Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

التفكير المستقيم

الكاتب

أ.د/ علي جمعة

التفكير المستقيم

التفكير المستقيم على هدي شرعية الإسلام هبة ربانية ومعيار حضاري تُبنى عليه المعارف الصحيحة عبر مسالك الحس والعقل والنقل، وانحراف هذا الميزان يورث المجتمعات فوضى فكرية، ويفتح باب التجرؤ المذموم على العلوم التخصصية بغير وعي.

حقيقة التفكير ومنطلقاته الإيمانية

التفكير نعمة ربانية وهبها الله للإنسان، ومن شكر النعمة أن نتحدث بها؛ قال الله - تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعۡمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثۡ﴾ [الضحى: ١١]، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «‌إِنَّ ‌اللَّهَ ‌يُحِبُّ ‌أَنْ ‌يَرَى ‌أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ»، [رواه الترمذي]، وقال في شأن قصر الصلاة - ثم صارت مقولته قاعدة مستمرة: «‌صَدَقَةٌ ‌تَصَدَّقَ ‌اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ»، [رواه مسلم].

والدليل على أن التفكير نعمة: أننا قد أُمرنا به في حياتنا كلها، وفي القرآن﴿بِٱلۡبَیِّنَٰتِ وَٱلزُّبُرِۗ وَأَنزَلۡنَاۤ إِلَیۡكَ ٱلذِّكۡرَ لِتُبَیِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَیۡهِمۡ وَلَعَلَّهُمۡ یَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]، فربط بين الالتزام بالأوامر والنواهي في العقيدة والشريعة والأخلاق، وبين التفكر الذي هو الأساس في الفهم.

والفكر: ترتيب أمور معلومة يتوصل الإنسان بها إلى مجهول، والأمور المعلومة تكون في صورة جملة مفيدة، يضم الفكر جملة مع جملة ويربط بينهما ويخرج بنتيجة منهما، وكل جملة مفيدة قد تخبر عن واقع، وقد تعبر عن طلب، والتفكير المستقيم يبدأ من البحث في الجملة التي تخبر عن واقع، ويأخذ في التأكد من صحتها، وإلا اتجه الفكر إلى الخرافة فلا يكون مستقيمًا، وكل جملة مفيدة لها مجال، وكل مجال له طريقة في إثباته، ودليل يبرهن على صحته ومعيار للقبول والرد بشأنه.

روافد المعرفة ومنهاج إثبات الحقائق (حس، عقل، نقل)

فهناك أمور تعود إلى الحس والتجريب، مثل جملة: النار محرقة، والشمس مشرقة، ودليل هذه الأمور يكون بإدراك الحس، أو بالخبر المتواتر الموثوق به، وهناك أمور أخرى تعود إلى العقل مثل: حقائق الرياضيات، وهناك أمور تعود إلى النقل مثل: أحكام اللغة وأحكام الشريعة، وكل ذلك يحتاج إلى منهج من التجربة والملاحظة والاستنتاج، وتكرار ذلك مرات حتى تستقر في الذهن حقيقتها وتكون صالحة للاستعمال، ويسمي المناطقة الجملة المفيدة بـ (النسبة التامة)، وتعرف بأنها: إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه، فإذا كانت الجملة عادية حسية أضافوا عبارة (بناء على التكرار)، وإذا كانت نقلية قالوا: بناء على وضع الواضع، وإذا كانت عقلية قالوا: "غير معتمدة على تكرار ولا وضع واضع".

مظاهر التفكير المعوج وآثاره التدميرية على المجتمع

ومن صور الانحراف عن التفكير المستقيم: أن نبحث عن دليل مسألة عقلية في النقل، أو عن مسألة حسية في العقل، أو عن مسألة نقلية في الحس، والذي يضبط كل ذلك هو العلم، والعلم في التعريف العربي لا يقتصر على المعنى المترجم لكلمة Science الذي قصر العلم على التجريب فقط؛ وإنما يعني القدر التعييني من المعرفة؛ وبذلك فهو يفرق بين القطعي والظني ويعلم حدود كل واحد منهما.

فالخلط بين القطعي والظني من مظاهر التفكير المعوج، والخلط بين مجال الحس والعقل والنقل وعدم التمييز بينها من مظاهر التفكير المعوج كذلك، والسير خبط عشواء من غير اتضاح كيفية الاستفادة من كل المجالات؛ لأنها تمثل الواقع المعيش من مظاهر ذلك التفكير المعوج، واحتقار مجال على حساب مجال آخر من مظاهر التفكير المعوج - أيضًا.

والتفكير المعوج يؤدي بنا إلى الغثائية، ويؤدي بنا إلى عقلية الخرافة، وإلى منهج الكذب الذي يعني: مخالفة الواقع، أو مخالفة الواقع والاعتقاد؛ ولذلك أطلق الكذب في لغة قريش على الخطأ، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في يوم فتح مكة: «‌كَذَبَ ‌سَعْدٌ» عندما قال سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: ‌الْيَوْمَ ‌يَوْمُ ‌الْمَلْحَمَةِ فقال : «بل الْيَوْمُ يَوْمُ الرَّحْمَة»، وكذب هنا بمعنى: أخطأ فيما قال، فعزله النبي - صلى الله عليه وسلم - من القيادة، وعين ابنه قيسًا مكانه.

إن التفكير المعوج يجعل الناس يعيشون في أوهام، وإذا شاع هذا التفكير اختلت الأمور، وكان ذلك أكبر عائق أمام التنمية البشرية وأمام الإبداع الإنساني، وأمام التقدم والأخذ بزمام الأمور، وأمام العلم وأمام تحصيل القوة، وإذا كان كذلك فشلت كل محاولات الإصلاح، وشاعت الغوغائية والعشوائية.

