Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

المُــسَـاوَاة

الكاتب

أ.د/ علي مدكور

المُــسَـاوَاة

المُسَاوَاة تعني أن يتساوى الناس جميعًا في الحقوق والواجبات، دون تفرقة أو تمييز بسبب جنس أو طبقة أو مذهب أو عصبية أو حسب أو نسب أو مال، أو غيره.

مفهوم المُسَاوَاة

المُسَاوَاة تعني أن يتساوى الناس جميعًا في الحقوق والواجبات، دون تفرقةٍ أو تمييزٍ بسبب جنس أو طبقةٍ أو مذهبٍ أو عصبيةٍ أو حسبٍ أو نسبٍ أو مالٍ أو غيره.

إن وجود مبدأ المُسَاوَاة في الأنظمة المعاصرة وإقراره كركيزة للمجتمع، وهو تعبير عن تطور عميق في بنية المجتمع الإنساني مرَّ فيه هذا المبدأُ بسِلسِلَةٍ من النِّضالِ عبرَ تاريخٍ طويلٍ، حالتْ دونَ تحقيقِه قُوىً فكريَّة، وأُخرى سُلطويَّة، حِمايةً لمصالحَ خاصَّةٍ، وتكريسًا للاستعباد والظُّلم.

فالمتتبع لنشأة مبدأ المُسَاوَاة خلال المراحل المتعاقبة التي مَرَّت بها الإنسانية منذ بداياتها الأولى في العصور السابقة، وحتى عهد قريب نجد أن الظلم والاستعباد والاستعلاء هو السمة السائدة في مسيرة الجماعة الإنسانية، وما قصة المظالم والمآسي التي سجلها التاريخ الطويل إلا شاهد على هذه الحقيقة.

ولقد كان لأرسطو مقولة تشير إلى أن تقسيم المجتمع إلى طبقة سادة وطبقة عبيد، هي قسمة أصلتها الطبيعة البشرية التي تجعل الناس غير متساوين، وأن مصلحة الجماعة تقتضي ذلك، ومن ثم فإن العبودية أمر حتمي لا فكاك منه ولا مهرب، ولم يكن هذا رأي أرسطو وحده، بل شاركه في ذلك مفكرون آخرون في عصور متتابعة مثل: مونتسكيو ولونج الذي وصف الزنوج بقوله: يمكننا التأكيد بأنهم غير خليقين أساسًا بالحضارة، فهم أقل من جميع الأجناس البشرية المكتشفة حتى يومنا هذا قدرة على التفكير والتصرف، وهذا المنحى الفكري لهذه النخبة من رواد الحضارة الحديثة، يَنمُّ عن اتجاهٍ خطير، لأنه يُقَوِّض مبدأ المُسَاوَاة، ويُهِدِر الكرامة الإنسانية.

المساواة في الإسلام

أما الإسلام فقد اعتبر المُسَاوَاة إحدى قيم التشريع الرفيعة التي تنطلق من حقيقة هي أن جوهر مادة الخلق للبشر واحدة، ومن ثم فإن الأصل الإنساني واحد، وهو الأصل الذي يَجُبُّ كلَّ خلاف، ويَضبط كلَّ تنظيمٍ للعلاقات بين طبقات المجتمع، وتُعدُّ بذلك قيمةً دينيةً وحضارية، حيث يُجسِّد الإسلامُ الفِطرةَ الإنسانية والكرامة البشرية.

هذا التكامل بين الإسلام والإنسانية حول معنى المُسَاوَاة يعبر عنه القران الكريم في قوله تعالى: {فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفٗاۚ فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَاۚ لَا تَبۡدِيلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ} [الروم:٣٠]

كما ضمن الإسلام للإنسان - باعتبار إنسانيته التي يتساوى بها مع غيره من سائر الخلق - حاجاته الأساسية بغض النظر عن الاختلافات والفروق التي توجد في دنيا الناس، وكان من الطبيعي في ظل المُسَاوَاة الإسلامية أن يكون الرباط الجامع بين أفراد المجتمع الإسلامي هو الأخوة الإنسانية، وأنهم ينتمون إلى أبٍ واحدٍ وأمٍ واحدةٍ : {يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ} [الحُجُرات:١٣]، وها هو الرسول يحيي في بيانه الذي ألقاه في حجة الوداع يقول: «أيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، كُلُّكُمْ لِآدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ، لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلَا لِأَعْجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا لِأَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ».

