Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الشيخ راغب مصطفى غلوش الشاويش أصغر عمالقة العصر الذهبي في الإذاعة

الكاتب

وزارة الأوقاف المصرية

الشيخ راغب مصطفى غلوش الشاويش أصغر عمالقة العصر الذهبي في الإذاعة

من ثكنات الأمن المركزيّ وزيّه الميريّ إلى أثير الإذاعة وعرش دولة التلاوة؛ رحلة استثنائية أبهرت كبار المسؤولين وعمالقة الجيل الفريد، نروي فيها قصة الشيخ راغب مصطفى غلوش، "الشاويش" الذي هزَّ بأذانه وتلاوته محراب المسجد الحسيني وأسلم على يديه العشرات عبر العالم.

المولد والنشأة القرآنيّة.. من كتاتيب "برما" إلى منارة المسجد الأحمدي

شهد الخامس من يوليو عام ١٩٣٨م مولد نجم مضيء في سماء دولة التلاوة، حيث ولد الشيخ راغب مصطفى غلوش في قرية "برما" التابعة لمركز طنطا بمحافظة الغربية، وعلى الرغم من رغبة والده الحاج مصطفى في أن يسلك نجله مسار التعليم الأساسي التقليدي ليصبح موظفًا حكوميًا، إلا أن المقادير الإلهية كانت تدخره لرسالة أسمى وأجلّ؛ إذ بدأت الموهبة الربانية تفصح عن نفسها مبكرًا في سن الثامنة، مما دفع أحد أقاربه للإشارة إلى الوالد بإلحاقه بأحد كتاتيب القرية التي كانت تهفو إليها قلوب المسلمين، وبفضل شغفه وتوقه الشديد، أتمَّ الشيخ راغب حفظ القرآن الكريم كاملًا قبل أن يتجاوز العاشرة من عمره، ثم جوّده وأتقن أحكامه على يد الشيخ عبد الغني الشرقاوي، ومع بلوغه سن الرابعة عشرة، انطلق صيته يملأ القرى المجاورة حتى وصل إلى مدينة طنطا معقل العلماء والقراء، وتوالت عليه الدعوات لإحياء ليالي شهر رمضان المبارك، فكانت أولى ملاحمه القرآنية في قرية "محلة القصب" بكفر الشيخ عام ١٩٥٣م، وهو لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره، وأمام المنافسة الشرسة في وسط الدلتا بوجود عملاقين كالشيخ مصطفى إسماعيل والشيخ محمود خليل الحصري، أدرك الشاب الواعد ضرورة التسلح بالعلم الأكاديمي، فالتحق بمعهد القراءات بالمسجد الأحمدي بطنطا، وتلقى رعاية فائقة من الشيخ إبراهيم الطبليهي الذي علّمه علوم التجويد والقراءات، وأهَّلَه للقراءة اليومية بالمقام الأحمدي بين أذاني العصر والإقامة، حيث أتقن في تلك الفترة محاكاة أسلوب الشيخ مصطفى إسماعيل، مما جذب القلوب إليه، وبنى ثقته بنفسه تمهيدًا لخطواته الكبرى في العاصمة.

مجند الأمن المركزي.. الليلة الحسينيّة المشهودة وأمر رئيس الوزراء

جاء عام ١٩٥٨م ليحمل منعطفًا تاريخيًا في حياة القارئ الشاب، حيث طُلب لأداء الخدمة العسكرية الإلزامية وهو في سن العشرين، وأُلحق بمركز تدريب بلوكات الأمن المركزي بالدراسة في قلب القاهرة، وفي تلك الفترة، كان يتردد بانتظام على مسجد الإمام الحسين، متطلعًا بشغف لأن يقرأ ولو آية واحدة في هذا المحفل الإسلامي المهيب، وحرص على تقديم نفسه لشيخ المسجد آنذاك المرحوم الشيخ حلمي عرفة الذي استمع إليه وأُعجب بخامة صوته ووعده بفرصة قريبة، وفي ليلة رمضانية مباركة من عام ١٩٦٠م، شاءت الأقدار الإلهية أن يتأخر القارئ والمؤذن الراتب للمسجد العملاق الشيخ طه الفشني، فطلب الشيخ حلمي من المجند الشاب الاستعداد لرفع الأذان، وبزيه العسكري المهيب، وقف الشيخ راغب إلى جوار العالم الجليل الشيخ محمد الغزالي وهو يلقي درسه، وما إن انطلق أذان العصر بصوت المجند الموهوب حتى ذُهِلَ المصلون لمحاكاته البارعة لأسلوب الشيخ مصطفى إسماعيل، مختتمًا إياه بالصلاة والسلام على رسول الله كما كان يفعل عبقري التلاوة، ولم يكتفِ الشيخ بذلك، بل صعد وقرأ العشر من سورة "الحاقة" في تلاوة ملائكية خاشعة استمرت لأكثر من نصف ساعة وسط تهليل المصلين، وتحوّل جو المسجد إلى ساحة من الابتهاج والخشوع، ولم يكن التوفيق إلهيًا شعبيًا فحسب، بل وشهد تلك الليلة رئيس الوزراء زكريا محيي الدين الذي كان حاضرًا في المسجد، واستدعى المجند الشاب فورًا إلى استراحة المسجد، وأصدر قرارًا تاريخيًا بإلحاقه بمعهد القراءات، وتوجيه قائد وحدته بتسهيل مأموريته العسكرية، ليعود إلى معسكره محملًا بحفاوة قادته الذين سلموه مسؤولية مسجد المعسكر طوال مدة خدمته.

