Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الريادة الدينية في حماية الأوطان

الكاتب

هيئة التحرير

الريادة الدينية في حماية الأوطان

ما هو دور الريادة الدينية في صيانة أمن المجتمعات؟

تكمن في تقديم خطاب مستنير يرسخ قيم الوسطية والمواطنة، ويحصن عقول الشباب بوعي معرفي ومنهج نقدي يرفض الغلو، ويجعل من الدين حصناً يحمي الوطن ويبني الإنسان.

فلسفة النسق الديني وحتمية التوازن المجتمعي

يمثل النسق الديني في أمتنا العربية والإسلامية أحد الأركان الركينة والمقومات الجوهرية في حفظ توازن المجتمع، فهو ليس مجرد شعائر تُؤدى، بل هو منظومة قيمية تتكامل مع الأنساق الاجتماعية الأخرى لإحداث حالة من التوازن والأمن الفكري داخل أبنية المجتمع المختلفة، إن هذا النسق يقوم بمجموعة من الوظائف الاجتماعية الحيوية التي تضمن تماسك البنيان، ومن أهم هذه الوظائف: تأصيل القيم الاجتماعية السامية النابعة من مشكاة الشريعة الإسلامية الغراء، وإبراز أهمية التكامل الاجتماعي الذي فرضه الإسلام لضمان أمن الفرد والمجتمع.

إن تقوية الجانب الإيماني في نفوس الناس، وما يتلقونه من وعظ وإرشاد وتوجيه بصير، يزود المصلين بشعور التضامن والأخوة، خاصة في اجتماعهم للصلاة، مما ينزع من القلوب رغبة الاعتداء والتعدي على حقوق الغير، ويزرع بدلًا منها روح التعاون والمودة، إن نشر الوعي الديني بين جميع أفراد المجتمع هو الضمانة الحقيقية التي تقرب الناس من ربهم، وتحبب إليهم الالتزام بأحكامه عن فهم عميق وإيمان راسخ، فيقيهم ذلك شر الانحراف وفتن الضلال [راشد محمد راشد وآخرون: دور الجمعيات ذات النفع العام في الإمارات في التنشئة الاجتماعية وتحصين المجتمع ضد الجريمة والانحراف، جمعية الاجتماعيين، أبوظبي، ١٤١٧هـ، ص ٧٧].

المؤسسات الدينية ومعالجة ظاهرة الإرهاب

إن استخدام المؤسسات الدينية في مجتمعاتنا للمدخل الإسلامي الصحيح في التعرف على الإرهاب كظاهرة اجتماعية وافدة ومواجهتها، يتطلب من القائمين على هذه المؤسسات توجيه اهتمامهم الكلي لقضية الإرهاب من منظور (فقه الواقع)، إن الدور المنوط بالدعاة اليوم هو التأكيد على ترسيخ القيم الأخلاقية، وتفهم الطبيعة البشرية في المنظور الإسلامي، والتعرف على أحوال الأمم وسنن الله في الكون، والضبط الاجتماعي المنطلق من روح الإسلام السمحة.

إن الهدف الأسمى هو ربط المواطن بربه ووطنه ربطًا لا فصام فيه، فالمواطنة في الإسلام جزء أصيل من التدين الصحيح، والوصول إلى مواجهة إسلامية شاملة للإرهاب يقوم في الأساس على فكرة قيام المؤسسات الدينية بدورها في (الضبط الديني) للشباب، وتحمل مسؤوليتها في التنشئة الدينية السليمة؛ فمن المعلوم يقينًا أن كثيرًا ممن استُدرجوا لمسالك الإرهاب إنما تلقوا (أنصاف علوم) من أقرانهم في غياب كامل للوعي المعرفي العقلي والمنهج الوسطي الحنيف [د. صالح بن رميح الرميح: دور مؤسسات المجتمع الأهلي في مكافحة الإرهاب، مركز الدراسات والبحوث، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، الرياض، ٢٠٠٦م، ص ١٤٤، ١٤٥].

وتأسيسًا على ذلك، فإن تحويل هذا المنهج إلى واقعٍ مَعيش يفرض على المؤسسات الدينية الانتقال من دور (الوعظ التقليدي) إلى دور (البناء الفكري)؛ بحيث يُعاد صياغة الخطاب الدعوي ليكون جسرًا يربط بين نصوص الشريعة الثابتة وتحديات العصر المتغيرة، إن تحصين العقل الشبابي ضد الأفكار المتطرفة يبدأ من تعزيز الحوار الفلسفي والمنطقي الذي يدحض دعاوى الغلو بلسانٍ يفهمه هذا الجيل، وبما يُرسخ لديهم أن التدين الحق هو عمارة للأرض وبناء للحضارة، لا هدم للأرواح والمكتسبات، ومن ثمَّ يصبح الالتزام بالأحكام نابعًا من (وعيٍ بالعلة) لا مجرد (محاكاة للشكل)، فتتحول القيم الإسلامية إلى صمام أمان ذاتي يقي الفرد من الانجراف وراء التفسيرات المنحرفة، ويجعل من الانتماء الوطني والوازع الديني قوةً متماسكة تدفع المجتمع نحو الاستقرار والازدهار.

الأمن الفكري وحماية عقول الشباب

تمثل قضايا الشباب والأمن الفكري إحدى القضايا المصيرية في مجتمعنا المعاصر، لذا لا بد من تفعيل دور المؤسسات الدينية لمحاربة تيارات الفساد والغلو التي تواجه الشباب في مسيرة حياتهم، إن تحصين فكر وعقول الشباب من أي غزو فكري مضلل أو وافد عبر وسائل الإعلام أو الفضاء الإلكتروني يتطلب لغة خطابية جديدة، تتجلى في خطب الجمعة الرصينة، والندوات الدينية الموجهة، والبرامج والحوارات التي تخاطب العقل والوجدان معًا.

