من المشكلات
الكبرى التي وقف أمامها كثيرًا ابن باجة نجد
مشكلة الإنسان، التي خصص ابن باجة جُلَّ
أعماله بوجه عام للحديث عنه، فرسائل ابن باجة: تدبير المتوحد، الغاية الإنسانية،
الاتصال بالعقل الفعال، رسالة الوداع، قول يتلو الوداع... وكلامه عن النفس،
والعقل، والصور الروحانية... كل ذلك يؤكد أن الشغل الشاغل في فلسفة ابن
باجة كان "الإنسان"؛ لذلك
قال ابن باجة في كتاب النفس: إن العلم
المختص بدراسة الإنسان هو أشرف العلوم؛ لأن شرف العلم يستمد من شرف موضوعه، كما
قال أرسطو.
الإنسان عند ابن
باجة مؤلَّف من مادة وصورة، من جسم
ونفس، والنفس بطبيعة الحال صورة الإنسان، أو هي الهيئة التي عليها الإنسان، كذلك
فإن النفس هي الاستكمال الطبيعي للجسم [راجع
ابن باجه تدبير المتوحد، ص ٤٩ من نشرة ماجد فخري، وكذلك كتاب النفس، لابن باجة ص ۲۹۷ نشرة
محمد المعصومي].
وعن خلود النفس أو
فنائها فإن آراء المؤرخين متضاربة في هذا الصدد وإن كان معظمهم على أن ابن
باجة يقول بفناء النفس، إن ابن
باجة لا يؤمن بالحياة الفردية بعد الموت [معن زيادة: الحركة من الطبيعة إلى ما بعد الطبيعة ص
٣٥-٣٦ ونذكر بأن كل من هاجم ابن باجة استند إلى مثل هذا الرأي].
ونظرًا لأن المجال
هنا لا يسمح بعرض وجهتي النظر بشأن خلود النفس أو فنائها عند ابن
باجة... فسوف أكتفي هنا بتأكيد وجهة النظر القائلة بأن ابن
باجة كان من القائلين بخلود النفس، هذا
الرأي نميل إليه لعدة أسباب:
١-
الاتجاه العام عند ابن باجة وحديثه عن النبوة والفضيلة العقلية والسعادة
الناجمة عن الاتصال -اتصال النفس الناطقة بالعقل الفعَّال- يدعمُ القولَ بخلود
النفس الفردية عند ابن باجة.
٢- إن القول بفناء
النفس يعني انتفاء الثواب والعقاب وهذا ما لم يصرح به ابن باجة .
٣- لا يوجد نص واحد
عند ابن باجة أكد من خلاله فناء
النفس، بل على العكس من ذلك توجد عدة نصوص له يتضح من خلالها أن الرجل يؤمن بخلود
النفس.
من هذه النصوص: "وَلَمَّا كَانَ عَقْلُ الإِنْسَانِ
مِنْ جُمْلَةِ الْعُقُولِ، وَإِنْ كَانَ أَخَسَّهَا، فَلَهُ بَقَاءٌ، وَدَعْ مَا
يُقَالُ مِنْ إِثْبَاتٍ وَإِبْطَالٍ مِنْ أَنَّ عَقْلَ الإِنْسَانِ يَحْتَاجُ فِي
وُجُودِهِ إِلَى مَادَّةٍ" [رسائل
ابن باجه الفلسفية ص ۲٠٠- ۲۰٢].
وفي حديثه عن اتصال العقل الإنساني بالعقل الإلهي
يقول ابن باجة: "إن العقل الإنساني أضحى عقلًا إلهيًا ارتفعت عنه
أوصافه الحسية الفانية وأوصافه الروحانية الرفيعة، ولاق به وصفًا إلهيًا بسيطًا [المرجع
السابق ص ٨٠-٧٩]، ومن أقوال ابن باجة التي تؤكد خلود النفس:
"وَأَمَّا هَذَا الْعَقْلُ الْمُسْتَفَادُ فَلأَنَّهُ وَاحِدٌ مِنْ كُلِّ
جِهَةٍ فَهُوَ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ عَنِ الْمَادَّةِ لَا يَلْحَقُهُ
التَّضَادُّ، كَمَا يَلْحَقُ الطَّبِيعَةَ" [المرجع
السابق ص ٨٠-٧٩]، ويقول ابن باجة:
فَإِذَا فَارَقَ [الْعَقْلُ] الْبَدَنَ بَقِيَ نُورًا مِنَ الْأَنْوَارِ يُسَبِّحُ
اللَّهَ وَيُقَدِّسُهُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ
وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا [راجع ابن باجه اتصال العقل بالإنسان ص ٦٢ وراجع رسائل
ابن باجة الإلهية نشرة ماجد فخري ص ١٦٣].
