الغيبة ليست مجرد زلة لسان، بل هي جريمة أخلاقية عظيمة في حق أخيك المسلم، توجب التوبة والتحفظ من مجالس السوء. وقد صورتها الشريعة بأبشع الصور، وربطتها بأكل لحم الإنسان الميت، مما يُشعر بالفزع من قبحها.
الغيبة ليست مجرد زلة لسان، بل هي جريمة أخلاقية عظيمة في حق أخيك المسلم، توجب التوبة والتحفظ من مجالس السوء. وقد صورتها الشريعة بأبشع الصور، وربطتها بأكل لحم الإنسان الميت، مما يُشعر بالفزع من قبحها.
لغة: الغيبة أن يذكر الإنسان غيره بما فيه من عيب من غير أن يحوج إلى ذكره، ولا يبعد المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي لمفهوم الغيبة.
وهذا ما وضحه الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله: « أتدرون ما الغيبة؟ قالوا الله ورسوله أعلم. قال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته» [مسلم حديث ٢٥٨٩].
ومن هنا قيل: واعلم أن من الصدق ما يقوم مقام الكذب في القبح والمعرة، ويزيد عليه في الأذى والمضرة، وهي: الغيبة، والنميمة والسعاية. [أدب الدنيا والدين/ الماوردي ٢٥٧ تحقيق مصطفى السقا/ دار الكتب العلمية بيروت]
وقد نهى القرآن عن الغيبة، مصورا ممارستها بما ينفر منها، ويظهر خطر الوقوع فيها فقال: {وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} [الحجرات ١٢].
يعني إذا كنتم تعافون أكل لحم الميت طبعًا، فعافوا الغيبة شرعًا؛ لأنها أشد وأخطر. وقد وضحت السنة القولية والعملية خطر الغيبة والنميمة في سياق بيان خطر الكلمة التي يتفوه بها الإنسان لا يلقى لها بالا فتجره إلى قاع جهنم، وفى سياق أن ريح الغيبة حين يوجد في الأمة كريح الجيفة النتنة.
ومن أجل أن يتوقى الإنسان إثم هذه الرذيلة نهت السنة عن حضور مجالس يغتاب فيها المسلم. [رياض الصالحين/ ٥٧٣ طبعة البحوث والإفتاء بالرياض، الغزالي/ خلق المسلم/ ٧٧].
بل لابد من رد غيبة المسلم وإلا فترك هذه المجالس هو اللائق بالمسلم فهما، لقوله تعالى: {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} [القصص ٥٥].
والغيبة محرمة بالإجماع، ولا يستثنى من ذلك إلا ما رجحت مصلحته كما في الجرح والتعديل والنصيحة، كقوله صلى الله عليه وسلم لما استأذن عليه عيينة بن حصن «ائذنوا له بئس أخو العشيرة» [تفسير سورة الحجرات/ ابن كثير].
فالغيبة رذيلة تخالف ما تقرر في الإسلام من حرمة الإنسان الذي هو أعظم حرمة عند الله من الكعبة، وحرمة دم المسلم وعرضه وماله، كما جاء في خطبة الوداع وفى أحاديث كثيرة تبين حق المسلم على المسلم، وضرورة سلامته من لسانه ويده. [رياض الصالحين/ ٥٧٥ – ٥٧٩].
ثم هي من جهة آخري تظهر نقصا نفسيًّا عند مقترفها، فقد قيل: ما وجد عائب إلا كان معيبًا وهي تقطع العلاقات الطيبة، وتفتح باب التعقب والبحث عن العيوب فقد قيل: إن من اغتاب اغتيب ومن عاب عيب، فبحثه عن عيوب الناس يحمل الناس على البحث عن عيوبه. [الذريعة إلى مكارم الشريعة/ الراغب الأصفهاني، تحقيق د/ أبو اليزيد العجمي/ ٢٨٢ طبعة دار الوفاء ١٩٨٧ م].
وقيل: "لا تعن الناس على عيبك بسوء غيبك". وقيل: "الغيبة رعى اللئام".
فإذا وضح ما أشرنا إليه، كان على المسلم أن ينأى بنفسه من هذا الداء وأن يتقى الله ويتوب إذا كان قد قارفه والله تواب رحيم. [أدب الدنيا والدين/ الماوردى].
الغيبةُ هي ذكرُ أخيكَ المسلمَ بما يكرهُ في غيابِهِ، وهي جريمةٌ أخلاقيةٌ عظيمةٌ مُحرمةٌ شرعًا، تُشبهُ أكلَ لحمِ الميتِ. تستوجبُ التوبةَ والابتعادَ عن مجالسِها، ولا تُستثنى إلا لمصلحةٍ راجحةٍ كالنصيحةِ.