Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

ابن باجة [٤٧٥هـ = ٥٣٣هـ]

الكاتب

أ. د. فيصل عون

ابن باجة  [٤٧٥هـ = ٥٣٣هـ]

يُعد ابن باجة (ت ٥٣٣هـ) أحد أبرز أعلام الفلسفة الإسلامية في المغرب والأندلس، حيث ربط بين التراث الأرسطي والمشروع العقلاني الإسلامي في ظل تحديات عصر المرابطين والموحدين، صاغ رؤيةً فلسفيةً فريدةً حول الإنسان كـ"فاعل حر"، وربط السعادة بالاتصال بالعقل الفعال، وتناول قضايا جوهرية كخلود النفس، الطبيعة، والألوهية، مُتأثرًا بأرسطو مع إضافاتٍ نقديةٍ عميقة، وأسهم في بناء الإنسان والمجتمع الفاضل، وله تأثيره الخفي على فلاسفة لاحقين مثل ابن رشد.

الفلسفة الإسلامية في المغرب والمشرق

ترتبط الفلسفة الإسلامية في المغرب الإسلامي ارتباطًا وثيقًا بشقيقتها الكبرى في المشرق، ومع أن هذا الحكم لم يكن موضع إجماع بين الباحثين والمفكرين، إلا أن واقع الحال يؤكد هذه الصلة المباشرة، فقد ذكر آسين بلاثيوس أن تاريخ الفكر الفلسفي في إسبانيا الإسلامية هو صورة مطابقة لما كانت عليه الثقافة الإسلامية المشرقية، دون أن تكون له بالتراث المحلي صلة حقيقية يقوم عليها الدليل [آنجل جنثالث بالنثيا: تاريخ الفكر الأندلسي، ص ٣٦٧، نقله عن الإسبانية د. حسين مؤنس، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة ٢٠٠٢م].

وقد دَعَم هذا الحكم السابق ما قاله بالنثيا من إقفار العصر القوطي من التفكير الفلسفي إقفارًا يكاد يكون تامًا، ويؤكده كذلك ما هو معروف من هبوط مستوى آداب المستعربين في الأندلس [تاريخ الفكر الأندلسي، ص ٣٦٧-٣٦٨]. لهذا لم يظهر بين مسلمي الأندلس فيلسوف واحد حتى القرن الثالث الهجري [تاريخ الفكر الأندلسي، ص ٣٦٧].

تحديات الفلسفة في المغرب الإسلامي

أَفَلَت شمسُ الفلسفة الإسلامية في المشرق، لكنَّها تأخرت كثيرًا عن الظهور في المغرب الإسلامي، وذلك راجع فيما نرى، إلى أنَّ نظام الحكم السائد في المغرب الإسلامي كان له موقف سلبي من كل جديد بوجه عام وبخاصة الفلسفة، لقد كان نظام حكم المرابطين قاسيًا على كل من تُسَوِّلُ له نفسه الاشتغال بالفلسفة.

إرهاصات الحركة الفلسفية في المغرب الإسلامي

ومع هذا كله، ومن حيث إن الفلسفة لون من ألوان النشاط العقلي الحر الملازم للوجود الإنساني، فإن من غير الممكن وَأْدَ هذا النشاط أو الحَجْرِ عليه حَجْرًا كُلِّيًا، لذا نجد أن إرهاصات الحركة الفلسفية في المغرب الإسلامي بدأت منذ فترة طويلة، نسبيًا، على يد ابن مسرة [٢٦٩هـ - ٣١٨هـ] وابن السيد البطليوسي [٤٤٤هـ - ٥٢١هـ] بوجه خاص، فلقد كان لكل من هذين الفيلسوفين أعمال فلسفية لا بأس بها، فقد ألف ابن مسرة كتابين هامين هما التبصرة والحروف، ويبدو أن فحوى هذين الكتابين لم تَرُقْ للفقهاء فكان أن هاجموا ابن مسرة واصفين إياه بالزندقة.

أما ابن السيد البطليوسي فقد كتب الحدائق وكتاب الاقتضاب في شرح أدب الكتاب، وكتاب التنبيه على الأسباب التي أوجبت الاختلاف بين المسلمين في آرائهم ومذاهبهم واعتقاداتهم، وكذلك كتاب الانتصار لمن عدل عن الاستبصار [جمال الدين العلوي: مؤلفات ابن باجة، دار الثقافة، بيروت سنة ١٩٨٣م]. ولا يفوتنا هنا ذكر كل من ابن حزم الأندلسي [٣٨٣هـ - ٤٥٤هـ] وأبي بكر بن العربي [٤٦٨هـ - ٥٤٣هـ]، وكيف أنهما ساهما إلى حد كبير في الحركة الفكرية في المغرب الإسلامي.

سيرة ابن باجة

هو أبو بكر محمد بن باجة التجيبي، الأندلسي، السرقسطي، وكنيته: ابن باجة، ويذكر ابن خلكان أن باجة بالباء الموحدة وبعد الألف جيم مشددة، ثم هاء ساكنة، وهي الفضة بلغة فرنج المغرب [ابن خلكان: وفيات الأعيان، ١/٤٤٣، تحقيق د. إحسان عباس، دار صادر، بيروت - د.ت]. والتُّجِيْبي بضم التاء المثناة من فوقها وفتحها وكسر الجيم وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها باء موحدة، هذه النسبة إلى تُجيب وهي أم عدي وسعد بن أشرس بن شبيب بن السكون، نُسِبَ ولدها إليها، وهي تجيب بنت ثوبان بن سليم بن مذحج، والسَّرَقُسْطِي نسبة إلى سرقسطة، وهي مدينة بالأندلس خرج منها جماعة من العلماء واستولى عليها الفرنج عام ٢١٥هـ [وفيات الأعيان، ١/٤٤٣، وكذلك: آنخل جنثالث بالنثيا: تاريخ الفكر الأندلسي، ص ٣٨١ وما بعدها، ترجمة د. حسين مؤنس، نشرة مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة سنة ٢٠٠٢م]. أما شهرته كذلك بابن الصائغ فهذا يرجع إلى أن أسرته كانت تشتغل بصناعة الجواهر، ولعله قضى في هذه المهنة فترة ليست طويلة في صدر شبابه، ومن المحتمل أن يكون لهذه المهنة دور كبير في حديث ابن باجة عن المادة والصورة والربط بين صناعة الذهب وبين الفن بوجه عام كمصدر رئيسي من مصادر نشأة الفلسفة.

