وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
يقوم مفهوم الحوكمة في جوهره على إحكام الإدارة، وضبط الأداء، وربط السلطة بالمسؤولية، وتحقيق التوازن بين الصلاحيات والواجبات، وهي معانٍ أصيلة في الفكر الإسلامي الذي جعل إقامة العدل وحفظ مصالح الناس من أهم مقاصد الحكم والإدارة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ یَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّوا۟ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰۤ أَهۡلِهَا وَإِذَا حَكَمۡتُم بَیۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُوا۟ بِٱلۡعَدۡلِۚ﴾ [النساء: ٥٨]، يخبر تعالى أنه يأمر بأداء الأمانات إلى أهلها، وهذا يعم جميع الأمانات الواجبة على الإنسان من حقوق الله - تعالى -، ومن حقوق العباد بعضهم على بعض مما يأتمنون به بعضهم على بعض [كتاب تفسير ابن كثير - ط العلميةج٢/٢٩٨].
وقد جعل العلماء هذه الآية أصلًا عظيمًا في باب الولايات العامة؛ لأنها تجمع بين أداء الأمانة، وتحقيق العدل، وهما الركيزتان الأساسيتان لأي نظام إداري ناجح.
وإذا نحن استقرينا موارد الشريعة الإسلامية الدالة على مقاصدها من التشريع استبان لنا - من كليات دلائلها، ومن جزئياتها المستقراة - أن المقصد العام من التشريع فيها هو حفظ نظام الأمة، واستدامة صلاحه بصلاح المهيمن عليه وهو نوع الإنسان، ويشمل صلاحه وصلاحَ عقله وصلاحَ عمله وصلاحَ ما بين يديه من موجودات العالم الذي يعيش فيه [انظر: كتاب مقاصد الشريعة الإسلامية -ابن عاشور- ج٣/١٩٤].
وعلى هذا الأساس فإن الحوكمة الرشيدة تتلاقى مع مقاصد الشريعة؛ لأنها تهدف إلى حفظ المال العام، وتحقيق العدالة، ومنع الفساد، وضمان قيام المؤسسات بدورها في خدمة الإنسان والمجتمع.
كما قرر الإمام الشاطبي أن مقصد الشريعة الكلي هو تحقيق مصالح الخلق في الدنيا والآخرة، وأن الأحكام الشرعية إنما جاءت لحفظ نظام المجتمع وتحقيق الصلاح العام فقال: "ومن المعلوم أن الشريعة وضعت لمصالح العباد في العاجل والآجل" [انظر: الموافقات -الشاطبي، ج٢، ص: ٩].
لا يمكن تحقيق التنمية المستدامة دون حوكمة فعالة:
تتمثَّلُ مبادئ الحوكمة في سيادة القانون والعدالة والمساءلة والمشاركة والشفافية ومكافحة الفساد، ويتطلَّبُ تطبيق تلك المبادئ؛ نشر العديد من الإصلاحات وإدماجها، سواء كانت مؤسسية أم تشريعية، بالإضافة إلى العمل على رفع القدرات البشرية وتغيير الثقافة والسلوك الإداري، وترتبط قضية الحوكمة، نظرًا إلى تشابكها وتعقُّدها، بالمسؤولية المشتركة للقطاع الحكومي والقطاع الخاص والمجتمع المدني، لتصبح مسؤولية كل فرد من أفراد المجتمع، من خلال العمل بنظام فعَّال للمراقبة والمحاسبة للعمليات والإجراءات الخاصة بجميع المؤسسات، بما يضمن فاعليتها وكفاءتها وامتثالها للوائح والقوانين المعمول بها، والوصول إلى أداء أكثر إنتاجية في الدولة.
ومما لا شكَّ فيه أن تحقيق التنمية المُستدامة كما تحدّده الرؤية يتطلب مستوى مرتفعًا من الاستقرار والأمن بمفهومه الشامل، متضمنًا مكافحة الجرائم بأنواعها المختلفة، وتوفير أمن المياه وأمن الطاقة اللذين يُمثِّلان أهم متطلبات التنمية وتحقيق الاستقرار مع دول الجوار، بما يسمح بتحسين نوعية الحياة وتوجيه استثمارات الدولة نحو التنمية وضمان استدامتها [وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية - رؤية مصر (٢٠٣٠)].
ولقد شدَّد سيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، على أن بناء الأوطان لا يتحقق إلا ببناء الإنسان؛ ومن هنا جعلت الدولة المصرية الاستثمار في الإنسان نهجًا أساسيًا، تعدّ من خلاله جيلًا واعيًا مستنيرًا، قادرًا على مواجهة تحديات العصر، ومؤهلًا للمساهمة في مسيرة البناء والتنمية، وفق رؤية واضحة تضع الإنسان في مقدمة الأولويات [بوابة الأهرام -الرئيس السيسي -بناء الأوطان لا يتحقق إلا ببناء الإنسان- ١٩-١-٢٠٢٦م].
فاستقرار الدولة وقوة مؤسساتها يمثلان أساسًا لصون الأمن القومي ودعم مسيرة التنمية الشاملة، وتبقى دراسة العلاقة بين الفكر الإسلامي ونظم الإدارة الحديثة مجالًا مهمًا لفهم تطور الدولة ومؤسساتها.
تؤكد الحوكمة الرشيدة في الفكر الإسلامي أن العدل والأمانة والشفافية والمساءلة ليست مجرد قيم أخلاقية، بل أسسٌ راسخة لبناء دولة قوية ومؤسسات ذات كفاءة تحقق الصالح العام، ومع ترسيخ هذه المبادئ في الإدارة الحديثة، تتعزَّز التنمية المستدامة، ويترسَّخ الأمن الوطني، وتزداد قدرة الدولة على استشراف المستقبل، وتعزيز تنافسيتها وريادتها، وتحقيق تطلعات، وذلك من خلال رؤية مصر (٢٠٣٠) نحو بناء دولة عصرية قوية ومستدامة.
تجمع بين القيم الروحية والتقدم المادي، وتدعو إلى التوازن بين الفرد والمجتمع في الحقوق والواجبات.
يتجاوز هذا المفهوم الروابط الضيقة، ليمتد عبر الزمان والمكان.
ما هي الركيزة الأساسية للقضاء على جذور الإرهاب في عصر الانفجار المعلوماتي؟
إن بناء الحضارات لا يقاس بوفرة الأعداد، بل بقيمة الإنسان الذي هو مبتدأ التنمية ومنتهاها.