يُعدّ المسند إليه ركيزة أساسية في بناء الجملة الخبرية والمحكوم عليه فيها، ويتنوع بين الفاعل والمبتدأ وما أصله المبتدأ، ويأتي معرفةً لأغراض بلاغية ومقامات تقتضيها أحوال الخطاب؛ للتعبير عن دقائق المعاني وأسرارها.
يُعدّ المسند إليه ركيزة أساسية في بناء الجملة الخبرية والمحكوم عليه فيها، ويتنوع بين الفاعل والمبتدأ وما أصله المبتدأ، ويأتي معرفةً لأغراض بلاغية ومقامات تقتضيها أحوال الخطاب؛ للتعبير عن دقائق المعاني وأسرارها.
الإسناد الخبري: هو ضم كلمة أو ما يجري مجراها إلى كلمة أو ما يجري مجراها، على وجه يفيد أن مفهوم إحداهما ثابتٌ لمفهوم الأخرى أو منفيٌّ عنه، ففي قولنا: (شكر محمد، ولم يذهب زيد) نجد أن كلمة (شكر) قد أسندت إلى كلمة (محمد) على وجه يفيد أن مفهوم (شكر) ثابت لمفهوم (محمد)، وكلمة (يذهب) قد أسندت إلى كلمة (زيد) على وجه يفيد أن الذهاب منفيٌّ عن زيد، ويسمى كل من: (محمد وزيد) مسندًا إليه أو محدثًا عنه، كما يسمى (شكر ويذهب) مسندًا أو حديثًا، وتسمى النسبة بين المسند إليه والمسند إسنادًا [علم المعاني، ص ٤٤]
وعلى هذا يمكن القول بأن المسند إليه هو المحكوم عليه في الجملة، ومواضعه فيها هي: الفاعل، ونائب الفاعل، والمبتدأ الذي له خبر وما أصله المبتدأ كأسماء الأدوات الناسخة، كقولك: (فاز المجتهد، وكُتب الدرس، والسماء صافية، وكان الولد مجتهدًا) فكل من (المجتهد، والدرس، والسماء، والولد) مسند إليه.
يرد المسند إليه معرفة ويرد نكرة، ولكل منهما مقام يقتضيه وداع يستدعيه، وسيتناول المقال تعريف المسند إليه، فقد يكون تعريفه بنفس اللفظ دون حاجة إلى قرينة، وذلك في التعريف بالعلمية، وقد يكون بقرينة (التكلم أو الخطاب أو الغيبة)، وذلك في التعريف بالضمائر، وقد يكون بقرينة حسية كـ (تعريفه باسم الإشارة)، أو بنسبة معهودة كـ (تعريفه بالاسم الموصول أو بحرف التعريف "أل")، أو بإضافة معنوية وذلك عند التعريف بالإضافة، وفيما يلي بيان هذه المعارف، وما يتعلق بالتعريف من دقائق وأسرار.
فإذا كان المتكلم يتحدث عن نفسه، كان المقامُ مقامَ ضمير المتكلم، مثل: قوله تعالى: ﴿فَلَمَّاۤ أَتَىٰهَا نُودِیَ یَٰمُوسَىٰۤ ١١ إِنِّیۤ أَنَا۠ رَبُّكَ فَٱخۡلَعۡ نَعۡلَیۡكَ إِنَّكَ بِٱلۡوَادِ ٱلۡمُقَدَّسِ طُوࣰى ١٢ وَأَنَا ٱخۡتَرۡتُكَ فَٱسۡتَمِعۡ لِمَا یُوحَىٰۤ ١٣ إِنَّنِیۤ أَنَا ٱللَّهُ لَاۤ إِلَٰهَ إِلَّاۤ أَنَا۠ فَٱعۡبُدۡنِی وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكۡرِیۤ﴾ [طه: ١١-١٤]، فالتعبير بضمير المتكلم (إني أنا ربك - وأنا اخترتك - إنني أنا الله لا إله إلا أنا) أفاد من الإيناس والتلطف ما لا يفيده غيره، خاصة وأن الله - سبحانه وتعالى - ينادي موسى – عليه السلام - أول مرة؛ فالمقام يحتاج إيناسًا وتلطُّفًا.
