Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الأشعرية والماتريدية.. هندسة المذهب وصيانة المعتقد

الكاتب

هيئة التحرير

الأشعرية والماتريدية.. هندسة المذهب وصيانة المعتقد

إن المذهب الأشعري ليس مجرد آراءٍ متناثرة؛ بل هو بنيانٌ مرصوص وصناعةٌ علمية محكمة، نقلت عقائد السلف من طور المسائل المنثورة إلى طور المذاهب المنضبطة التي صانت وعي الأمة.

التحول المذهبي.. من المسائل المنثورة إلى الصناعة المحكمة

إن إدراك الدور التاريخي للإمام أبي الحسن الأشعري ومدرسته يستوجب الوقوف على حقيقة التحول الفكري الذي أحدثه؛ حيث انتقل بعقيدة أهل السنة من دائرة (المسائل الفردية) إلى رحابة (المذهب المتكامل) الذي تتوفر فيه الأركان الثلاثة: (الأصول، والمسائل، والقواعد)، فكما انتظمت المذاهب الفقهية في هياكل علمية رصينة، كذلك فعلت الأشعرية والماتريدية، لتغلق الباب أمام المتنطعين الذين ظنوا أن نصرة السنة تكون بالجمود لا بالتحقيق، إننا أمام (دستور عقدي) تضافرت فيه جهود الفحول كالبغدادي والشهرستاني والرازي والآمدي والإيجي، لتشييد حصنٍ معرفي يرجع إليه المسلم في مضائق الفكر ومزالق الحيرة، ممتثلين قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةٗۚ فَلَوۡلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرۡقَةٖ مِّنۡهُمۡ طَآئِفَةٞ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوۡمَهُمۡ إِذَا رَجَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ لَعَلَّهُمۡ يَحۡذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢].

هندسة القواعد.. استقراء الوجود وإثبات العلم

تتجلى القواعد الأشعرية في كونها (مفاتيح للوجود)؛ حيث تبدأ من إثبات حقائق العلوم وطرق حصولها عبر الحواس والنظر الصادق والخبر المتواتر، مستجيبة للأمر الإلهي بالنظر: ﴿أَوَلَمۡ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيۡءٖ﴾ [الأعراف: ١٨٥]، ثم تنتقل لتشريح (العالم) بأسره كجواهر وأعراض حادثة، مستدلةً بذلك على وجود (الصانع القديم) المنزه عن الحد والجهة والتشبيه، فالله - سبحانه - واحدٌ في ذاته لا قسيم له، وواحدٌ في صفاته لا شبيه له، وواحدٌ في أفعاله لا شريك له، تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وهذا البناء القاعدي يمتد ليشمل مباحث (الحال) و(المعدوم) و(الهيولى) ببرهانٍ عقلي يحيط ببدائع الصنع ليثبت إحكام صفات الخالق العلي.

١-فمباحث (الحال):

المعنى: (الحال) هي مرتبة متوسطة بين الوجود والعدم.

الغرض منها: اختلف العلماء (مثل الباقلاني والأشعري) في كيفية إثبات الصفات؛ فمن أثبت (الحال) أراد أن يفسر كيف نثبت صفة (العالِمية) لله دون أن نقع في تشبيهها بصفات المخلوقين، هي محاولة عقلية دقيقة لتنزيّه الذات الإلهية مع إثبات كمالاتها.

٢. مباحث (المعدوم):

المعنى: هل (المعدوم) يُسمى شيئًا؟ وهل له حقيقة في علم الله قبل أن يُخلق؟

الغرض منها: الرد على بعض الفرق (كالمعتزلة) الذين قالوا: إن المعدوم شيء ثابت في العدم، فأكد أهل السنة أن الله هو الخالق لكل شيء من عدم محض، وأن الأشياء لا تكتسب (الشيئية) إلا بإيجاد الله لها، وهذا تعظيم لصفة الخالق.

٣. مباحث (الهيولى):

المعنى: (الهيولى) مصطلح يوناني يقصد به (المادة الخام) الأولية التي صُنع منها العالم قبل أن تأخذ شكلها الحالي.