وُلد ابن باجة في زمن المستعين [أحمد بن يوسف بن هود ٣٠٥هـ]، آخر أمراء بني هود، وقد نجح ابن باجة أن ينال ثقة المرابطين فقد كان كاتبًا لحاكم المرابطين على سُرَقَسطة، وأقصد (ابن تفلويت)، وأحسب أن ذلك راجع إلى ذكاء ابن باجة الذي تجلى في غير مجال من مجالات العلوم والمعرفة كالفلسفة والطب والهندسة والموسيقى والشعر [د. عبد الرحمن بدوي: موسوعة الفلسفة، مادة ابن باجة ١/١١ وما بعدها، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت ط١ سنة ١٩٨٤م]، ونعلم أن ابن باجة كان دائم الترحال فقد سكن المرية ثم غرناطة، ثم رحل إلى فاس حيث نال رضا أبي بكر يحيى بن يوسف بن تاشفين الأمر الذي جعله وزيرًا له [جمال الدين العلوي: مؤلفات ابن باجة، دار الثقافة، بيروت سنة ١٩٨٣م].

أما عن أعمال ابن باجة: فلا شك أن ابن باجة، شأنه شأن فلاسفة عصره والسابقين عليه، كان مُلِمًّا بكل أفرع المعرفة بحيث كان الفيلسوف آنذاك موسوعيًا بكل ما تحمل الكلمة من معنى ودلالة؛ لهذا فإن أعمال الرجل تنوعت ما بين الشعر والهندسة والطب والرياضيات، وبعض هذه الأعمال كان شرحًا وتلخيصًا لبعض أعمال أفلاطون وأرسطو، أما البعض الآخر فكان تأليفًا وإبداعًا، ولعل أهم قائمة علمية الآن يمكن الاعتماد عليها والاطمئنان لها في حصر أعمال ابن باجة، ما قام به جمال الدين العلوي، حيث بذل جُهْدًا رائعًا يستحق عليه الشكر والثناء [مؤلفات ابن باجة، دار الثقافة، بيروت سنة ١٩٨٣م].

 لقد أورد العلوي قائمة بمؤلفات ابن باجة صنفها على الوجه الآتي:

أ - قائمة المؤلفات التي حصرها القاضي ابن النضر من خلال مجموع ابن الإمام.

ب - قائمة ابن أبي أصيبعة.

ج - كلام ابن طفيل عن مؤلفات ابن باجة.

د - هدية العارفين لإسماعيل باشا البغدادي.

هـ - قائمة مؤلفات ابن باجة لعبد الرحمن بدوي [مؤلفات ابن باجة، دار الثقافة، بيروت سنة ١٩٨٣م].

من جملة مؤلفات ابن باجة نذكر:

  • شرح كتاب السماع الطبيعي.
  • القول على بعض كتاب الآثار العلوية.
  • القول على بعض كتاب الكون والنساء.
  • القول على بعض المقالات الأخيرة من كتاب الحيوان.
  • الكلام على بعض كتاب النبات.
  • قول في ماهية الشوق الطبيعي وماهيته.
  • رسالة الوداع.
  • القول على القوة النزوعية.
  • اتصال العقل بالإنسان.
  • فصول تتضمن القول على اتصال العقل بالإنسان.
  • كتاب المتوحد [تدبير المتوحد].
  • تعاليق على كتاب أبي نصر في الصناعة الذهنية.
  • فصول قليلة في السياسة المدنية، وكيفية المدن وحال المتوحد فيها.
  • في الغاية الإنسانية.
  • في الأمور التي يمكن بها الوقوف على العقل الفعال.
  • في الإيمان.
  • قول يتلو رسالة الوداع.
  • رسالة بعث بها إلى أبي جعفر يوسف بن حسداي.
  • رسالة في الصور الروحانية.
  • رسالة في العرض [جمال الدين العلوي مؤلفات ابن باجة، ويمكن الرجوع كذلك إلى ماجد فخرى " رسائل ابن باجة الإلهية، ص ۱۷-۱۵ ، دار - النهار للنشر، بيروت سنة ١٩٦٨م وكذلك: عبد الرحمن بدوي رسائل فلسفية ص ١١٦-١٣٦، منشورات الجامعة الليبية بنغازي سنة ۱۹۷۳م، وكذلك معن زيادة: الحركة من الطبيعة إلى ما بعد الطبيعة، ص ۲۷ وما بعدها، دار اقرأ للنشر والتوزيع ط ا بيروت سنة ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥م].

على أنه يصعب على الباحث ترتيب هذه المؤلفات ترتيبًا زمنيًا طبقًا لتأليفها لأن ابن باجة لم يكن حريصًا على تذييل كتاباته بتاريخ تأليفها، كما جرت العادة بذلك عند كثير من القدماء، كما لم يكن ابن باجة أيضًا حريصًا في كتاباته الأولى بوجه خاص على الإحالة إلى بعضها، ولكن هناك مؤشرات في المتن الباجوي تسمح بتصنيف مؤلفاته في مجموعات تم ترتيبها.

آراء المؤيدين والمعارضين لابن باجة

سبق أن ذكرنا أن الظروف التي وُجِدَ فيها ابن باجة كانت ظروفًا بالغة القسوة على من يشتغل بالفلسفة، التي كانت سمعتها بالغة السوء، الأمر الذي جعل الطلاب يدرسونها بعيدًا عن أعين الناظرين، لأن الاشتغال بالفلسفة، آنذاك، كان يُمَثِّل خطرًا بالغًا على حياة من يقترب منها؛ لذلك كان الموقف من ابن باجة الفيلسوف موقفًا متناقضًا بين مؤيد وبين معارض.

