أ- تعدد الأسماء والتفريق بين الشخصيات
ليس من الضروري أن يكون كل من سُمي عمران هو عمران والد سيدنا موسى
عليه السلام، ولا كل من سُمي هارون هو سيدنا هارون النبي أخو سيدنا موسى عليهما
السلام، ففي بني إسرائيل رجال صالحون كثيرون تسمَّوا بأسماء الأنبياء السابقين،
قال الإمام الفخر الرازي في تفسيره: "وأما هارون ففيه أربعة أقوال: الأول:
أنه رجل صالح من بني إسرائيل ينسب إليه كل من عرف بالصلاح، والمراد أنك كنت في
الزهد كهارون فكيف صرت هكذا، وهو قول قتادة وكعب وابن زيد والمغيرة بن شعبة، ذكر
أن هارون الصالح تبع جنازته أربعون ألفًا كلهم يسمون هارون تبركًا به وباسمه...
والرابع: كان لها أخ يسمى هارون من صلحاء بني إسرائيل فعيرت به، وهذا هو
الأقرب" [ينظر: الرازي، مفاتيح الغيب، (بيروت: دار إحياء التراث العربي)،
جـ ٢١، صـ ١٧٧].
فإذا كان من المعروف أن بني إسرائيل كانوا يسمون أبناءهم بأسماء
الأنبياء، فإن وجود شخص اسمه عمران –
غير عمران أبي سيدنا موسى عليه السلام –
في زمن مريم، ووجود شخص اسمه هارون –
غير هارون أخي موسى – هو أمر طبيعي
لا غبار عليه، وذلك بين مئات السنين التي تفصل بين العصرين.
ب- حديث سيدنا النبي ﷺ في المسألة (إبطال
الإشكال من مصدره)
روى الإمام مسلم والترمذي عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: "بَعَثَنِي
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى نَجْرَانَ، فَقَالُوا: أَلَسْتُمْ تَقْرَءُونَ: (يَا
أُخْتَ هَارُونَ)؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالُوا: وَمُوسَى قَبْلَ عِيسَى بِكَذَا
وَكَذَا؟ فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: «أَلَا
أَخْبَرْتَهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ
قَبْلَهُمْ؟»" [رواه مسلم، كتاب الآداب، باب النهي عن التكني بأبي عيسى،
رقم (٢١٣٥)؛ والترمذي، كتاب التفسير، باب ومن سورة مريم، رقم
(٣١٥٥)].
فهذا الحديث النبوي الشريف الصحيح يفصل المسألة تمامًا: فالصالحون من
بني إسرائيل كانوا يتسمون بأسماء الأنبياء والصالحين من قبلهم، تبركًا وتيمنًا، فسيدنا
هارون المذكور في القرآن ليس هو هارون أخا موسى، بل هو رجل صالح من نسل سيدنا هارون
النبي عليه السلام، وسمي باسمه، وكذلك عمران والد سيدتنا مريم عليها السلام ليس هو
عمران والد سيدنا موسى عليه السلام، بل هو رجل آخر من نسل عمران أبي سيدنا موسى
عليه السلام، وسمي باسم جده.
ج- النص الإنجيلي لا يصح الاحتجاج به في هذا المقام
أولًا: النص الذي ينقله المشككون من إنجيل
لوقا ليس فيه أن مريم بنت هالي، وإنما هو نسب لسيدنا المسيح عليه السلام على أنه –
على ما يُظن – ابن يوسف بن هالي، والنص
صريح في أنه مجرد ظن، يقول: "وَهُوَ عَلَى مَا كَانَ يُظَنُّ ابْنُ يُوسُفَ
بْنِ هَالِي" [لوقا ٣: ٢٣]، فكيف يحتجون بنص قائم على الظن لإبطال نص قرآني
قطعي الثبوت؟!
ثانيًا: في إنجيل متى نسب مختلف تمامًا، حيث
جعل المسيح ابن يوسف بن يعقوب بن متان [متى ١]، وهذا تعارض صريح بين الإنجيلين،
فلو كان نسب المسيح مختلفًا بين متى ولوقا، فكيف يمكن الوثوق بأي منهما في تحديد
اسم أبي مريم تحديدًا؟!