أهمية المرجعية والتخصص في الميزان الحضاري

وإذا ما قارنا حالنا مع الفكر المستقيم والفكر المعوج مع حال أسلافنا؛ حيث بنيت الحضارة ونفعت الإنسان في كل مكان -لوجدنا أنهم قد تبنوا الفكر المستقيم، وحاربوا بكل قوة الفكر المعوج، وإذا ما قارنا حالنا في ذلك مع حال الحضارة الغربية وجدناهم - أيضًا - قد حاربوا الفكر المعوج ورفضوه، ومن مظاهر رفضه قضية التخصص والمرجعية، فقد آمنوا بالتخصص وآمنوا بالمرجعية، ولم تعد شخصية (أبو العُريف) التي شاعت في الثقافة الشعبية شخصية محببة أو طريفة، بل هي شخصية غاية في التخلف والانحطاط، ويمثل الكذب عندهم - سواء عند السلف أو عند الغرب - قيمة سلبية يُحاسب عليها من يرتكبها على جميع المستويات، ويكون الكذب جريمة إذا ما صدر من مسئول أو متصدر لخدمة الناس.

وتحت فكرة احترام المرجعية تم التفريق بين الحقائق والآراء؛ فليس هناك وجهات نظر في الأمور التي تحتاج إلى تجربة وحس، وجهات النظر تكون في معالجة رعاية شئون الأمة، وتكون في مجال يحتمل الآراء، سواء كان من أهل التخصص أو كان من عموم الناظرين والكاتبين، ولابد أن يؤسس الرأي حتى يكون محترما على الفكر المستقيم، ولابد أن يتغيا أيضًا النفع والصالح العام، فإذا خرج عن الفكر المستقيم أو تغيا الشر والفساد فهو مردود على صاحبه، مهجور يجب اجتنابه.

ويبدو أن هذه الحقائق البسيطة المتفق عليها يصعب على كثير من الناس اتباعها، ولا يستطيعون إلا أن يسيروا في نزقهم الفكري، وتكبرهم المهني، بصورة بشعة تفقد مصداقية الكلمة، وينهار معها أسلوب الخطاب.

علمية الفقه الإسلامي وخطورة التجرؤ عليه بغير علم

 إن الإصرار على اتباع التفكير المعوج الغثائي، والتدخل في التخصصات المختلفة بصورة تجمع بين الجهل وبين الكبر - يجب أن تُحارَب بشكل منتظم، ابتداء من مناهج التعليم وانتهاء بالإعلام؛ حتى نعود إلى الأمل في تغيير حالنا: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُغَیِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ یُغَیِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ﴾ [الرعد: ١١].

ويجب أن نعلم جميعًا أن الفقه الإسلامي علم من العلوم عرفه العلماء بأنه: "العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية"، وهو علم له مسائله وله مناهجه وله أدواته وله مساقاته الدراسية، وله مدارسه الفكرية، وله علومه المساعدة، وله فوائده ونتائجه، وأنه ليس سبيلًا يرده كل من أراد أو فكر دون اعتماد على ذلك العلم، هو علم لا يعرف العنصرية ولا يريدها؛ فكل ذكر أو أنثى وكل أبيض أو أسود له أن يخوض طريق ذلك العلم، ولكن لا يجوز له بأي حال من الأحوال أن يتعدى حدوده وأن يقول فيه ما ليس له أن يقول، ليس من الليبرالية أن تعترض على علم الكيمياء فيما توصلوا إليه بمناهجه وأدواته، وليس من الليبرالية أن تتدخل في الطب وتعرض آراء الناس فيه، بل هذا من عقلية الركة والخرافة التي تجر العلم إلى الانطباعات والرغبات والشهوات ووجهات النظر، وليس هذا بحاله.

والفقه علم من العلوم؛ فمن تعامل معه بهذه الطريقة استجلب للعارف بالحقيقة الضحك الممتزج بالبكاء، فإن شر البلية ما يضحك، قال تعالى: ﴿قُلۡ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّیَ ٱلۡفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلۡإِثۡمَ وَٱلۡبَغۡیَ بِغَیۡرِ ٱلۡحَقِّ وَأَن تُشۡرِكُوا۟ بِٱللَّهِ مَا لَمۡ یُنَزِّلۡ بِهِۦ سُلۡطَٰنࣰا وَأَن تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]، واشتد تحذير الله لنا من هذا الطريق المهلك حيث يقول: ﴿فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ كَذَّبَ بِءَایَٰتِهِۦۤ﴾ [الأعراف: ٣٧].

الخلاصة

احترام المرجعيات العلمية والتخصص الدقيق هو صمام الأمان لحماية وعي الأمة من الخرافة والغوغائية، والفقه الإسلامي بناء معرفي رصين لا يقبل تطفل أنصاف المتعلمين ولا الخوض فيه بغير أدواته المنهجية؛ لذا فإن إصلاح بوصلة التفكير هو المنطلق الحتمي لاستعادة توازننا الحضاري وحماية الشريعة من عبث الأهواء.

موضوعات ذات صلة

منهجٌ يوازن النص بالعقل، ليرسخ الوسطية ويواجه التطرف المعاصر.

حرية فكرية مسؤولة تبني العقل والمجتمع دون انفلات أو تقييد.

تطورَ العقلُ الإسلامي من الجدلِ إلى الحكمةِ والاجتهادِ الفلسفيِ الأصيلِ.

المعرفة إدراكٌ وتطهيرٌ بالعمل، والعارف من عرف الله وأخلص بصفاته.