فها هو أبو نصر الفتح بن محمد بن خاقان القبيسي، في كتابه قلائد العقيان، يرى أن ابن باجة من (المعطلة) ومذهب الحكماء والفلاسفة وانحلال العقيدة، وقال في حقه في كتابه الذي سماه (مطمح الأنفس) ما مثاله: "نَظَر (ابن باجة) في كتاب التعاليم، وفَكَّر في أجرام الأفلاك وحدود الأقاليم، ورَفَضَ كتاب الله الحكيم ونبذه من وراء ظهره ثاني عطفه، وأراد إبطال ما لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، واقتصر على الهيئة، وأنكر أن يكون لنا إلى الله فيئة، وحكم للكواكب بالتدبير، واخترم على الله اللطيف الخبير، واجترأ عند سماع النهي والإيعاد، واستهزأ بقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِي فَرَضَ عَلَيۡكَ ٱلۡقُرۡءَانَ لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٖۚ } [القصص: ٨٥]، وكان من خصوم ابن خاقان [راجع ابن خلكان وفيات الأعيان ج ٤ ص ٤٢٩].

لقد حقد الأطباء وكُتَّاب الدولة على ابن باجة وحسدوه، وآل أمره إلى أن مات مسمومًا في فاس إثر أكلة باذنجان.

وعلى النقيض من هذه الصورة، يخبرنا تلميذ ابن باجة المخلص علي بن عبد العزيز الإمام في صدر المجموع المحتوي على أقوال ابن باجة، أنه كان في ثَقَابَة الذهن ولُطْفِ الغوص على تلك المعاني الجليلة الشريفة الدقيقة أُعجوبة دهره، ونادرة الفَلَك في زمانه، ويضيف ابن الإمام: "إن ابن باجة كان صاحب فطرة فائقة مَكَّنَته مِنْ تمثل كل العلوم والمعارف في عصره، الأمر الذي جعله يحتل الصدارة. [ماجد فخري: رسائل ابن باجة الإلهية، ص ١٧٦].  

لقد كان ابن باجة متمكنًا في غير فرع من فروع العلم والمعرفة: الفلسفة، المنطق، الشعر، الطب، الفَلَك، الرياضيات، النبات، الحيوان، الموسيقى... إلخ. [راجع معن زيادة: الحركة من الطبيعة إلى ما بعد الطبيعة ص ١٩- ٢٠].

ومن الذين أشادوا بابن باجة واعترفوا بأهميته التاريخية في مجال الفلسفة نجد كلًا من: ابن طفيل وابن رشد، وهما من هما! قال ابن طفيل في صدر رسالته حي بن يقظان: إنه [ابن باجة] إذا قورن بالسابقين عليه من حكماء المغرب يكون أحذقَ منهم نظرًا وأقربَ إلى الحقيقة، ولم يكن فيهم أثقبُ ذهنًا، ولا أصدقُ رؤية من أبي بكر الصائغ، غير أنه شغلته الدنيا حتى اخترمته المنية قبل ظهور خزائن علمه وبَثِّ خفايا حكمته، وأكثر ما يوجد له من التآليف إنما هي غير كاملة ومخترمة أواخرها، فهذا حال ما وصل إلينا من علم هذا الرجل، ونحن لم نلحق شخصه) [راجع فيصل عون الفلسفة الإسلامية في المغرب ص ١٦١، مكتبة الحرية الحديثة، القاهرة سنة ٢٠٠٢م]، وراجع حي بن يقظان لابن طفيل ص ٥٧ نشرة أحمد أمين، دار المعارف ط٣ سنة ١٩٦٦م.

أما ابن رشد فقد أفاد كثيرًا من ابن باجة في فهمه (ابن رشد) لأرسطو، لأن ابن باجة سعى إلى تنقيح (تخليص) أعمال أرسطو من الآثار الأفلاطونية [راجع ابن رشد تلخيص كتاب النفس، نشرة أحمد فؤاد الأهواني، النهضة المصرية ط ا سنة ١٩٧٠م] التي لحقت بأعمال أرسطو سواء تم ذلك عن جهل أو سوء طوية، المهم أن ابن رشد قال مادحًا ابن طفيل: إن كل ما ذكرناه من آراء في العقل إنما أفدناه من ابن باجة.

فلسفة ابن باجة: الإنسان

من المشكلات الكبرى التي وقف أمامها كثيرًا ابن باجة نجد مشكلة الإنسان، التي خصص ابن باجة جُلَّ أعماله بوجه عام للحديث عنه، فرسائل ابن باجة: تدبير المتوحد، الغاية الإنسانية، الاتصال بالعقل الفعال، رسالة الوداع، قول يتلو الوداع... وكلامه عن النفس، والعقل، والصور الروحانية... كل ذلك يؤكد أن الشغل الشاغل في فلسفة ابن باجة كان "الإنسان"؛ لذلك قال ابن باجة في كتاب النفس: إن العلم المختص بدراسة الإنسان هو أشرف العلوم؛ لأن شرف العلم يستمد من شرف موضوعه، كما قال أرسطو.

الإنسان عند ابن باجة مؤلَّف من مادة وصورة، من جسم ونفس، والنفس بطبيعة الحال صورة الإنسان، أو هي الهيئة التي عليها الإنسان، كذلك فإن النفس هي الاستكمال الطبيعي للجسم [راجع ابن باجه تدبير المتوحد، ص ٤٩ من نشرة ماجد فخري، وكذلك كتاب النفس، لابن باجة ص ۲۹۷ نشرة محمد المعصومي].

وعن خلود النفس أو فنائها فإن آراء المؤرخين متضاربة في هذا الصدد وإن كان معظمهم على أن ابن باجة يقول بفناء النفس، إن ابن باجة لا يؤمن بالحياة الفردية بعد الموت [معن زيادة: الحركة من الطبيعة إلى ما بعد الطبيعة ص ٣٥-٣٦ ونذكر بأن كل من هاجم ابن باجة استند إلى مثل هذا الرأي].