أما عن أنواع
الأنفس بوجه عام، فقد حصرها ابن باجة على
الوجه الآتي: نفس غاذية، نفس حسَّاسة، نفس متخيلة، ثم نفس ناطقة [راجع كتاب النفس، لابن باجة ص ۲۸۸]، وعن رأي ابن باجة في
المعرفة ذكر أن الحِسَّ والعقل مصدران رئيسيان للمعرفة... وقد تناول الحسَّ بوجه
عام، دون أن يتطرق إلى الحديث عن حِسٍّ خارجي وحِسٍّ داخلي، مع أنه تحدث عن الحِسِّ
المشترك.
الخيال والذكر
وقد أكد ابن باجة، في هذا الصدد، أن فعل المعرفة هو في النهاية من شأن
العقل، لأن قُوى الحِسِّ ليست لها القدرة على التجريد والترتيب والتصنيف.. إن أسمى
وأكمل أنواع الصور الروحانية هو ذلك النوع الموجود في القوة العاقلة، وهو ما لا
علاقة له بالبيولوجي على الإطلاق [معن
زيادة: الحركة من الطبيعة إلى ما بعد الطبيعة ص ١٢٥]، وقد تحدث ابن باجة عن
أنواع العقول فذكر منها: العقل الهيولاني، العقل بالفعل، العقل بالملكة، ثم العقل
المستفاد...
العقل الإنساني
إذا أمْعَنَّا النظر فيه نجد أنه ينتقل من مرحلة القوة إلى مرحلة العقل بالفعل،
أقصد أنه ينتقل من مرحلة الاستعداد للعلم والمعرفة إلى مرحلة تحصيل المعرفة [راجع ابن
باجة: الكون والفساد، ص ۳۲ من
نشرة محمد المعصومي]، على أن أهم ما يلفت النظر أن ابن باجة قدَّم
تعريفًا مميِّزًا للإنسان فقال: إنه الفاعل الحر، وهذا معناه أن الإنسان هو الكائن
الوحيد الذي يعمل بناء على فكر وتصور... لكنه أبدًا لا يعمل، ولا ينبغي أن يعمل
بدافع من الغريزة، والغريزة وحدها! لأنه إن فعل كذلك لاستوى مع سائر الحيوانات
اللاعاقلة.
إن الإرادة الحرة
أخص خصائص الإنسان، إذا فَقَدها فَقَد إنسانيته، إن الغالبية العظمى من الناس لا
تستطيع التحرك والتخلص من ظلام الصور الهيولانية والارتقاء إلى الأعلى، وإنما يبقى
هؤلاء حيث هم.
أما الذين
يستطيعون الارتقاء والوصول فهم أفراد قلائل فقط يتمكنون من السمو لرؤية النور
وبلوغ الكمال والسعادة والخلود [راجع
معن زيادة: ص ۱۲۳].
إن الأفعال
الحاصلة عن الغريزة ليس لها شأن يُذكر في الفعل الإنساني... لأن المرء يستجيب
آنذاك استجابة تلقائية للغريزة كالأكل والشرب والخوف وما إلى ذلك، فكل هذه الأفعال
لا تَنُمُّ عن شيء من الإرادة الإنسانية... هذه الإرادة التي ينبغي أن تخضع للعقل
وتأتمر بأوامره لكي يكون الفعل الإنساني معبرًا عن حقيقة الإنسان.
في هذا الصدد تحدث
ابن باجة عن الفضيلة التي قسمها
إلى فضيلة نظرية وفضيلة عملية، وذلك توافقًا مع قسمة العقل (الاعتبارية) إلى عقل
نظري وعقل عملي.