ومثل قول المتنبي:
أَنَا الَّذِي نظر الأَعمَى إِلَى أَدَبِي * * * وَأَسْمَعَتْ كَلِمَاتِي مَنْ بِهِ صَمَمُ
فيفيد استخدام ضمير المتكلم (أنا) – هنا – الفخر والاعتداد بالنفس.
وقد يأتي التعريف بضمير الخطاب؛ ليقصد به مخاطبًا واحدًا بعينه، كما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَإِذۡ قَالَ ٱللَّهُ یَٰعِیسَى ٱبۡنَ مَرۡیَمَ ءَأَنتَ قُلۡتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِی وَأُمِّیَ إِلَٰهَیۡنِ مِن دُونِ ٱللَّهِۖ﴾ [المائدة: ١١٦]، وكقوله تعالى: ﴿قَالُوۤا۟ ءَأَنتَ فَعَلۡتَ هَٰذَا بآلِهَتِنَا یَٰۤإِبۡرَٰهِیمُ﴾ [الأنبياء: ٦٢]، وقد يخاطب الجمع، كما في قوله تعالى: ﴿أَفَرَءَیۡتُم مَّا تُمۡنُونَ ٥٨ ءَأَنتُمۡ تَخۡلُقُونَهُۥۤ أَمۡ نَحۡنُ ٱلۡخَٰلِقُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨-٥٩]، ولعل السر في تعيين الخطاب أن الكلام يكون موجهًا لحاضر .
وقد يخرج الخطاب عن كون المراد به معيَّنًا فيأتي على سبيل العموم، كقوله تعالى: ﴿وَلَوۡ تَرَىٰۤ إِذِ ٱلۡمُجۡرِمُونَ نَاكِسُوا۟ رُءُوسِهِمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ﴾ [السجدة: ١٢]، فالخطاب - هنا - عامٌّ لكل من تتأتى منه الرؤية، فالمراد هو الوعظ والتنبيه إلى شدة حال المجرمين، وفي ذلك زجر شديد للنفس.
وقد يأتي التعريف بضمير الغائب؛ لكون المسند إليه مذكورًا أو في حكم المذكور لقرينة، وقد تكون القرينة لفظية، كقوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعۡمَةࣲ فَمِنَ ٱللَّهِۖ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَیۡهِ تَجۡئرُونَ﴾ [النحل: ٥٣]، فالقرينة - هنا - ذكر لفظ الجلالة (الله) في أول الآية، وقد تكون القرينة معنوية، كقوله تعالى: ﴿ٱعۡدِلُوا۟ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ﴾ [المائدة: ٨] ففي (اعدلوا) معنى (العدل).
إحضاره بعينه في ذهن السامع، كما في قوله تعالى: ﴿ٱللَّهُ أَعۡلَمُ حَیۡثُ یَجۡعَلُ رِسَالَتَهُۥۗ﴾ [الأنعام: ١٢٤]
وإما لتعظيمه أو إهانته كما في الكنى والألقاب المحمودة أو المذمومة، كقولك: أبو الخير جارك، وأبو المعالي جاء، وأنف الناقة حضر، ومنه قول الحطيئة:
قَومٌ هُمُ الأَنفُ وَالأَذنابُ غَيرُهُمُ * * * وَمَن يُسَوّي بِأَنفِ الناقَةِ الذَّنَبا
وقد يأتي للتبرك والتلذذ بنطق العلم كقول العرجي:
بِاللَهِ يا ظَبَياتِ القاعِ قُلنَ لَنا * * * لَيلاي مِنكُنَّ أَم لَيلى مِنَ البَشَرِ
وقد يقصد به التفاؤل، كقولك: (سعد في دارك) أو التطير، كقولك: (السفاح قادم)، إلى غير ذلك من الأغراض التي يقصدها المتكلم بتعريف المسند إليه بالعلمية.