ونظرًا لأن المجال هنا لا يسمح بعرض وجهتي النظر بشأن خلود النفس أو فنائها عند ابن باجة... فسوف أكتفي هنا بتأكيد وجهة النظر القائلة بأن ابن باجة كان من القائلين بخلود النفس، هذا الرأي نميل إليه لعدة أسباب:

١- الاتجاه العام عند ابن باجة وحديثه عن النبوة والفضيلة العقلية والسعادة الناجمة عن الاتصال -اتصال النفس الناطقة بالعقل الفعَّال- يدعمُ القولَ بخلود النفس الفردية عند ابن باجة.

٢- إن القول بفناء النفس يعني انتفاء الثواب والعقاب وهذا ما لم يصرح به ابن باجة . 

٣- لا يوجد نص واحد عند ابن باجة أكد من خلاله فناء النفس، بل على العكس من ذلك توجد عدة نصوص له يتضح من خلالها أن الرجل يؤمن بخلود النفس.

من هذه النصوص: "وَلَمَّا كَانَ عَقْلُ الإِنْسَانِ مِنْ جُمْلَةِ الْعُقُولِ، وَإِنْ كَانَ أَخَسَّهَا، فَلَهُ بَقَاءٌ، وَدَعْ مَا يُقَالُ مِنْ إِثْبَاتٍ وَإِبْطَالٍ مِنْ أَنَّ عَقْلَ الإِنْسَانِ يَحْتَاجُ فِي وُجُودِهِ إِلَى مَادَّةٍ" [رسائل ابن باجه الفلسفية ص ۲٠٠- ۲۰٢].

وفي حديثه عن اتصال العقل الإنساني بالعقل الإلهي يقول ابن باجة: "إن العقل الإنساني أضحى عقلًا إلهيًا ارتفعت عنه أوصافه الحسية الفانية وأوصافه الروحانية الرفيعة، ولاق به وصفًا إلهيًا بسيطًا [المرجع السابق ص ٨٠-٧٩]، ومن أقوال ابن باجة التي تؤكد خلود النفس: "وَأَمَّا هَذَا الْعَقْلُ الْمُسْتَفَادُ فَلأَنَّهُ وَاحِدٌ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ فَهُوَ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ عَنِ الْمَادَّةِ لَا يَلْحَقُهُ التَّضَادُّ، كَمَا يَلْحَقُ الطَّبِيعَةَ" [المرجع السابق ص ٨٠-٧٩]، ويقول ابن باجة: فَإِذَا فَارَقَ [الْعَقْلُ] الْبَدَنَ بَقِيَ نُورًا مِنَ الْأَنْوَارِ يُسَبِّحُ اللَّهَ وَيُقَدِّسُهُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا [راجع ابن باجه اتصال العقل بالإنسان ص ٦٢ وراجع رسائل ابن باجة الإلهية نشرة ماجد فخري ص ١٦٣].

أما عن أنواع الأنفس بوجه عام، فقد حصرها ابن باجة على الوجه الآتي: نفس غاذية، نفس حسَّاسة، نفس متخيلة، ثم نفس ناطقة [راجع كتاب النفس، لابن باجة ص ۲۸۸]، وعن رأي ابن باجة في المعرفة ذكر أن الحِسَّ والعقل مصدران رئيسيان للمعرفة... وقد تناول الحسَّ بوجه عام، دون أن يتطرق إلى الحديث عن حِسٍّ خارجي وحِسٍّ داخلي، مع أنه تحدث عن الحِسِّ المشترك.

الخيال والذكر

وقد أكد ابن باجة، في هذا الصدد، أن فعل المعرفة هو في النهاية من شأن العقل، لأن قُوى الحِسِّ ليست لها القدرة على التجريد والترتيب والتصنيف.. إن أسمى وأكمل أنواع الصور الروحانية هو ذلك النوع الموجود في القوة العاقلة، وهو ما لا علاقة له بالبيولوجي على الإطلاق [معن زيادة: الحركة من الطبيعة إلى ما بعد الطبيعة ص ١٢٥]، وقد تحدث ابن باجة عن أنواع العقول فذكر منها: العقل الهيولاني، العقل بالفعل، العقل بالملكة، ثم العقل المستفاد...

العقل الإنساني إذا أمْعَنَّا النظر فيه نجد أنه ينتقل من مرحلة القوة إلى مرحلة العقل بالفعل، أقصد أنه ينتقل من مرحلة الاستعداد للعلم والمعرفة إلى مرحلة تحصيل المعرفة [راجع ابن باجة: الكون والفساد، ص ۳۲ من نشرة محمد المعصومي]، على أن أهم ما يلفت النظر أن ابن باجة قدَّم تعريفًا مميِّزًا للإنسان فقال: إنه الفاعل الحر، وهذا معناه أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يعمل بناء على فكر وتصور... لكنه أبدًا لا يعمل، ولا ينبغي أن يعمل بدافع من الغريزة، والغريزة وحدها! لأنه إن فعل كذلك لاستوى مع سائر الحيوانات اللاعاقلة.

إن الإرادة الحرة أخص خصائص الإنسان، إذا فَقَدها فَقَد إنسانيته، إن الغالبية العظمى من الناس لا تستطيع التحرك والتخلص من ظلام الصور الهيولانية والارتقاء إلى الأعلى، وإنما يبقى هؤلاء حيث هم.

أما الذين يستطيعون الارتقاء والوصول فهم أفراد قلائل فقط يتمكنون من السمو لرؤية النور وبلوغ الكمال والسعادة والخلود [راجع معن زيادة: ص ۱۲۳].

إن الأفعال الحاصلة عن الغريزة ليس لها شأن يُذكر في الفعل الإنساني... لأن المرء يستجيب آنذاك استجابة تلقائية للغريزة كالأكل والشرب والخوف وما إلى ذلك، فكل هذه الأفعال لا تَنُمُّ عن شيء من الإرادة الإنسانية... هذه الإرادة التي ينبغي أن تخضع للعقل وتأتمر بأوامره لكي يكون الفعل الإنساني معبرًا عن حقيقة الإنسان.