وتبلغ المُسَاوَاة قمتها عندما نسمع قولا للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في موقف يتعرض فيه لحد من حدود الله تعالى، بقوله - صلى الله عليه وسلم - عندما أتى أسامة بن زيد - رضي الله عنهما- يشفع في امرأة شريفة من قريش سرقت، فقال عليه الصلاة والسلام في غضب: «أَتَشْفَعُ في حَدٍّ مِن حُدُودِ اللهِ يا أُسَامَةُ؟ ثُمَّ قامَ فَخَطَبَ النَّاسَ، فقال: أيُّهَا النَّاسُ، إنَّما أَهْلَكَ مَن كانَ قَبْلَكُمْ: أَنَّهُمْ كانُوا إذا سَرَقَ الشَّرِيفُ فِيهِم تَرَكُوهُ، وإذا سَرَقَ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ، وأَيْمُ اللهِ، لَوْ أنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ، لَقَطَعَ مُحَمَّدٌ يَدَهَا»

وتظل النصوص الإسلامية تواصل خطابَها إلى البشرية، على أساسٍ من هذه الأُخوّة الإنسانية التي تجمع ولا تُفرِّق، تُصلِح ولا تُفسِد، تتهاوَن ولا تتنازَل، وهو الخطاب الذي جاء به الرسولُ صلى الله عليه وسلم في قوله: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ أَنَّكَ أَنْتَ اللهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، وَأَنَّ العِبَادَ كُلَّهُمْ إِخْوَةٌ» [رواه أحمد في مسنده].

إنَّ من يتصفح الإسلامَ عقيدةً وشريعةً يجد المصداقية التي تؤصل قناعته في هذا الصدد، فأصل العقيدة الإسلامية هو التوحيد، ووحدانية الله تعالى هي القطب الذي يَنبني عليه أصول الإيمان الأخرى، فهي جوهر الإيمان بالله وبالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر قال تعالى: {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلۡعِلۡمِ قَآئِمَۢا بِٱلۡقِسۡطِۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ} [آل عمران:١٨]

وهنا يتبين التلازم بين وحدانية الله تعالى التي شهد بها الحق لذاته وكذلك الملائكة والعلماء، وبين العدل الذي يحمل لواءه الله تعالى، فأحرى بخلقه أن يقروا له بالوحدانية، وأن يتناصفوا فيما بينهم، وركيزة التناصف المُسَاوَاة.

علاقة المُسَاوَاة بالعبادات

والعبادات بأنواعها، من صلاةٍ وزكاةٍ وصيامٍ وحجٍ، تعتمد على التسوية بين المكلفين، فالمصلون يمتثلون لنداء الله، ويصطَّفون جميعًا في صفٍ واحدٍ بين يدي الله تعالى، فتتوحد نفوسهم وتتحاذى مناكبهم لا فرق بين غنيٍ وفقيرٍ، وقويٍ وضعيفٍ، وحاكمٍ ومحكومٍ، وهي اجتماع يومي يتوحد فيه الصف الإسلامي.

والزكاة تزكيةٌ للمال، وإحساسٌ بحرمانِ الفقيرِ والمسكين، ووَسيلةٌ عمليةٌ لإذابة الفوارق بين الطبقات.

وفي الحج، نجد الإحرامَ تَجسيدًا حيًّا لعبوديةِ الخالِق، والمُسَاوَاةِ فيما بين الخَلق، فإنَّ كلَّ إنسانٍ يخلَعُ لِباسَهُ الذي يُميِّزُه عن غيره، ففي ذلك توحيدٌ للمظهر بين الجميع: العالِمِ والجاهِل، والحاكمِ والسُّوقَة، وصاروا يَتزاحمون فيما بينهم بالمناكب.