استهجان التصريح بالاسم والعدول عنه إلى جملة الصلة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَرَٰوَدَتۡهُ ٱلَّتِی هُوَ فِی بَیۡتِهَا عَن نَّفۡسِهِۦ وَغَلَّقَتِ ٱلۡأَبۡوَٰبَ وَقَالَتۡ هَیۡتَ لَكَۚ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ رَبِّیۤ أَحۡسَنَ مَثۡوَایَۖ إِنَّهُۥ لَا یُفۡلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ [يوسف: ٢٣]، فقوله (التي هو في بيتها) إشارة إلى المعنى السابق، وإلى نزاهة سيدنا يوسف - عليه السلام - فقد كانت (زليخا) متمكنة منه أيَّمَا تمكن في الليل والنهار، ومع ذلك عَفَ وَعَزَفْ عنها، وهذه غاية النزاهة والطهارة.
وقد تفيد الصلة معنى التفخيم والتهويل؛ لما فيها من إيهام وغموض، كما في قوله تعالى: ﴿فَغَشِیَهُم مِّنَ ٱلۡیَمِّ مَا غَشِیَهُمۡ﴾ [طه: ٧٨]، فالصلة تشير إلى أن الذي غشيهم أمرٌ مبهمٌ في الهول والشدة لا يحيط به الوصف، ومنه قول الشاعر:
مَضَى بهَا مَا مَضَى من عَقْلِ شَارِبها * * * وفي الزجاجة باقٍ يَطْلُبُ الباقي
وقد يكون التعريف بالصلة لتنبيه المخاطب على خطأ منه، ومنه:
إنَّ الذينَ حَسِبتَهُم في عسرة * * * هُم أَثْرِيَاءٌ يملِكُونَ ضِياعًا
فجملة الصلة توضح خطأ المخاطب في ظنه أن هؤلاء الناس أرقَّاء الحال.
أو لتنبيه المخاطب على خطأ من غيره، ومنه قول عروة:
إِنَّ الَّتي زَعَمَت فُؤادَكَ مَلَّها * * * خُلِقَت هَواكَ كَما خُلِقتَ هَوىً لَها
فالتنبيه هنا على خطئها في زعمها أن فؤادك زهد فيها وتحول عنها إلى غيرها، إلى غير ذلك من المقاصد التي يقصد إليها البلاغي عندما يعرِّف المسند إليه بالموصولية.
قصد تمييزه أكمل تمييز؛ لأن اسم الإشارة يفيد تحديد المراد منه تحديدًا ظاهرًا، ومن ذلك قول ابن الرومي يمدح أبا الصقر الشيباني:
هذا أبو الصقر فردًا في محاسنه * * * من نسل شيبان بين الضال والسَّلَم
فاسم الإشارة (هذا) أفاد تمييز الممدوح وحضوره في الذهن، وبعد حضوره في الذهن أضاف إليه الشاعر هذه الصفات التي تفيد تفرده في المحاسن.
القصد إلى تعظيم المسند إليه أو إلى تحقيره، فمن إفادة التعظيم باسم الإشارة المشار به للقريب قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ یَهۡدِی لِلَّتِی هِیَ أَقۡوَمُ وَیُبَشِّرُ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ﴾ [الإسراء: ٩]، فأتي باسم الإشارة الموضوع للقريب (هذا) مؤذنًا بقربه قربًا يحقق الانتفاع به والاسترشاد بهديه العظيم؛ لأن المقام مقام حديث عن هدايته إلى أقوم الطرق، وكلما كان الهادي قريبًا كان أنجح لرسالته، وأقطع لعذر من ينصرف عن هدايته والاسترشاد به.
ومن إفادة التحقير باسم الإشارة المشار به للقريب قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوۡكَ إِن یَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَٰذَا ٱلَّذِی بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: ٤١]، فقد أشير إلى النبي – صلى الله عليه وسلم - باسم الإشارة الموضوع للقريب (هذا)؛ تحقيرًا له في اعتقادهم – وحاشاه صلوات الله وسلامه عليه من الاحتقار-، وإعلانًا عن رفضهم رسالته، إلى غير ذلك من الأغراض والمزايا التي تكمن وراء التعريف بأسماء الإشارة.
