رسوله على ذلك فبعث الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ من جاءوا بالكتاب ممن كان يحمله في الطريق واستحضر حاطبًا فأقر بما صنع.
وعندما قام عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ يستأذن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يضرب عنق حاطب؛ لأنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين، فقال له الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ دعه فإنه قد شهد بدرًا.
والصحيح
كما قال الإمام ابن كثير في التفسير: إن الآية عامة في كل من يخونون الله والرسول ويخونون أماناتهم، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
والخيانة اسم عام لكل ما تكون فيه خيانة لله ورسوله في أي أمر كبر أو صغر والأمانات المنهي عن خيانتها:
هي كل الأمانات التي يطالب الإنسان بصيانتها سواء كانت دينية أو إنسانية أو مما يتصل بعلاقات الناس بعضهم مع بعض.
فالمطلوب دائمًا ألا نخون الأمانات وفي بعض هذه الأمانات تقول الآية الكريمة: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا﴾ [النساء: ٥٨].
أما الأمانة التي حملها الإنسان فهي أمانة الاختيار بين الخير والشر وبين الصواب والخطأ وبين الفضائل والرذائل، وبين الطاعات والمعاصي وهذا الاختيار هو أساس تحمل المسئولية وأساس العقاب والمثوبة،
تقول الآية الكريمة: ﴿إِنَّا عَرَضۡنَا ٱلۡأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلۡجِبَالِ فَأَبَيۡنَ أَن يَحۡمِلۡنَهَا وَأَشۡفَقۡنَ مِنۡهَا وَحَمَلَهَا ٱلۡإِنسَٰنُۖ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومٗا جَهُولٗا﴾ [الأحزاب: ٧٢].