الشاويش القارئ.. اقتحام محراب الإذاعة وأصغر عمالقة العصر الذهبي

فتحت بوابات المسجد الحسيني طريق المجد الرسمي للشيخ غلوش، حيث حظي بتوصية وتشجيع من الأستاذ محمد أمين حمّاد مدير الإذاعة المصرية آنذاك للتقدم إلى اختبارات الاعتماد، وفي عام ١٩٦١م وقبل إنهاء خدمته العسكرية بشهر واحد، توّجه الشيخ راغب إلى مبنى الإذاعة بشارع الشريفين بزيه الميري، ليتفاجأ بوجود مئة وستين قارئًا من فحول التلاوة ينتظرون الاختبار، حتى ظنه الحاضرون من حرس المبنى بسبب زيه العسكري، ليرد عليهم بكل اعتزاز بأنه زميل ومتقدم للامتحان مثلهم، ومَثُلَ الشيخ الشاب أمام لجنة تحكيم أسطورية انقسمت إلى لجنة القرآن وضمت كبار علماء العصر كالدكتور محمد أبو زهرة، والشيخ السنوسي، والدكتور عبد الله ماضي، ولجنة الصوت وضمت الشاعر الكبير محمود حسن إسماعيل، والإذاعي القدير حسني الحديدي، والموسيقار محمد حسن الشجاعي، وقرأ الشيخ من سورة الأنعام أداءً باهرًا أسر قلوب اللجنة التي تركت بروتوكولات الامتحان واستمعت إليه طويلًا طربًا واستحسانًا، ونصحته بالمحافظة على حنجرته، ليعلن نجاحه واختياره ضمن سبعة قراء فقط من أصل المئة وستين متقدمًا، وفي عام ١٩٦٢م أنهى الشيخ خدمته العسكرية وعاد إلى قريته "برما" ليستقبله الأهالي بالزغاريد والدموع بعد أن زينت صورته كُبريات الصحف المصرية بالخط العريض تحت عنوان "شاويش ومقرئ"، لتبدأ انطلاقته الرسمية عبر أثير الإذاعة فجر يوم وفاة الملك محمد الخامس، ويصبح رسميًا أصغر قارئ معتمد في العصر الذهبي للتلاوة وعمره لم يتجاوز اثنين وعشرين عامًا، وبأجر أول قدره ستة جنيهات.

في معية الكبار.. مواقف خالدة من الإيثار والشهادة والوقار

صنع الشيخ راغب مصطفى غلوش مكانًا مكافئًا للعمالقة في فترة تاريخية لا تعترف بالقراء المتوسطين، وأصبح من أبرز البدائل لإحياء كُبريات المناسبات والمآتم في مصر؛ فإذا غاب الشيخ عبد الباسط عبد الصمد أو الشيخ مصطفى إسماعيل كان الشيخ غلوش هو الخيار الفوري للجمهور والعائلات الكبرى، لما يتمتع به من عزة نفس، وقوة شخصية، ووقار مهذب، وقد حفلت حياته بمواقف تعكس نبل وأخلاق جيل العمالقة؛ ومنها ما حدث عام ١٩٦١م في مأتم لواء بوزارة الداخلية بالعباسية، حيث شارك القراءة مع الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، واستطاع الشيخ راغب بقوة شبابه وأدائه الخاشع أن ينال ثناء وإعجاب الشيخ عبد الباسط والجمهور في موقف مشهود نال فيه مكافأة بلغت خمسة عشر جنيهًا كأول أجر ضخم في مسيرته، وفي عام ١٩٦٥م تجسدت معاني الإيثار عندما التقى في استوديوهات الإذاعة بالشيخ محمد صديق المنشاوي، وحين علم الشيخ المنشاوي بارتباط القارئ الشاب بمأتم في محافظة المنوفية وضيق وقته، تنازل له عن ساعة تسجيله الخاصة بكل حب وود وانصرف مبتسمًا داعيًا له بالتوفيق، ولم تتوقف الشهادات عند هذا الحد، بل إن الشيخ مصطفى إسماعيل نفسه التبس عليه الأمر ذات مرة وهو يستمع للراديو، فظن أنه هو من يقرأ حتى تبين له أنه الشيخ راغب، وعندما التقيا احتضنه قائلًا بفخر إنه فخور به وبجمال صوته وأنه سيكون نجمًا ساطعًا في دولة التلاوة، وقد تميز الشيخ غلوش طوال مسيرته بوقار بالغ، رافضًا التأثر بعبارات المدح الصاخبة، حريصًا على السكينة التي تليق بجلال كتاب الله.