في هذا الصدد تحدث ابن باجة عن الفضيلة التي قسمها إلى فضيلة نظرية وفضيلة عملية، وذلك توافقًا مع قسمة العقل (الاعتبارية) إلى عقل نظري وعقل عملي.

الفضيلة النظرية هي دراسة الخير والشر في أوجهه المختلفة، مع تحديد المفاهيم والمصطلحات الأخلاقية: الأمانة، الصدق، الحق، الواجب... أما الفضيلة الخلقية فهي تلك التي يتعامل فيها العقل مع قوى البدن بحيث لا يؤيد هذه القوى الحسية، وفي نفس الوقت لا يرفع من شأن الغريزة على حساب العقل: إن الإنسان حينما يغضب أو يُشبع رغباته فحسب فإن فعله يُعد فعلًا حيوانيًا.

أما إذا فعل الفعل لأجل الرأي والصواب، ولا يلتفت إلى النفس البهيمية، ولا ما يحدث فيها، فذلك الإنسان أخلق به أن يكون فعله ذلك إلهيًا من أن يكون إنسانيًا [ابن باجة تدبير المتوحد ص ۷۷ -۷۸].

والحديث عن الفضيلة يقودنا إلى تحديد موقف ابن باجة من اللذة التي قَسَّمَها إلى لذة حسية ولذة عقلية، ولا يرفض ابن باجة اللذة الحسية من حيث المبدأ، لكنه يرفض أن تكون اللذة الحسية هي المحرك والباعث الرئيسي على الفعل فأما من قصد اللذة المحسوسة فالإجماع على خطئه وذمه بالإطباق على تخسيسه وتسفيهه... أما من قصد سائر أصناف اللذة كالغلبة والالتذاذ بالجاه، فإن آراء الناس تختلف في ذلك... [راجع ابن باجة رسالة الوداع ص ١٢٤ من نشرة ماجد فخري].

ولقد ميز ابن باجة بين ثلاثة منازل من البشر:

١- المرتبة الجمهورية، وهي المرتبة الطبيعية، وهؤلاء إنما لهم المعقول مرتبطًا بالصورة الهيولانية، ولا يفهمونه إلا بها، وعنها، ومنها، ولها.

٢- المرتبة النظرية، وهي ذروة الطبيعية، حيث ينظر المرء إلى المعقول أولاً وإلى الموضوعات ثانيًا.

٣- المنزلة أو المرتبة الثالثة هي مرتبة (السعداء) الذين يرون الشيء بنفسه [رسائل ابن باجة الإلهية رسالة اتصال العقل بالإنسان ص ١٦٧ من نشرة ماجد فخري، وراجع كذلك عبد الرحمن بدوي: الموسوعة الفلسفية ج ١ ص ١٦].

إن ربط النفس بالأمور الخالدة الثابتة من شأنه أن يباعد بينها وبين الأمور الدنيوية وفي هذا تقاس عظمة اللذة بعظمة موضوعها.. فإذا كان موضوعها ثابتًا، باقيًا، خالدًا، لا متناهيًا، كان اللحاق به والتوحد معه من شأنه أن يُحَقِّق لصاحبه لذةً ما بعدها لذةٌ، لذةٌ هي في حد ذاتها غاية لا وسيلة، إنها تتويج للبواعث السامية المحركة لسلوك الفرد.

نظرية الاتصال:

وهنا نصل إلى نظرية الاتصال، أو السعادة، والمقصود اتصال العقل الإنساني بالعقل الفعال، أو بالواحد الأعلى. ويرى ابن باجة أن الاتصال يتم عن طريقين: إما عن طريق التدرج الطبيعي في المعرفة والانتقال، أو إن شئت الصعود من المحسوس إلى المعقول، حيث يتم استخلاص الكلي من الجزئي، وساعتها يدرك الإنسان عالم الصور والمهايا، يدرك حقائق الأشياء.

هذا هو طريق الحكماء أو الفلاسفة والذي صوره ابن باجة على الوجه الآتي: إن قوة الإنسان النظرية تفعل أولًا في القوة المتخيلة، وهي قوة في جسم، بأن تجرد من المخلوقات الشخصية المتخيلة معانيها وتتزيد بالفكرة من المخلوقات، وتطلب أسبابها بإحضار المخلوقات في القوة المتخيلة حتى تتمكن معقولاتها، وتصير تلك المعقولات عقلًا، ويرى العقل ببصيرته تلك المعقولات فيه، فلا يحتاج عقل الإنسان إلى قوة جسمانية يفعل بها، بل يفعل في صورته بأن يعقل ذاته التي هي عقل، فيكون فعله هو عقله، ويكون بذلك باقيًا، وفعله هو ذاته كسائر العقول التي لا يفنى فعلها [ابن باجة رسائل فلسفية ص ١٥٧ من نشرة جمال الدين العلوي].

أما الطريق الثاني من طرق اتصال الفعل الإنساني بالعقل الفاعل أو الله، فقد أطلق عليه ابن باجة اسم (طريق الهداية" من الله -عز وجل- "كما يحدث للأنبياء والأولياء والصديقين... حيث يتلقى هؤلاء -كما يقول ابن باجة- علومهم ومعارفهم، دون أن يمروا بمراحل المعرفة التي يمر بها الحكماء والفلاسفة والذي أشرنا إليه بالطريق الأول. إن الأنبياء والأولياء اصطفاهم الله وطهرهم، وصنعهم على عينه، ثم أفاض عليهم من علمه الَّلدني [المرجع السابق ص ١٥٧- ١٥٨ورد في الأثر أن الناس في الآخرة يقول كل واحد منهم نفسي نفسي، أما المصطفى فيقول : أمتي أمتي]. هذا الطريق الأخير يملك أصحابه فطرة فائقة على حد تعبير ابن باجة، والتي أرى أنها تماثل المُخَيِّلَة القوية عند الفارابي، وابن سينا، ومن سار سيرهما.