أولهما: الإشارة إلى فرد من أفراد الحقيقة، معهود بين المتكلم والمخاطب، وتسمى اللام عندئذ (لام العهد الخارجي)، وتأتي على ثلاثة أنواع:
ثانيهما: الإشارة إلى نفس الحقيقة، وتسمى اللام عندئذ لام الحقيقة أو لام الجنس، وترد أيضًا على ثلاثة أنواع:
إذا أَنْتَ أَكْرَمْتَ الْكَرِيمَ مَلَكتهُ * * * وَإِنْ أَنتَ أَكْرَمْنَ اللَّئيمَ تَمرَدًا
٣. لام الاستغراق: وهي التي يراد بمدخولها جميع الأفراد المندرجة تحت الحقيقة عند قيام القرينة الدالة على ذلك، وقد سميت لام الاستغراق لاستيعابها جميع الأفراد.
والاستغراق إما استغراق حقيقي، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَفِی خُسۡرٍ﴾ [العصر: ٢]، فاللام في الإنسان للاستغراق الحقيقي لجميع أفراد جنسه؛ ولذا استثنى الذين آمنوا، فهم ليسوا في خسران.
وإما استغراق عرفي كقولك: (امتثل الطلاب رأي المعلم)، فـ(ال) في الطلاب أريد بها الاستغراق العرفي؛ لأن مدخولها أريد به جميع الأفراد التي يتناولها بحسب العرف وما جرت به العادة، لا جميع الأفراد حقيقة.
التعظيم والتشريف كما في قوله تعالى: ﴿سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِیۤ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ﴾ [الإسراء: ١]
وقد تفيد الإضافة الملازمة على سبيل الخلود كما في إضافة الأصحاب إلى الجنة أو النار في آيات كثيرة، منها: ﴿أُو۟لَٰۤئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِیهَا خَٰلِدُونَ﴾ [البقرة: ٨٢]، ﴿أُو۟لَٰۤئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِیمِ﴾ [المائدة: ٨٦]
وقد تفيد الإضافة الدلالة على الاستقرار وعدم التبذل بالخروج، كما في إضافة البيت للزوج (الأنثى) والبيت من حق الزوج (الذكر) كما في قوله تعالى: ﴿وَقَرۡنَ فِی بُیُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣] [ينظر تفصيل ذلك في: (في فلسفة البلاغة العربية -علم المعاني)، حلمي مرزوق، ص ١٩٢ وما بعدها، و(علم المعاني دراسة وتحليل)، كريمة أبو زيد، ص ٦٤ – ٨٩، و (علم المعاني)، بسيوني فيود، ص ١١١].
تتعدد طرق تعريف المسند إليه في اللغة العربية لتشمل الضمائر، والعلمية، والموصولية، وأسماء الإشارة، والمعرف بـ (أل)، وتخرج هذه المعارف في السياق البلاغي عن معناها الأصلي المحض إلى أبعاد دلالية ونفسية عميقة: كالتعظيم، والتحقير، والتفخيم، والإيناس، والتبرك، وتتحدد هذه الأغراض بدقة؛ تبعًا لقرائن الكلام ومقتضى حال المخاطب، بما يخدم المعنى المراد إيصاله.
الخبر أحد ركني التعبير اللغوي، ويُعنى بنقل المعنى مع احتمال الصدق أو الكذب
الإنشاء هو الشطر الثاني من أساليب التعبير اللغوي، يُستخدم لطلب ما ليس حاصلًا وقت النطق، ولا يحتمل الصدق أو الكذب
الفصل في البلاغة: هو ترك عطف جملة على أخرى بالواو لتحقيق غرض بلاغي
المجاز العقلي أحد أركان البيان العربي، يُظهر فطنة التعبير، ودقة الإسناد
التشبيه أسلوب من أساليب علم البيان، يهتم بتزيين الكلام، وتقوية المعنى