إن استقراء مسيرة التاريخ يكشف بوضوح أن الإرهاب ليس إلا خللًا في الفطرة واجتراءً على قدسية الحق، وإن تحصين العقول يبدأ من فهم جذور هذا الضلال عبر العصور.
إن استقراء مسيرة التاريخ يكشف بوضوح أن الإرهاب ليس إلا خللًا في الفطرة واجتراءً على قدسية الحق، وإن تحصين العقول يبدأ من فهم جذور هذا الضلال عبر العصور.
إن المتأمل في تاريخ العنف يدرك أنه كان السمة الغالبة على المجتمعات البدائية، التي ركنت إلى شريعة الغاب؛ حيث ساد قانون البقاء للأقوى، ومن رَحِم هذا التاريخ عرفت مصر القديمة جريمة الإرهاب في عام (١١٩٨ ق.م)؛ حيث سجل التاريخ محاولة نكراء لاغتيال الملك رمسيس الثالث، فيما عُرف بـ "مؤامرة الحريم الكبرى"، وأطلق عليها الفراعنة آنذاك "جريمة المرهبين" [حمودي بن محمد الاسمري: التسلسل التاريخي للإرهاب، ص٧ وما بعدها]، ولم يكن الآشوريون بأقل عنفًا، فقد استخدموا الوسائل الإرهابية في القرن السابع قبل الميلاد على نطاق واسع ضد أعدائهم.
وفي العصر الروماني، كان التمييز بين الإرهاب السياسي والجريمة العامة أمرًا عسيرًا؛ إذ كان المجرم السياسي يُعد عدوًا للأمة بأسرها، وتُصنف أفعاله ضمن الجرائم الكبرى التي يتعدى ضررها الأفراد ليصيب المجتمع في مقتله، كالتآمر مع أعداء الوطن، وإثارة الفتن، والتمرد على السلطة، وعند الإغريق بدأ المفهوم مرتبطًا بالدين، ثم تطور بتطور فلسفتهم ليصبح الجرم السياسي هو الموجه ضد كيان الدولة وسيادة الشعب [الموسوعة العربية العالمية: ط٢، ج١، ص ٤١٢].
إلا أن التاريخ يسجل أن "الإرهاب المنظم" برز في أرض فلسطين في القرن الميلادي الأول عبر مجموعة "الزيلوت" أو "الغيورون" الذين تمردوا على روما عام (٦م)، فهؤلاء لم يكتفوا بالاحتجاج، بل مارسوا الذبح العلني لخلق صدمة نفسية روعت السكان، وانتهجوا حرب عصاباتٍ شعواء [هانز بيتر جاسر: حظر الأعمال الإرهابية في القانون الدولي الإنساني، ص٩٥]، وتعتبر منظمة السيكاري (Sicari) هي أول منظمة إرهابية منظمة، شكلها متطرفون يهود في نهاية القرن الأول قبل الميلاد، بعد شتاتهم على يد البابليين عام (٥٨٦ ق.م)، وانتهى بهم الأمر إلى تدمير هيكلهم عام (٧٠ ميلادية) [أسعد ومفرج: القاموس السياسي، ط٢، ص١١٤].
مع بزوغ العصر الوسيط وتحديدًا في القرن العاشر، ظهرت "الطائفة الإسماعيلية النزارية المشرقية"، التي عرفها الغرب باسم الحشاشين (Assassins) هذه المنظمة بلغت شأوًا بعيدًا في التنظيم السرّي تحت إشراف (حسن الصباح)، واتخذت من قلاع سوريا وإيران معاقل لها، لقد دافعت هذه الطائفة عن أهداف دينية وسياسية في آنٍ واحد، ولجأت للاغتيال الممنهج لفرض نفسها، مستغلةً حاجة الفقراء وسكان الأرياف لتجنيدهم في استراتيجية تشبه حركات العنف السياسي المعاصرة، ولعل أشهر جرائمهم هي اغتيال الوزير (نظام الملك)، وهي عملية زلزلت العالم حينها [حمودي بن محمد الاسمري: التسلسل التاريخي للإرهاب، ص٦ وما بعدها].