ثمة طريقان للاتصال إذًا: طريق الحكماء، وطريق الأنبياء والأولياء، ولقد حار المؤرخون واختلفوا فيما بينهم بشأن موقف ابن باجة من علوم الأنبياء، هل علومهم أفضل من علوم الفلاسفة أم لا؟ وبمعزل عن الآراء المتناقضة والمتضاربة، التي لا يسمح المجال هنا لحصرها وذكرها، أقول وأنا مطمئن لما أقول: إن ابن باجة يرى حاجة البشرية إلى هذين الصنفين من البشر... أما إذا بدا أن ثمة تعارضًا بينهما فإن ابن باجة يرى أن الأفضلية هي لعلوم الأنبياء لا لعلوم الحكماء لأكثر من سبب:

الأول: إن المجتمع الإنساني في حاجة أشد إلى علوم الأنبياء، الذين يُخَلِّصُونَ المجتمع كله، أما الفلاسفة فإنهم يُخاطِبون فئة محددة داخل المجتمع... لذا فإن البشرية في حاجة إلى علوم الأنبياء قبل حاجتها إلى علوم الفلاسفة.

الثاني: إن ابن باجة يرى أن الحكم في المدينة ينبغي أن يسند إلى النبي لا إلى الفيلسوف، وهذا معناه تفضيل العلم النبوي على حكمة الفلاسفة، يقول ابن باجة: إن النبي يُخَلِّصُ مجتمعًا كاملًا، أما الفيلسوف فإنه يطلب الخلاص لنفسه أولًا، ولهذا فإن الأنبياء من هذه الناحية يتقدمون على الفلاسفة، يقول ابن باجة: فلا يبعد أن يصل بما فطرته الأنبياء إلى درجات من الكمال أكمل مما يوصل بالعلم البرهاني... [ابن باجة: رسائل فلسفية ص ١٥٨من نشرة جمال الدين العلوي].

إن المدن الفاضلة يمكن أن تكون في غنى عن الفلاسفة الذين يتصارع الناس وينقسمون حول نظرياتهم الفلسفية المتباينة التي تصل إلى حد التناقض، أما الأنبياء فإن كل واحد منهم جاء لا لينقض ما سبق أن قاله سلفه، بل ليؤكده ويبني عليه ويضيف إليه، لهذا نرى أن ابن باجة حينما سعى إلى الجمع بين طريقي الأنبياء والحكماء إنما كان يؤمن -في الواقع- بأن حاجة المجتمع إلى الأنبياء ليست ألبتة على حساب حاجته إلى الفلاسفة [العقل] كما أن الفلاسفة بدورهم [العقل] لا غنى لهم عن الشرع [راجع فيصل عون الفلسفة الإسلامية في المغرب ص ٧٦-٧٧].

السياسة:

تحدث ابن باجة عن المدينة الفاضلة أو الكاملة والمعنى واحد، حديثًا يتضح من خلاله أنه أفاد آراءه السياسية من كل من أفلاطون، وأرسطو، والفارابي [عن صلة ابن باجة بالفارابي راجع بوجه خاص د. بركات محمد: فلسفة ابن باجة واتجاهه النقدي ص ٣٥].

والجديد عند ابن باجة هنا أنه ربط تصوره للمدينة الفاضلة بالمتوحد الذي جعله عنوانًا لأكبر رسائله الفلسفية (تدبير المتوحد)، ونحن نعلم أن الأحوال الثقافية، والاجتماعية، والسياسية، وغيرها جعلت ابن باجة في حالة اغتراب عن المجتمع الذي يلفظ أمثال ابن باجة الذي رأى أن المجتمع في وادٍ وأنه في وادٍ آخر، وباختصار فإن المجتمع الذي عاش فيه ابن باجة لا يلبي ألبتة طموحات الحكماء والعلماء ومن على شاكلتهم؛ لهذا سعى ابن باجة إلى إيجاد نموذج للمدينة الفاضلة لأصحاب الفطر الفائقة، وعلى رأسهم ابن باجة بطبيعة الحال، حيث يقود المجتمع نحو التطور والازدهار، لأن المدينة الفاضلة من سماتها أنها تفجر طاقات الإبداع لدى الموهوبين كلٌّ في مجاله، إن المدن الظالمة تؤيد حرية الرأي والخلق والإبداع وتقضي على أي لون من ألوان تغيير الأوضاع القائمة.

ويقول ابن باجة: "المتوحد، الظاهر من أمره أنه يجب عليه أن لا يصحب الجسماني، ولا من غايته الروحانية المشوبة بجسمية، بل إنما يجب عليه أن يصحب أهل العلوم، ولكن أهل العلوم يقلون في بعض السير ويكثرون في بعض، حتى يبلغ أن ينعدموا، ولذلك يكون المتوحد واجبًا عليه في بعض السير أن يعتزل عن الناس جملة ما أمكنه، فلا يلابسهم إلا في الأمور الضرورية، أو بقدر الضرورة، أو يهاجر إلى السير التي فيها العلوم إن كانت موجودة [ابن باجة تدبير المتوحد ص ۹۰].

إن المتوحد حكيم فاضل، تعالى على الضعف البشري، تمكنت منه الحكمة وتمكن منها، يسعى إلى خير الجميع، لا يرضى عن الحالة الاجتماعية القائمة، حيث يسعى إلى إيجاد مجتمع فاضل، إن ما يحرك المتوحد دائمًا هو ما ينبغي... ما ينبغي أن يقوم به الفرد.. ما ينبغي أن تقوم به الجماعة... التمييز بين الموجود القائم وبين ما ينبغي أن يكون عليه الوضع... لهذا كان رأس مال المتوحد المعرفة التي حصلها باتصاله بالعقل الفعال والتي جعلته إنسانًا سعيدًا، حيث حاول أن يُسعد الآخرين ما استطاع إلى ذلك من سبيل: إن مشكلة المتوحد ليست هي في أن يحيا الفرد أو المجتمع ولكن المشكلة هي في نوعية الحياة التي ينشدها المتوحد للفرد والمجتمع على حد سواء؛ لذلك تصور ابن باجة مدينته الفاضلة أنها مختصة بعدم صناعة الطب، وعدم صناعة القضاء؛ لأن الجنة جمعت بين كل سكانها، فلا يوجد تشاكس بينهم أصلًا؛ لهذا فإن مدينة ابن باجة الفاضلة أفعالها كلها صائبة... لذلك لا يتغذى أهلها بالأغذية الضارة، ومن ثَمَّ فإنهم لا يحتاجون إلى الأدوية... مدينة ابن باجة الفاضلة يمارس كل أعضائها الرياضة البدنية، لأن عدم أداء الرياضة يؤدي إلى أمراض كثيرة... لذلك فإن من سمات مدينة ابن باجة الفاضلة خلوها من الأطباء والقضاء.

