لقد عاشت مصر فكرة الإيمان والتوحيد قبل أن
يصلها نور الإسلام الخاتم؛ فهي مهد الأنبياء الذين ذكرهم القرآن الكريم، وعندما
دخل الإسلام لم يجد أرضًا معادية، بل وجد وجدانًا مُستعدًا.
لم تكن الحضارة المصرية القديمة قائمة على
الحجر فقط، بل على الضمير والفلسفة الكونية، ويُمثله مفهوم الماعت (Ma'at)،
وليست مَاعَت مجرد كلمة نُقشت على جدران المعابد أو المقابر، كما
جاء في نقوش مقبرة (شسم نفر) في الجيزة، أنهم
فعلوا العدالة وتحدثوا إلى الماعت عندما جاءوا الى مدينتهم، بل هي الروح التي سَرت في شرايين مصر
القديمة، النبض الأبدي الذي وحَّد السماء بالأرض.
إنها الحقيقة العارية التي لا تعرف
زيفًا، والعدالة المطلقة التي لا تضلُّ طريقها، والنظام المقدَّس
الذي يُمسكُ خيوط الكون من أن تتفلت [ميريام
ليشتهايم: ماعت في السير الذاتية المصرية والدراسات ذات الصلة، لندن، ص٤٩ (بتصرف)].
كانت مَاَعَت هي الناموس الأسمى، ذلك التصور الثلاثي
العميق الذي جعل الإله ضامنًا لانتظام النجوم، وجعل الملك ظلًّا سماويًّا يحكم على
الأرض، ووفقًا لما ذكره بلوتارخ كان الملك يطلب من القضاة
بألا يطيعوه إذا كانت أوامره لهم ظالمة [عبد الرحيم صدقي: القانون الجنائي عند الفراعنة،
الهيئة المصرية العامة للكتاب ١٩٨٦، ص ١٩-٢١]؛ أي تُعتبَرُ
إرادة الملك رمزًا للعدالة، وأن مَاعَت تتمثل في عدم تضمن أي تدخل
يؤدي إلى خرق التشريعات؛ ولهذا تُعتبَرُ إرادة الملك جزءًا لا يتجزأ من
تطبيق مَاعَت، وحدًّا بين مساري الحياة في الكون الفسيح والمجتمع البشري [انظر: یان
اسمان ماعت مصر الفرعونية وفكرة العدالة الاجتماعية، ترجمة زكية طبوزاده، دار
الفكر للدراسات والنشر، القاهرة، ١٩٩٦، ص ١٦].
لأجلها أصبح الكلامُ فعلًا منسجمًا مع
الواقع، وأضحى الفعلُ تجسيدًا للقوى الكونية المنظِّمة، وقد كانت مَاعَت فجرًا
أخلاقيًّا انبثق من الدولة القديمة، وأول إعلان بأن العدالة ليست قانونًا يُفرض،
بل هي حالة وجود لا تكتمل الحياة إلا بها.
وعندما كان المصري القديم يقف أمام بوابة
الأبدية لم يكن سوى ناصحًا بكلمة واحدة: هل قمت بوزن قلبك على ريشة مَاعَت؟
فهي المعيار الذي لا يسقط، والبوصلة التي تشير -دائمًا- إلى النظام الأخلاقي
الأعظم الذي يُنير دروب البشرية.
فالمصري القديم أقرَّ باثنين وأربعين اعترافًا
بالنفي أمام محكمة الآخرة -كما في نصوص (كتاب الموتى)- تؤكد على قيم جوهرية تتفق
مع الإسلام، مثل: "لم أسرق، لم أقتل، لم أتحدث بالكذب، لم أدنّس ماء النيل" [انظر:
فرانسوا دونان كريستيان كوش، الآلهة والناس في مصر القديمة مصر من ۳۰۰۰
ق.م الى ٣٩٥ م، ترجمة: فريد جوري، القاهرة، ١٩٨٤، ص ١٦٢].
هذه القيم الأخلاقية العميقة هي خير شاهد على
أن الحضارة المصرية هي في جوهرها "حضارة إيمان وضمير" كما يقرر ذلك الأستاذ الدكتور أسامة الأزهري
في خطاب التجديد.
التوحيد الكامن وشهادة المفكرين
لقد أثبت مفكرو الإسلام وجود بذور التوحيد في
مصر القديمة، رافضين الفهم السطحي للديانات القديمة؛ فيؤكد المفكر محمد فريد وجدي في موسوعته الشهيرة على أن
المعتقدات المصرية القديمة كانت تحمل فكرة الخالق الواحد الأحد، وأن
الأصنام كانت رموزًا لقوى الطبيعة وليست آلهة بذاتها في الفترات المتأخرة،
وهذا يؤكد على الأصالة التوحيدية في الوجدان المصري [دائرة معارف القرن
العشرين: محمد فريد وجدي، تصوير دار المعرفة، بيروت، ١٩٧١م، ج٤، ص٤٥٤].
وإن الالتقاء لم يكن
صراعًا بين وثنية وتوحيد، بل كان تتويجًا للنور الكامن بالنور المُشرق؛
حيث انتقلت هذه القيم الأخلاقية لـتُصقل وتُؤصّل في إطار الشريعة
الكاملة.
الموقف الإيجابي لعلماء الإسلام
هذا الالتقاء أكدته نظرة العلماء المسلمين
للتراث المصري، فلم ينظر الإمام موفق الدين
عبد اللطيف البغدادي (ت ٦٢٩هـ) إلى الأهرامات كأحجار صامتة، بل أثنى
على عبقريتها قائلًا: "وقد سُلك
في بناية الأهرام طريق عجيب من الشكل والإتقان؛ ولذلك صبرت على مر الزمان بل
على مرِّها صبر الزمان، فإنك إذا تبحّرتها وجدت الأذهان الشريفة قد استهلكت
فيها والعقول الصافية قد أفرَغت عليها مجهودها، والأنفس النيِّرة قد أفاضت
عليها أشرف ما عندها والملَكات الهندسية قد أخرجتها إلى الفعل مثلا هي غاية
إمكانها، حتى أنها تكاد تحدث عن قومها وتُخبر بحالهم وتنطق عن علومِهم
وأذهانهم، وتترجم عن سيرهم وأخبارهم" [الإفادة
والاعتبار: البغدادي، مطبعة وادي النيل، الطبعة الأولى، ١٢٨٦هـ، ص٢٤]، وهذا دليل لا يقبل الجدل على أن الإسلام يحترم العقل والعلم والإتقان
أينما وُجد.