يقول الله - تبارك وتعالى - في محكم التنزيل: ﴿ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِیلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ﴾  [النحل: ١٢٥]، فالحكمة هي وضع الشيء في موضعه، وهي السلاح الأمضى في مواجهة الفكر المتطرف، كما يجب اختيار رجال الدعوة والوعظ من (المتعمقين) في العلوم الشرعية، أولئك الذين يجمعون بين العلم والتقوى، ليكونوا نماذج تحتذى للشباب، بدلًا من الانسياق وراء (دعاة الفتنة) الذين يحثون على الغلو والتكفير والصدام مع المجتمع [د. عبد الله بن عبد العزيز اليوسف، الأنساق الاجتماعية ودورها في مقاومة الإرهاب والتطرف، جامعة نايف، ص ١١٠، ١١١].

إن هذه المواجهة الفكرية لا تكتمل أدواتها إلا بصياغة (ميثاق ثقة) بين المؤسسة الدينية والجيل الجديد، يقوم على أساس الشفافية والقدرة على تفكيك الشبهات المعاصرة بروحٍ مرنة لا تجمد عند القوالب الجاهزة، فالتحصين الحقيقي يبدأ من غرس (ملكة النقد) لدى الشاب، ليميز بين الثوابت الشرعية وبين التأويلات البشرية المغرضة التي تستغل حماسته الدينية لتوجيهها نحو مسارات التدمير، وبذلك ننتقل من مرحلة (الدفاع) ضد الأفكار الوافدة إلى مرحلة (المبادرة) ببناء شخصية مسلمة متوازنة تعتز بهويتها، وتؤمن بالتعايش السلمي، وترى في أمن وطنها واستقراره مقصدًا شرعيًّا لا يقل أهمية عن سائر العبادات؛ لتصبح الممارسة الدينية في المحصلة سلوكًا حضاريًّا يبني الإنسان ويحيي الوجدان.

ترسيخ الوسطية وقيم التسامح في مواجهة الغلو

إن الواجب الوقتي يحتم على الخطباء ورجال الدعوة التركيز على (التوعية الأمنية) الشاملة، وتوضيح أخطار التطرف المصحوب بالإرهاب الذي لا يفرق بين دين أو وطن، إن التأكيد على وسطية الإسلام هو الأصل الأصيل، فالإسلام دين الرحمة والجمال، قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ» [أخرجه البخاري في صحيحه، رقم ٣٩].

إن إشاعة روح التسامح وقبول الآخر هي من جوهر عقيدتنا، فالله - عز وجل - جعل الاختلاف سنة كونية فقال: ﴿وَلَوۡ شَاۤءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةࣰ وَٰحِدَةࣰۖ﴾  [هود: ١١٨]، لذا فإن مواجهة التطرف الديني هي في حقيقتها انتصار للوطن، وحماية للنسيق المجتمعي من التمزق، إن المؤسسات الدينية هي المنوط بها اليوم إعادة صياغة الوعي الجمعي بما يحقق مقاصد الشريعة في حفظ النفس والدين والعقل والوطن، والبعد التام عن الغلو والتكفير الذي هو بوابة الخراب والدمار [د. عبد الله بن عبد العزيز اليوسف: الأنساق الاجتماعية ودورها في مقاومة الإرهاب والتطرف، ص ١٠٥].

وعليه فإن معركة الوعي التي تخوضها المؤسسات الدينية اليوم ليست مجرد مواجهة فكرية عابرة، بل هي (صناعة حياة) تحمي الأجيال من السقوط في فخاخ العدمية الفكرية، إن ترسيخ مفهوم (الدولة الوطنية) في الخطاب الدعوي المعاصر يُعدُّ ضرورة شرعية، فليس هناك دينٌ بلا وطن آمن يُقام فيه، ولا عبادة بلا استقرار يضمن طمأنينة القلوب، لذا فإن استثمار لغة العصر الرقمي، ومد جسور الحوار مع الشباب في مساحاتهم الخاصة، هو السبيل الوحيد لجعل القيم الإسلامية واقعًا ملموسًا يرفض الإقصاء ويحتفي بالبناء؛ لتظل رسالة الإسلام دائمًا كما أرادها الله: منارةً للهداية، وبلسمًا للجراح، وحصنًا منيعًا يحمي الإنسان ويصون كرامته في كل زمان ومكان.

الخلاصة

إن المؤسسات الدينية هي حائط الصد الأول ومحراب الوعي الذي يحمي عقول الشباب من الانجراف نحو هاوية التطرف، فبالمنهج العلمي الرصين، والقدوة الصالحة، وخطاب الرحمة، نستطيع أن نحول طاقات الشباب من معول هدم إلى سواعد بناء، ليبقى وطننا واحة للأمن والسكينة، وملاذًا للوسطية والاعتدال.

موضوعات ذات صلة

إنَّ صيانة الأنفس، وحماية الأوطان تبدأ بتأمين سبل السعي في الأرض.

 إن صون الأوطان من أسمى مقاصد الأديان، وإن حراسة ثُغور المجتمع من عبث المتطرفين هي ذروة سنام الأمانة التي حملها الإنسان.

إنَّ الأوطان في ميزان الوحيِ ليست مجرد جغرافيا صَمَّاء، بل هي محراب للعمران وحصن للأمان.

موضوعات مختارة