وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
من الأهمية بمكان، وقبل الولوج في غمار الحديث عن جهود مؤسسات المجتمع الأهلي في مواجهة ظاهرة الإرهاب المقيتة، أن نسلط الضوء ببيانٍ جليّ على الأنساق الاجتماعية وأدوارها الوقائية الحصينة من التطرف والإرهاب، إن الأنساق الاجتماعية في جوهرها هي كيانات إجتماعية ينظم فيها الأفراد طواعية لتحقيق غاية نبيلة أو من أجل إشباع حاجة إنسانية معتبرة [د. عبد الله بن عبد العزيز اليوسف: الأنساق الاجتماعية ودورها في مقاومة الإرهاب والتطرف، ص ١٠٥].
هذه الأنساق تعمل بجهد دؤوب على مساعدة أفراد المجتمع للإسهام الفاعل والمشاركة الحقيقية في تنميته وتطويره، مستظلةً بظلال القيم والعادات والتقاليد الراسخة التي تعلي من شأن الجماعة وتنبذ الفرقة، ويتحقق ذلك عبر عملية (الضبط الاجتماعي) أو (التنشئة الاجتماعية) الواعية، من خلال وضع ضوابط محددة وبلورة قيم سامية في وجدان المجتمع، وتتمثل هذه المحاضن في: الأسرة التي هي اللبنة الأولى، والمسجد الذي هو منارة الهدى، وجماعات الرفاق، والنوادي، وجماعات الجوار [محمد عبد الله البكر، تفعيل دور مؤسسات الضبط الاجتماعي في ظل التغيرات الاجتماعية والاقتصادية المعاصرة، المجلة العربية للدراسات الأمنية والتدريب، الرياض ١٤٢٠ هـ، المجلد ١٦ - العدد ۳۲، ص ۳۷].
إن هذه الأنساق تؤدي دورًا محوريًّا في المحافظة على الأمن القومي والسكينة المجتمعية، فكلما ارتقت الخدمات الصحية والاجتماعية والترفيهية التي تقدمها هذه المؤسسات، وكان خطابها متسقًا مع متطلبات العصر وروح الشريعة، كان الفرد أكثر نضجًا وتفاعلًا إيجابيًّا مع الدولة ومؤسساتها، وهنا يتحقق الأمن النفسي والمجتمعي، أما إذا أخفقت هذه الأنساق في احتواء الشباب وتلبية تطلعاتهم، فإنها تترك فراغًا خطيرًا قد ينفذ منه دعاة الكراهية والناقمون على المجتمع لتحقيق أهدافهم السياسية [د. عبد الله بن عبد العزيز اليوسف: الأنساق الاجتماعية ودورها في مقاومة الإرهاب والتطرف، ص٩٥، ومابعدها].
تعتبر جماعات النشاط المدرسي اللاصفي من أهم الحصون التي تتبناها المؤسسات التعليمية لغرس الثقة بالنفس في نفوس النشء، وتمكينهم من التعبير عن أفكارهم في بيئة آمنة تقتل بذور الانعزال والتطرف قبل نموها، وقد أجرى الدكتور محمود دسوقي دراسة ميدانية رصينة للتعرف على الدور الوقائي لهذه الجماعات في مواجهة السلوك الإرهابي، مبينًا أن الانحراف نحو الإرهاب يغذيه غياب القدوة الحسنة، والتأثر بأصدقاء السوء الذين يكفرون المجتمع، ومعاناة الشباب من البطالة، والفشل الدراسي [د. صالح بن رميح الرميح: دور مؤسسات المجتمع الأهلي في مكافحة الإرهاب، مركز الدراسات والبحوث، ص ١٣٦ وما بعدها].