وفي سياق القسوة العسكرية، جسد القائد "جنكيز خان" نموذجًا لترهيب الشعوب بالصدمة، لكن "تيمورلنك" هو من ضرب الرقم القياسي في الوحشية؛ حيث كان يشيد أهرامات من رؤوس الضحايا [إحسان محمد الحسن: علم اجتماع العنف والإرهاب، ص ٢٤]، ويروى أنه عندما غزا بغداد، أباد الآلاف وألزم جنوده بأن يأتي كل واحد منهم برأسين، حتى فقدت المدينة في يوم واحد ما يقرب من (١٠٠ ألف شخص)، فضلًا عمن غرق في دجلة، أما أوروبا فقد ظلت بعيدة نسبيًا عن هذا النمط المنظم حتى "حرب الثلاثين عامًا" في القرن السابع عشر؛ حيث وقعت مجازر مروعة كفعلة "الماركيز دو سورديس" الذي شنق الأسرى وتركهم عبرة لمن اعتبر [تميم العودات وحسين الطراونة: تاريخ الإرهاب، ص ١٤].
إن ما نشهده اليوم من "إسلام سياسي" أو "يمين ديني" ليس إلا صدىً لفتنٍ قديمة تكررت في تاريخنا عند ضعف الدول، إن هؤلاء الذين يعتزلون مجالس العلماء ويخرجون عن الإجماع، ليسوا إلا أدواتٍ طيعة في يد أعداء الدين لتفتيت وحدة المسلمين [مروة حامد البدري: نشأة وتطور الجماعات الجهادية في أفغانستان، ص ٢٢]، إن مصطلح "الخوارج" يطلق على كل فرقة منتسبة للإسلام تؤمن بالعمل السري وترفع السلاح في وجه أئمة المسلمين [ابن كثير، البداية والنهاية، ج١٠، ص٥٤].
لقد بدأت بذور هذا الفكر مع "ذو الخويصرة التميمي" الذي عاب على النبي - صلى الله عليه وسلم - قسمته للصداقات، فنزلت فيه الآية: ﴿وَمِنۡهُم مَّن یَلۡمِزُكَ فِی ٱلصَّدَقَٰتِ فَإِنۡ أُعۡطُوا۟ مِنۡهَا رَضُوا۟ وَإِن لَّمۡ یُعۡطَوۡا۟ مِنۡهَاۤ إِذَا هُمۡ یَسۡخَطُونَ﴾ [التوبة: ٥٨]، وتفاقم الأمر مع "الفتنة الكبرى" عام (٣٥ هـ) التي استُشهد فيها عثمان بن عفان، ثم استُغلت واقعة "قميص عثمان" ودارت معركة "الجمل" و"صفين" ثم "النهروان"؛ حيث قضى الإمام علي على الخوارج الذين رفعوا شعار "لا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ"، وهي الكلمة التي قال عنها الإمام علي: "كلمة حق أريد بها باطل".
ثم ظهر "القرامطة" كفرقة باطنية ارتكبت أبشع مجزرة في تاريخ الكعبة عام (٣١٧ هـ)؛ حيث قتلوا (٣٠ ألف حاج) وسرقوا الحجر الأسود لمدة (٢٢ سنة) [إحسان برستان، القرامطة، ص١٨]، وتبعهم "المعتزلة" الذين أثاروا فتنة "خلق القرآن" وأوذِيَ بسببهم الإمام أحمد بن حنبل، وقد حذر النبي - صلى الله عليه وسلم - من هؤلاء ووصفهم بـ «كلاب النار» وأنهم «وَيَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ» [رواه البخاري، ٧٥٦٢].
إن الروابط الفكرية بين "الحشاشين" وجماعات العنف المعاصرة كـ "القاعدة" تكمن في الباطنية والعمل السري واستخدام التغييب الفكري، والحشاشون بقيادة "حسن الصباح" اعتمدوا على تخدير الشباب وتوجيههم للاغتيال، وحاولوا اغتيال "صلاح الدين الأيوبي" مرارًا [لویس برنارد: الحشاشون، ص ٦٨].