وفي الجانبِ الجِنائي، والذي يتعلّق بتحقيق المُسَاوَاةِ في الواقع، حيث إنَّ أَثْمَنَ ما يحرص عليه الشرعُ والناس هو حفظُ الحياة، فقد أَلْزَمَ الشارعُ القِصاصَ على القاتلِ والجاني، حمايةً لحقِّ الحياة، وردعًا لمن تُسوِّلُ له نفسُه ارتكاب الجريمة.

كذلك، فالقِصاصُ يتمثَّل في: أنَّ النفسَ بالنفس، والعينَ بالعين، والأنفَ بالأنف، والأُذُنَ بالأُذُن، والسنَّ بالسنِّ.

والمُسَاوَاة في القصاص تجري بين الشريف والوضيع، والحاكم والمحكوم، والرجل والمرأة، والكبير والصغير، والمسلم والذمي قال تعالى : {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِصَاصُ فِي ٱلۡقَتۡلَىۖ ٱلۡحُرُّ بِٱلۡحُرِّ وَٱلۡعَبۡدُ بِٱلۡعَبۡدِ وَٱلۡأُنثَىٰ بِٱلۡأُنثَىٰۚ فَمَنۡ عُفِيَ لَهُۥ مِنۡ أَخِيهِ شَيۡءٞ فَٱتِّبَاعُۢ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيۡهِ بِإِحۡسَٰنٖۗ ذَٰلِكَ تَخۡفِيفٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَرَحۡمَةٞۗ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٞ وَلَكُمۡ فِي ٱلۡقِصَاصِ حَيَوٰةٞ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ } [البقرة:١٧٨-١٧٩ ]، وفيما يتعلَّقُ بالديَة، فإنَّ المبلغَ أو المالَ الواجبَ فيها واحد، فديةُ الشريفِ كديةِ الوضيع، ولا عِبْرَةَ بمراكزِهم الاجتماعية، كما أنَّ المُسَاوَاةَ تجِبُ أيضًا في القضاء، قال تعالى: {وَإِذَا حَكَمۡتُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُواْ بِٱلۡعَدۡلِ} [النساء:٥٨]، فالعدل – إذن - هو شريعة الحكم بين الناس.

مراجع للاستزادة:

  • قصة الحضارة، ول ديورانت.
  • الأحكام السلطانية، الماوردي، مكتبة الحلبي.
  • قيم وتقاليد السلطة القضائية، د. احمد رفعت خفاجي.
  • من قيم التشريع الإسلامي، د. محمد الشحات الجندي.
  • شرح صحيح مسلم، النووي ج ١.

الخلاصة

لقد كانت المُسَاوَاة ولا تزال من أهم المبادئ التي نادت بها الفطرة السليمة، وسعت إليها الشرائع السماوية، وتطلعت لتحقيقها المجتمعات الإنسانية، لما تحققه من عدالة واستقرار وكرامة إنسانية، وإذا كانت الفلسفات القديمة والمجتمعات الحديثة قد مرّت بمحاولات شاقة لتكريس هذا المبدأ، فإن الإسلام سبق الجميع بجعل المساواة قيمة أصيلة في تشريعاته، وأساسًا في معاملاته، ومنطلقًا في رؤيته للإنسان كخليفة لله في الأرض، لا يُفرّق بين غني وفقير، ولا بين جنس أو لون، إلا بالتقوى والعمل الصالح.                      

موضوعات ذات صلة

التعاون طبيعة فطرية وفضيلة بشرية وضرورة إنسانية.

الاستسلام فضيلة من أسمى الفضائل، وهو الخضوع والانقياد والتزام طاعة الله.

اقترن الصدق بالإيمان والتقوى فلا ينفصل أحدهما عن الآخر.

موضوعات مختارة