إن الواجب الشرعي والوطني يحتم على هذه الجماعات القيام بأدوار محددة، منها:
ويجب التأكيد هنا على ضرورة التعاون مع (المرشد الديني) الذي يمثل الفكر الوسطي المستنير، لتعليم الطلاب مقومات الدين الإسلامي السمح الذي جاء رحمةً للعالمين، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةࣰ لِّلۡعَٰلَمِینَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، فالإسلام يرفض السلوك الإرهابي جملة وتفصيلًا، ويوجب حماية الأوطان، فحب الوطن من الإيمان.
تقوم الأندية الشبابية بدور جوهري في ملء (وعاء الفراغ) لدى الشباب، إذ أن وقت الفراغ إذا لم يُشغل بالحق شغل بالباطل، وتشير الدراسات إلى أن التصدع في النسق الترويحي يدعم بشكل مباشر النسق الإجرامي؛ حيث يصبح الشاب العاطل أو الذي لا يجد نشاطًا يستوعب طاقته فريسة سهلة لجماعات الإرهاب [عبد المنعم محمد بدر: مشكلة أوقات الفراغ واتجاهات الترويح، المكتب الجامعي الحديث، الإسكندرية، ١٩٨٤م].
إن دور الأندية يتمثل في الاستثمار الأمثل لهذه الطاقات عبر الأنشطة الرياضية والثقافية التي تنمي روح الفريق والمواطنة، ومن هنا ندرك خطورة الفراغ الذي أشار إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ» [أخرجه البخاري،٦٤١٢]، فالأندية هي البيئة الصالحة التي نكتشف من خلالها بوادر التطرف في مراحله الأولية لنعالجها بالفكر والحوار، قبل أن تتحول إلى معاول هدم في جسد الوطن [محمد إبراهيم السيف: المدخل إلى دراسة المجتمع السعودي، دار الخريجي، الرياض، ١٤١٨هـ، ص ٣٥٦].
إن حماية الوطن تتطلب يقظة تامة من مؤسسات المجتمع الأهلي لمنع اختلاط الطلاب والشباب بالأفراد المشبوهين الذين يبثون سموم الفتنة، إن هؤلاء المتطرفين يسعون دائمًا لتشويه صورة الدولة وزرع العداوة بين الفرد ومجتمعه، لذا فإن الدور المقترح لهذه المؤسسات يتجاوز مجرد النشاط التقليدي إلى كونه (أمنًا فكريًّا) شاملًا.
يجب أن نزرع في عقول شبابنا أن الحفاظ على الأمان هو مقصود شرعي أصيل، قال - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا» [أخرجه الترمذي، ٢٣٤٦]. فكيف بمن يروع الآمنين ويسفك الدماء؟ إن مواجهة الإرهاب هي معركة (وعي) في المقام الأول، تخوضها الأسرة والمدرسة والنادي جنبًا إلى جنب مع مؤسسات الدولة، ليبقى الوطن واحة للأمن والأمان، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿ٱجۡعَلۡ هَٰذَا ٱلۡبَلَدَ ءَامِنࣰا﴾ [إبراهيم: ٣٥].
إن تماسك الأنساق الاجتماعية هو الترياق الناجع لسموم التطرف، وإن مؤسسات المجتمع الأهلي هي الحارس الأمين على هوية الشباب وانتمائهم، فبالوعي الرشيد، والقدوة الحسنة، واستثمار الطاقات، نغلق أبواب الفتنة ونبني وطنًا عصيًّا على الانكسار، يرفع راية البناء لا الهدم، وراية الرحمة لا العنف.
إن صون الأوطان من أسمى مقاصد الأديان، وإن الذود عن أمن الكنانة بالبيان والسنان وبالقانون المحكم لهو ذروة سنام الأمانة.
إنّ حراسة الوعي من لوثة الضلال، وتحصين القلوب من غوائل الغلو.
إن صون الأوطان من أسمى مقاصد الأديان، وإن حراسة ثُغور المجتمع من عبث المتطرفين هي ذروة سنام الأمانة التي حملها الإنسان.