يُبيّن هذا المقال الوجه النحوي والبلاغي لتأنيث العدد في قوله تعالى: ﴿ٱثۡنَتَيۡ عَشۡرَةَ أَسۡبَاطًا﴾، موضحًا اعتماد القرآن على أساليب العرب في مراعاة المعنى واللفظ، وكاشفًا زيف الشبهات التي أُثيرت حول الآية بأسلوب علمي موجز.
يُبيّن هذا المقال الوجه النحوي والبلاغي لتأنيث العدد في قوله تعالى: ﴿ٱثۡنَتَيۡ عَشۡرَةَ أَسۡبَاطًا﴾، موضحًا اعتماد القرآن على أساليب العرب في مراعاة المعنى واللفظ، وكاشفًا زيف الشبهات التي أُثيرت حول الآية بأسلوب علمي موجز.
كيف يصح في لغة العرب أن يقال في القرآن: ﴿ٱثۡنَتَيۡ عَشۡرَةَ أَسۡبَاطًا﴾، مع أن المعروف أن المعدود يجب أن يأتي مفردًا لا جمعًا، وكان ينبغي أن يُقال: "اثني عشر سبطًا"؟
منشأ هذه الشبهة: هو قوله تعالى: ﴿وَقَطَّعۡنَٰهُمُ ٱثۡنَتَیۡ عَشۡرَةَ أَسۡبَاطًا أُمَمࣰاۚ وَأَوۡحَیۡنَاۤ إِلَىٰ مُوسَىٰۤ إِذِ ٱسۡتَسۡقَىٰهُ قَوۡمُهُۥۤ أَنِ ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡحَجَرَۖ فَٱنۢبَجَسَتۡ مِنۡهُ ٱثۡنَتَا عَشۡرَةَ عَیۡنࣰاۖ قَدۡ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسࣲ مَّشۡرَبَهُمۡۚ﴾ [الأعراف: ١٦٠].
وشاهدهم على اللغط بهذه الشبهة هو قوله عز وجل: ﴿ٱثۡنَتَیۡ عَشۡرَةَ أَسۡبَاطًا﴾ والصواب الذي توهموه عبروا عنه بقولهم:
"كان يجب أن يذكر العدد، ويأتي بمفرد المعدود فيقول: "اثني عشر سبطًا".
تأنيث العدد في الآية صحيحٌ فصيح، وله وجوه عربية معتبرة:
وبذلك يظهر أن الشبهة باطلة لغويًا وبلاغيًا، وأن تأنيث العدد جاء على سنن الفصاحة العربية، موافقًا للمعنى الصحيح في السياق القرآني، كما عرفه العرب الذين نزل القرآن بلغتهم.
وجَّه النحاة تأنيث العدد في الآية الكريمة بناءً على أن السبط في بني إسرائيل بمنزلة القبيلة عند العرب؛ فالمراد بالأسباط هو القبائل، ولهذا جاءت عبارة "اثنتي عشرة" على هيئة التأنيث، لأن القبيلة لفظ مؤنث معنى. وهذا وجه نحوي معتبر. وهناك وجه آخر، وهو تفسير السبط بأنه الجماعة أو الفرقة أو الطائفة، وهي ألفاظ مؤنثة كذلك، فينسجم استخدامها مع تأنيث العدد.
أما لماذا جاء لفظ "أسباط" جمعًا مع أن الأصل في المعدود الإفراد، فالسبب هو مراعاة المعنى دون اللفظ، وهو أسلوب عربي فصيح كثير الورود في القرآن الكريم، وفي كلام العرب عامة. ويبدو أن أصحاب الشبهات الذين يطعنون في سلامة التعبير القرآني يجهلون هذه القاعدة الراسخة في العربية، وينشغلون بظواهر الألفاظ دون فهم مرادها، رغبة منهم في إثارة الشبهات مهما كانت واهية.