وعلى مر العصور، من الدولة الطولونية إلى الإخشيدية والفاطمية وصولًا إلى سقوط الخلافة عام (١٩٢٤م)، ظل الخوارج أداة هدم في يد الأعداء، إن هؤلاء الذين يستغلون نبل عاطفة "الخلافة" يحاولون إعادة إنتاج هذه النماذج المشوهة للوصول إلى كراسي الحكم، متناسين أن الإسلام بريء من صنيعهم، إن معركتنا معهم هي معركة وعي وفكر وصيانة لبيان الدين الحق من كل غلو أو تطرف.
إن المشاهد لمنطق الجماعات الضالة في عصرنا الراهن يلحظ بوضوح ذلك التناسخ الفكري مع طائفة "الحشاشين" في اعتماد "التقديس الأعمى" و"الغيبوبة الفكرية" كأدوات لتطويع العقول؛ حيث تحول "حسن الصباح" قديمًا إلى نموذج يقتدي به قادة "القاعدة" و"داعش" في صناعة الانتحاريين الذين يُساقون نحو الموت باسم الدين، والدين منهم براء، وما محاولاتهم اليائسة للنيل من الرموز الوطنية والقامات الفكرية إلا صدى لمحاولات اغتيال "صلاح الدين الأيوبي" الذي وقف حائط صد أمام أطماعهم، وعلى امتداد الحقب التاريخية، بقيت هذه التنظيمات تقتنص فرص الوهن السياسي للدول، من حقبة المماليك وصولًا إلى الصراعات السياسية في آسيا الوسطى؛ حيث استُخدمت شعارات "الحاكمية" و"التمكين" كستار لمطامع سياسية بحتة [عبود العامري: تاريخ أفغانستان وتطورها السياسي، ص ١٨٢]، إن التباكي على "الخلافة" لدى هؤلاء ليس رغبة في جمع كلمة المسلمين، بل هو سعي حثيث لتقويض مفهوم "الدولة الوطنية" وإحلال الفوضى محل النظام، إن أمانة الكلمة تقتضي منا أن نصدح بأن حماية الأوطان من "باطنية العصر" هي أسمى معارك الوعي، صيانةً لجوهر الإسلام الذي جاء لإعمار الأرض لا لإحراقها، وتصديقًا لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُفۡسِدُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا﴾ [الأعراف: ٥٦].
إن استقراء تاريخ جماعات العنف من "الزيلوت" و"الحشاشين" وصولًا إلى "خوارج العصر" يؤكد أن الإرهاب ليس دينًا يُتبع، بل هو انحراف فكري يتخذ من المقدسات ستارًا لمآرب سياسية ضيقة، ومحاولاتهم لتطويع النصوص وتغييب العقول ما هي إلا أدوات هدم لكيان الدولة الوطنية وتفتيت لوحدة الأمة الإسلامية، لذا فإن المعركة الحقيقية اليوم هي معركة "وعي شامل" تستند إلى منهجنا الوسطي الذي يجمع بين قدسية النص وفقه الواقع، صيانةً لجناب الشريعة وحمايةً للأوطان من براثن الغلو والتكفير، إن الإسلام بريء من صنيع كل من استباح الدماء أو روع الآمنين، وستظل كلمة الحق باقية والباطل إلى زوال، تصديقًا لقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَیَذۡهَبُ جُفَاۤءࣰۖ وَأَمَّا مَا یَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَیَمۡكُثُ فِی ٱلۡأَرۡضِۚ﴾ [الرعد: ١٧].
إنّ مواجهة التطرف الديني تبدأ من كشف زيف أدواته، وبيان بشاعة وسائله، التي يتدثر فيها بعباءة الدين وهو منه براء.
إن مأساة العصر تكمن في اجتراء أقوامٍ على سفك الدماء باسم رب الأرض والسماء.
إنَّ صيانة العقل المسلم من لوثة الفكر الضال هي المقصد الأسمى للشريعة الغراء.