الغرض منها: الفلاسفة قالوا إن (الهيولى) قديمة مع الله، لكن أهل السنة (الأشاعرة) أثبتوا ببرهان عقلي أن هذه المادة حادثة ومخلوقة، وأن الله لا يحتاج لمادة سابقة ليخلق منها العالم، بل هو (البديع) الذي خلق المادة وشكلها (الصورة).

الصفات الأزلية وكلام النفس.. عبقرية التنزيه

يبرز في قلب القواعد الأشعرية إثبات (الصفات الأزلية) القائمة بذاته تعالى بوصفها معانٍ زائدة على الذات، لا كتعطيل المعتزلة، ولا تشبيه الحشوية، مستمسكين بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ فَٱدۡعُوهُ بِهَاۖ﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وهنا تبرز قاعدة (الكلام النفسي) كواحدة من أدق معالم هذا المذهب؛ حيث يثبت أهل الحق أن كلام الله معنىً واحدٌ أزلي قائم بذاته، متعالٍ عن الزمان والحروف والأصوات في أصله، كما في قوله تعالى: ﴿قُل لَّوۡ كَانَ ٱلۡبَحۡرُ مِدَادٗا لِّكَلِمَٰتِ رَبِّي لَنَفِدَ ٱلۡبَحۡرُ قَبۡلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَٰتُ رَبِّي وَلَوۡ جِئۡنَا بِمِثۡلِهِۦ مَدَدٗا﴾ [الكهف: ١٠٩]،  إن هذا المنهج هو الذي يحل إشكالية تعلق العلم الأزلي بالمعدوم، ويبرهن على أن المشيئة الإلهية محيطة بجميع الكائنات، وأن (الوجود من حيث هو وجود خيرٌ محض)، مستندين لقوله - صلى الله عليه وسلم: «وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ»  [أخرجه مسلم في صحيحه، رقم ٧٧١].

النبوات والأحكام.. مآلات التكليف ومراتب التشريف

تكتمل منظومة القواعد الأشعرية بتقرير (حقائق النبوات) ووجوب عصمة الأنبياء، واعتبار المعجزة تصديقًا إلهيًّا، كما قال تعالى: ﴿لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ﴾ [الحديد: ٢٥]، وتتفرع هذه القواعد لتشمل (أحكام التكليف) وصولًا لمسائل المفاضلة بين الأنبياء والملائكة، ومعرفة مراتب الصحابة الذين أثنى الله عليهم بقوله: ﴿لَّقَدۡ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ يُبَايِعُونَكَ تَحۡتَ ٱلشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]، إن هذا الاستيعاب الشامل هو ما جعل المذهب الأشعري والماتريدي يمثلان (السواد الأعظم) للأمة، امتثالًا لقوله - صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ فَإِذَا رَأَيْتُمْ اخْتِلَافًا فَعَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ» [سنن ابن ماجه (٣٩٥٠)].

الخلاصة

إن القواعد الكلية التي شيد أركانها أئمتنا الأعلام ليست أغلالًا تُكبل العقل؛ بل هي مدارجُ استنارةٍ ومعالمُ هدايةٍ للتحقق بحقائق الوجود، لقد صاغ الأشاعرة والماتريدية عقيدة الإسلام في قوالب برهانية رصينة، حفظت ثوابت الوحي من تلاطم الشكوك، ليتحقق بذلك التوازن الأسمى، فيظل العقل سراجًا خادمًا للنقل، ويظل النقلُ المرجعيةَ الحاكمة على مآلات الفكر ومسارات العمل.

موضوعات ذات صلة

تتجلى الحقيقة الساطعة في أن الأشعرية والماتريدية هما حراس العقيدة الصافية.

الحاكمية مبدأ قرآني لتحقيق العدل، لكن المتطرفين حرّفوه إلى أداة للتكفير، متجاهلين فقه العلماء الذي يفرّق بين المعصية والكفر.

الأمية الدينية تعد أحد العوامل الرئيسية التي تسهل انتشار الإلحاد بين الأفراد.

أحيا الأشعري مسلك السلف بأدوات المتكلمين حمايةً للنص من الهوى.