إن المدينة الفاضلة عند صاحبنا تضع -بحق- الرجل المناسب في المكان المناسب طبقًا لقدراته.. لذلك لا أحد في هذه المدينة الفاضلة، يكذب، أو يسرق أو يَحْقِدُ... [راجع ابن باجة تدبير المتوحد ص ٤١-٤٢ من نشرة ماجد فخري، لاحظ أن المدن غير الفاضلة هي: المدينة الجاهلة، المدينة الفاسقة، المدينة المتبدلة ثم المدينة الضالة، هذا ما قاله الفارابي وتابعه فيه ابن باجة].

بقي أن أشير إلى أن ابن باجة كان يعي منذ البداية أن الإنسان كائن اجتماعي بمعنى أن الكل في حاجة إلى الكل، والفرد في حاجة إلى الجماعة، والجماعة بدورها لا غنى لها عن نشاط أفرادها.. وأحسب أن هذه السمة تحول بيننا وبين من زعم أن المُتَوَحِّدَ عند ابن باجة كان رجلًا صوفيًا..! لا، إن المتوحد عند ابن باجة فيلسوف للنخاع.. إن الاتصال عند ابن باجة مسألة إنسانية ومتوحد ابن باجة لم يعرف حياة الزهد والرهبنة.

والحق أن النظر العقلي الخالص الذي لا تشوبه لذة حسية هو وحدَهُ المُوصل إلى مشاهدة الله، أما المعرفة الصوفية بما تنطوي عليه من صور حسية فإنها تكون عائقًا عن الوصول إلى معرفة الله، إذ هي تحجب وجه الحقيقة [د. محمد علي أبو ريان: تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام ص ٥٥٣، وراجع د. محمد غلاب، الفلسفة الإسلامية في المغرب ص ۳۷ وما بعدها، جمعية الثقافة الإسلامية القاهرة سنة ١٩٤٨م].

فلسفة ابن باجة: الطبيعة

أفاد ابن باجة في حديثه عن الطبيعة إفادة كاملة من أرسطو، ففي تعريفه لها ذكر أنها هي سبب الحركة والسكون لما هي فيه، وفي هذا يكمن الفرق بين الموجودات الطبيعية والموجودات الصناعية التي تستمد حركتها من خارجها.

ويرى ابن باجة أن ثمة مبادئ ثلاثة محركة للموجودات: الصورة، المادة، ثم الغاية، وقد أعطى ابن باجة لكل من الصورة والغاية أهمية بالغة لأن المبدأ المحرك في الطبيعة هو الصورة في المقام الأول، ولا يغيب عنا هنا أن النظرة الغائبة كانت من سمات الفلسفة الطبيعية عند ابن باجة فلا يمكن تصور حركة الكون والفساد إلا على ضوء مبدأ الغائية.

ذلك أن ما يحدث في الطبيعة لا يمكن أن يكون راجعًا إلى الصدفة، لأن الصدفة إن أنتجت مرة أو مرتين فإنها لا تستمر كذلك إلى ما لا نهاية.

إن الطبيعة محكومة بمجموعة من المبادئ الأساسية التي لا تنفك عنها، فالحكمة هي صوت الطبيعة الأعلى والسائد، وإذا بدا للمرء -أحيانًا- غياب هذه الحكمة، ووقوع أحداث يصعب على المرء فهمها أو تفسيرها فإن ذلك راجع لعجز المرء عن تفسير كثير من الظواهر الكونية وربطها بأسبابها الحقيقية [راجع ابن باجة شروحات السماع الطبيعي، ص ۲٦ ، ۲۷ تحقيق معن زيادة: دار الكندي، بيروت، ط ١ ۱۳۹۸ هـ - ۱۹۷۸م].

وفي حديثه عن الحركة والمتحرك، والزمان، والمكان، والتناهي واللاتناهي استخدم ابن باجة؛ وببراعة، مفتاح أرسطو السحري الذي حل به كثيرًا من المشكلات وأقصد فكرتي: القوة والفعل... اللاتناهي بالقوة والتناهي بالفعل، اللاتناهي الزماني وتناهي الزمان الفعلي... إلخ [ابن باجة: المقالة السادسة من شروحات السماع الطبيعي، ص ٧٩].

وقد وافق ابن باجة أرسطو على قدم العالم... إن الحركة أزلية وكذلك الزمان، والأجسام المتحركة... إذ يصعب -على سبيل المثال- تصور تناهي الزمان من جهة الابتداء مع القول بقدم الحركة والمتحرك.

إن براهين ابن باجة على اللاتناهي وربط ذلك بالأزلية هي بوجه عام عين الحجج التي قدمها أرسطو من قبل لإثبات وجود اللاتناهي: لا تناهي الزمان، لا تناهي انقسام الأجسام، لا تناهي توالي الموجودات... [راجع معن زيادة الحركة من الطبيعة إلى ما بعد الطبيعة ص ۷۳.].

إن الزمان عند ابن باجة متصل وليس منفصلًا، والزمان هو مجموعة من الآنات التي لا ينقسم كل منها، إن في الزمان شيئًا غير منقسم أصلًا وهو الآن، فأقول: إنه لا يكون جزءًا من الزمان، ولا يتألف منه، لأن الزمان متصل، والمتصل هو الذي أواخره متباينة... وبين كل آنين زمان، وتبَيَّنَ مِنْ هذا أنَّ الآنَ لَمَّا كان في متصل سرمدي كان قبله زمان وبعده زمان، فهو أبدًا مبدأ زمان ونهاية زمان [ابن باجة المقالة السادسة من شروحات السماع الطبيعي، ص ۷۹].