وقد عُرف عن العرب أنهم يراعون تارة اللفظ، وتارة المعنى عند التعامل مع العدد، ومن شواهدهم قولهم:
"ثلاثة أنفس"، وهم يريدون رجالًا، فذكّروا العدد مراعاة للمعنى (لأن المعدود مذكّر)،
وقولهم: "عشر أبطن"، أي عشر قبائل، فأنثوا العدد لأن المقصود قبائل، وهي مؤنث معنى.
وهذا الباب واسع، وتفيض كتب العربية بشواهده وأمثلته.
ومما يعزز صحة التأنيث في الآية أيضًا أن كلمة "أمَمًا" جاءت بدلاً من "أسباطًا" أو نعتًا لها، وكلاهما مؤنث لفظًا، وهذا يدل على أن المقصود بـ "أسباط" في هذا الموضع معانٍ مؤنثة كالقبائل والجماعات. ولا يجوز في العربية أن يكون المؤنث نعتًا أو بدلاً من مذكّر، مما يؤكد أن التأنيث مقصود ودقيق.
أما الجمع في قوله: ﴿أَسۡبَاطًا أُمَمࣰاۚ﴾، فهو أسلوب عربي معروف، وله نظائر عند العرب، ومن ذلك قول الشاعر:
فيها اثنتان وأربعون حلوبةٍ ... سُودًا كخافيةِ الغرابِ الأسحمِ
فقد وصف "حلوبة" — وهي مفرد مؤنث — بصفة جمع "سودًا"، وهو جمع "سوداء"، وهذا من المأثور عن العرب الخلص، ويوافق تمامًا الأسلوب القرآني في الجمع بين اللفظ والمعنى وفق مقتضيات البلاغة.
وبذلك يثبت أن الأسلوب القرآني موافق تمامًا لسنن العربية، وأن الشبهة المثارة حول تأنيث العدد إنما هي قائمة على الجهل بطرائق العرب في كلامهم، لا على فهم صحيح للغة ولا لقواعدها.
والخلاصة:
وبذلك يتبين أن هذه الشبهة قد سقطت تمامًا، كما سقطت نظائرها من قبل. ومن أقوى الأدلة على صحة تأنيث العدد في الآية أن كلمة "أممًا" جاءت بدلًا من "أسباطًا" أو نعتًا لها، وكلاهما مؤنث في اللفظ، مما يؤكد أن المقصود بـ الأسباط هنا القبائل والجماعات، وهي معانٍ مؤنثة. ولذلك لا يمكن أن يكون المؤنث نعتًا أو بدلًا من مذكر، وهو دليل قاطع على أن المعنى مقصود به التأنيث رغم كون اللفظ مذكرًا.
كما أن مجيء جمع المعدود في قوله: ﴿أَسۡبَاطًا أُمَمࣰاۚ﴾ يحمل لمحة بلاغية دقيقة؛ فالآية بدأت بالفعل ﴿وَقَطَّعۡنَٰهُمُ﴾ بالتشديد، وهذا البناء يدل على التكثير وكثرة التفريق، فناسبه أن تأتي الكلمات بصيغة الجمع لا المفرد. وهذه المعاني البلاغية الرفيعة تتسع لها لغة القرآن بما يفوق حدود القواعد المدرسية وأبنية النحو التقليدية.
إعراب القرآن ضروريٌ لفهم القرآن فهمًا دقيقًا، وقد بذل علماء النحو والمفسرون جهودًا في وضع قواعد الإعراب وتطبيقها على القرآن.
كيف يكون القرآن عربيًا مبينًا، وبه كلمات أعجمية كثيرة، من فارسية، وآشورية، وسريانية، وعبرية، ويونانية، ومصرية، وحبشية، وغيرها؟
الكلمات التي يُظن أنها غريبة هي في الحقيقة كلمات عربية أو "مُعرّبة" كانت شائعة الاستعمال في عصر نزول القرآن.