سفير القرآن في الآفاق.. رسالة دعوية عالمية وختام العطاء

لم تقتصر رسالة الشيخ راغب مصطفى غلوش على محراب المساجد المصرية، بل انطلق سفيرًا لكتاب الله عزّ وجلّ في مشارق الأرض ومغاربها لأكثر من ثلاثين عامًا متتالية، مرتحلًا في شهور رمضان المبارك لإحياء الليالي القرآنية في مختلف الدول العربية والإسلامية والأوروبية والأمريكيتين، وقد حظي الشيخ بقاعدة جماهيرية واسعة تقدر بالآلاف في دول الخليج العربي، لاسيما الكويت والسعودية والإمارات، وترك خلفه مصحفًا مرتلًا يُبَثُ بانتظام عبر إذاعاتها، وفي مطلع السبعينيات، وتحديدًا عام ١٩٧٠م، سافر الشيخ مبعوثًا من وزارة الأوقاف المصرية إلى المركز الإسلامي في لندن برفقة المبتهل الشيخ نصر الدين طوبار، وهناك تجلت بركات الأداء الخاشع، حيث أسلم العشرات على يديه تأثرًا بنور الآيات، وعذوبة الصوت الملائكي الذي أشبه ما يكون بمزمار من مزامير آل داود، وفي سنواته الأخيرة، وفاءً لوطنه ولمحبيه، فضّل الشيخ البقاء داخل مصر خلال شهر رمضان المبارك؛ ليسد الفراغ الذي يتركه سفر زملائه القراء إلى الخارج، ممتعًا الملايين بصوته الشجي في قرآن الفجر والجمعة والمناسبات الرسمية، وبعد هذه المسيرة الذهبية الحافلة بالعديد من شهادات التقدير والأوسمة، وتحديدًا في يوم الخميس الرابع من فبراير عام ٢٠١٦م، رحل الشيخ غلوش عن عمر يناهز سبعة وسبعين عامًا بعد صراع مع المرض، تاركًا إرثًا قرآنيًا خالدًا يغذي الأرواح والقلوب في كل بقاع العالم الإسلامي.

مراجع للاستزادة:

  • معجم كبار القراء في مصر، تأليف عبد الحميد دشو، ص٣٢.
  • عباقرة التلاوة في القرن العشرين، شكري القاضي، ص١٧٩.
  • أشهر من قرأ القرآن في العصر الحديث، أحمد البُلك، ص١٢٦.

الخلاصة

هكذا تجسدت مسيرة الشيخ غلوش كملحمة فريدة جمعت بين الانضباط والوقار القرآني والإيثار مع الكبار، ليظل صوته الشجي مزمارًا سماويًا عابرًا للحدود والقارات، وإرثًا خالدًا يبرهن على ريادة وعظمة مدرسة التلاوة المصرية في عصرها الذهبي.

موضوعات ذات صلة

برنامج "دولة التلاوة" عودة قوية للقوة الناعمة المصرية في صورتها الدينية

الشيخ مصطفى إسماعيل، قارئ القرآن المصري الشهير، وُلد عام ١٩٠٥ بقرية ميت غزال، مركز السنطة محافظة الغربية

يُعدّ الشيخ محمود خليل الحصري مدرسةً متفردةً في دولة التلاوة المصرية

ثمة حنجرةٍ تجلى الله عليها بفيوضاتِ الجلال، فصاغت من ترتيل القرآن معجزةً صوتية هزت أركان القلوب

موضوعات مختارة