أما عن أنواع الحركات فإنها هي بعينها التي تحدث عنها أرسطو: حركة الكون والفساد، الحركة في الكم، الحركة في الكيف، ثم حركة النقلة، والحديث عن الحركة يمتد ليشمل الحديث عن المحرك الأول، أو الموجود الأول، أو إن شئت العقل الفاعل الأول، الذي قال ابن باجة عنه: إنه الصورة الفلسفية لله نفسه.

المحرك الأول يحرك العالم كله سواء عن طريق الحركة المباشرة أو الحركات غير المباشرة، أقصد التي يوجد بينها وبين الأول عدة وسائط كالعدالة التي إن وجدت في المجتمع فإنها تُرَدُّ في النهاية إلى الحاكم، وحركة الجيش وتنقلاته تُرَدُّ في النهاية إلى القائد الأعلى مع أن الجيش مؤلَّف من ألوية ووحدات ولكل منها رئيس مباشر!!

وإذا كان أرسطو قد جعل العالم متحركًا عن طريق حركة العشق الغريزي الموجود في كل الأشياء والكائنات... فإن ابن باجة أفاد من أرسطو هذه الفكرة فقد قال: إن العالم الطبيعي كله يعشق العالم الأعلى والذي على رأسه العلة الأولى المحركة لهذا العالم.

إن الأدنى يتطلع دائمًا إلى الأعلى، الأعلى صورة والأدنى مادة... ومن هنا كان العشق الغريزي الموجود في كل الكائنات... إن كل تشوق يليه تشوق، ومن جهة أخرى نجد أن كل تشوق يعلوه تشوق آخر...

وهكذا نجد أن كل الكائنات عاشقة ومعشوقة.. عاشقة لما فوقها ومعشوقة مما تحتها... على أن سلسلة التشوقات لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية بل لا بد أن تقف عند المعشوق الأول.

إن التشوق الغريزي مبدأ أساسي من مبادئ الطبيعة عند أرسطو، وهو كذلك عند ابن باجة... هذا المبدأ له ضوابط وأهداف حيث يسعى الأدنى دائمًا إلى تحقيق كماله المرتبط بما يعلوه، وهكذا يتخذ الأدنى من الأعلى صورة له يسعى إلى التشبه بها أو نيلها بقدر المستطاع [راجع: فيصل عون الفلسفة الإسلامية في المغرب ص ۳۸ وما بعدها].

فلسفة ابن باجة: الألوهية

بقي أن أشير إلى أن ابن باجة فيلسوف ميتافيزيقي من الطراز الأول، ولا يمكن فهم أي مشكلة من المشكلات الفلسفية التي ناقشها أو تعرض لها إلا على ضوء البعد الميتافيزيقي... لعالم طبيعي لا يمكن فهم علله ومعلولاته وحركاته وسكناته إلا على ضوء المحرك الأول والمعشوق الأول... وكذلك حديث ابن باجة عن الإنسان والمدينة الفاضلة، وخلود النفس ونظرية السعادة أو الاتصال... لا يمكن فهم ذلك كله إلا على ضوء الإيمان بوجود الله.

ومع ذلك كله فإن ابن باجة فيما نعلم، وحسب ما قرأنا له، لم يخصص كتابًا أو فصلًا للحديث عن الألوهية.

هل لأن المسألة كانت بالنسبة له بدهية؟ أم أن الأمر ينبغي أن يترك لفطنة القارئ؟ أم أنه كتب عن الألوهية لكن الرسائل التي خصصها لذلك فقدت أو ضاعت؟ أم أن الرجل كانت له آراء خشي أن يجهر بها؟... كل هذه التساؤلات تفرض نفسها على القارئ والدارس لابن باجة، وبقي أن نسوق هنا ما قاله تلميذه المخلص والوفي ابن الإمام الذي قال: وأما العلم الإلهي فلم يوجد في تعاليقه (ابن باجة) شيء مخصوص به اختصاصًا تامًا إلا نزعات تستقرأ من قوله في رسالة الوداع واتصال الإنسان بالعقل الفعال، وإشارات مبددة في أثناء أقاويله لكنها في غاية القوة والدلالة على براعته في ذلك العلم الشريف الذي هو غاية العلوم ومنتهاها، وكل ما قبله من المعارف فهو من أجله وتوطئة له.

ومن المستحيل أن يبرع في التوطئات وتنفصل له أنواع الوجود على كمال ويكون مُقَصِّرًا في العلم الذي هو الغاية وإليه كان التشوق السابق بالطبع لكل فطرة بارعة وذي موهبة إلهية تُرَقِّيه عن أهل عصره، وتُخرجه من الظلمات إلى النور، كما كان رحمه الله [راجع رسائل ابن باجة الإلهية، الملحق في صدر المجموع ص ۱۷٦ - ۱۷۷ من نشرة ماجد فخري].

الخلاصة

يُعد ابن باجة رائد الفلسفة الإسلامية في المغرب الإسلامي، حيث ارتبطت فلسفته بالفلسفة المشرقية رغم التحديات السياسية والثقافية التي واجهتها، تناول قضايا النفس، الطبيعة، والألوهية، مؤكدًا خلود النفس وأهمية الفضيلة.

موضوعات ذات صلة

ابن طفيل، الفيلسوف والطبيب الأندلسي، ترك بصمة فريدة في الفكر الإسلامي من خلال أعماله الفلسفية والعلمية

ابن سينا أحد أعلام الفكر الفلسفي والطبي في الحضارة الإسلامية

هبة الله بن علي، أبو البركات وأوحد الزمان، فيلسوف وطبيب بارز جمع بين العقل الفلسفي والروح النقدية في بيئة بغداد العلمية

ابن ملكا البلدي، الملقب بأوحد الزمان، طبيب وفيلسوف بارز في القرن السادس الهجري

لم يكن التوفيق بين الوحي والعقل مجرد ترف فكري عند ابن طفيل، بل كان ضرورة لبيان وحدة الحقيقة رغم تعدد طرق الوصول إليها

موضوعات مختارة