ثالثًا: حتى لو سلمنا جدلًا أن أبا مريم اسمه
هالي، فإن هذا لا يعارض إطلاق القرآن عليها "ابنة عمران"، لأن المراد
بعمران هو الجد الأكبر أو رئيس الأسرة (كما يُطلق على الشخص اسم أبيه وجده في
اللغة العربية: "فلان ابن فلان")، فمريم من نسل عمران أبي سيدنا موسى
عليه السلام، فنُسبت إليه، وقد أشار إلى هذا بعض المفسرين، فقالوا: إنها من نسل سيدنا
هارون النبي عليه السلام ، فقيل لها: "يا أخت هارون" أي يا نسب هارون.
رابعًا: الإنجيل يشير إلى نسب سيدنا المسيح
عليه السلام فما دخل نسب أمه السيدة مريم عليها السلام.
د- شهادة الإنجيل نفسه بأن السيدة مريم من نسل
هارون
يقر إنجيل لوقا نفسه بأن أليصابات –
زوجة زكريا الكاهن – كانت من نسل
هارون، وأن مريم العذراء كانت قريبة لها ونسيبة، يقول النص: "كَانَ فِي أَيَّامِ
هِيرُودُسَ مَلِكِ الْيَهُودِيَّةِ كَاهِنٌ اسْمُهُ زَكَرِيَّا مِنْ فِرْقَةِ
أَبِيَّا، وَامْرَأَتُهُ مِنْ بَنَاتِ هَارُونَ وَاسْمُهَا أَلِيصَابَاتُ"
[لوقا ١: ٥]. ثم قال الملاك لمريم: "وَهُوَذَا أَلِيصَابَاتُ
نَسِيبَتُكِ" [لوقا ١: ٣٦]، فإذا كانت أليصابات من بنات هارون، وكانت نسيبة
لمريم، ثبت أن مريم هارونية النسب، أي من نسل سيدنا هارون عليه السلام، وهذا هو
عين ما دل عليه القرآن بقوله: ﴿یَٰۤأُخۡتَ هَٰرُونَ﴾، أي يا أمة هارون أو يا من
تنتمي إلى نسب هارون.
وهذه الحقيقة وحدها كافية لرد الشبهة، فإن الخصوم يحتجون بالإنجيل،
والإنجيل يشهد بأن مريم هارونية النسب [ينظر:
شبهات المشككين، ص ٧٩-٨٠].
هـ- الفارق بين مناهج القرآن والإنجيل في ذكر الأنساب
منهج القرآن في ذكر الأنساب هو الأسلوب المعروف عند العرب وغيرهم،
حيث يُنسب الشخص إلى جده الأكبر أو رئيس قبيلته تعظيمًا أو تعريفًا، فيقال:
"فلان ابن فلان" وإن كان بينهما أجيال، وكذلك يُقال للرجل: "يا أبا
فلان" وإن لم يكن له ولد بعد، وإطلاق القرآن "ابنة عمران" على السيدة
مريم هو من هذا الباب، أي أنها من ذرية عمران، وليس أن أباها المباشر اسمه عمران، أما أباها المباشر –
على ما ورد في بعض المصادر القديمة –
فاسمه "يهوياقيم" أو "يواقيم"، وأمها "حنة"، وهو ما
يذكره إنجيل يعقوب المبكر وغيره.
وأما قوله تعالى: ﴿یَٰۤأُخۡتَ هَٰرُونَ﴾ [مريم: ٢٨] فهو خطاب لها من قومها على
سبيل التنبيه إلى صلاح نسبها وتذكيرها بفضل أسلافها، كما يقول الرجل للآخر:
"يا أخا العرب" أو "يا ابن الكرام"، يريد به نسبة إلى أصل
شريف، وقد قال سيدنا النبي ﷺ لسيدنا علي رضي الله عنه: «أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى» ولم يرد أن علياً أخوه حقيقة، وإنما أراد التشبيه والنسبة.