الفضيلة النظرية
هي دراسة الخير والشر في أوجهه المختلفة، مع تحديد المفاهيم والمصطلحات الأخلاقية:
الأمانة، الصدق، الحق، الواجب... أما الفضيلة الخلقية فهي تلك التي يتعامل فيها
العقل مع قوى البدن بحيث لا يؤيد هذه القوى الحسية، وفي نفس الوقت لا يرفع من شأن
الغريزة على حساب العقل: إن الإنسان حينما يغضب أو يُشبع رغباته فحسب فإن فعله يُعد
فعلًا حيوانيًا.
أما إذا فعل الفعل
لأجل الرأي والصواب، ولا يلتفت إلى النفس البهيمية، ولا ما يحدث فيها، فذلك
الإنسان أخلق به أن يكون فعله ذلك إلهيًا من أن يكون إنسانيًا [ابن
باجة تدبير المتوحد ص ۷۷ -۷۸].
والحديث عن
الفضيلة يقودنا إلى تحديد موقف ابن باجة من
اللذة التي قَسَّمَها إلى لذة حسية ولذة عقلية، ولا يرفض ابن باجة اللذة
الحسية من حيث المبدأ، لكنه يرفض أن تكون اللذة الحسية هي المحرك والباعث الرئيسي
على الفعل فأما من قصد اللذة المحسوسة فالإجماع على خطئه وذمه بالإطباق على تخسيسه
وتسفيهه... أما من قصد سائر أصناف اللذة كالغلبة والالتذاذ بالجاه، فإن آراء الناس
تختلف في ذلك... [راجع
ابن باجة رسالة الوداع ص ١٢٤ من نشرة ماجد فخري].
ولقد ميز ابن باجة بين ثلاثة منازل من البشر:
١- المرتبة الجمهورية، وهي المرتبة الطبيعية، وهؤلاء
إنما لهم المعقول مرتبطًا بالصورة الهيولانية، ولا يفهمونه إلا بها، وعنها، ومنها،
ولها.
٢- المرتبة النظرية، وهي ذروة الطبيعية، حيث ينظر
المرء إلى المعقول أولاً وإلى الموضوعات ثانيًا.
٣- المنزلة أو
المرتبة الثالثة هي مرتبة (السعداء) الذين يرون الشيء بنفسه [رسائل ابن باجة الإلهية رسالة اتصال العقل
بالإنسان ص ١٦٧ من نشرة ماجد فخري، وراجع كذلك عبد الرحمن بدوي: الموسوعة الفلسفية
ج ١ ص ١٦].
إن ربط النفس بالأمور الخالدة الثابتة من شأنه أن
يباعد بينها وبين الأمور الدنيوية وفي هذا تقاس عظمة اللذة بعظمة موضوعها.. فإذا
كان موضوعها ثابتًا، باقيًا، خالدًا، لا متناهيًا، كان اللحاق به والتوحد معه من
شأنه أن يُحَقِّق لصاحبه لذةً ما بعدها لذةٌ، لذةٌ هي في حد ذاتها غاية لا وسيلة،
إنها تتويج للبواعث السامية المحركة لسلوك الفرد.
نظرية الاتصال:
وهنا نصل إلى
نظرية الاتصال، أو السعادة، والمقصود اتصال العقل الإنساني بالعقل الفعال، أو
بالواحد الأعلى. ويرى ابن باجة أن
الاتصال يتم عن طريقين: إما عن طريق التدرج الطبيعي في المعرفة والانتقال، أو إن
شئت الصعود من المحسوس إلى المعقول، حيث يتم استخلاص الكلي من الجزئي، وساعتها
يدرك الإنسان عالم الصور والمهايا، يدرك حقائق الأشياء.
هذا هو طريق
الحكماء أو الفلاسفة والذي صوره ابن باجة على
الوجه الآتي: إن قوة الإنسان النظرية تفعل أولًا في القوة المتخيلة، وهي قوة في
جسم، بأن تجرد من المخلوقات الشخصية المتخيلة معانيها وتتزيد بالفكرة من
المخلوقات، وتطلب أسبابها بإحضار المخلوقات في القوة المتخيلة حتى تتمكن
معقولاتها، وتصير تلك المعقولات عقلًا، ويرى العقل ببصيرته تلك المعقولات فيه، فلا
يحتاج عقل الإنسان إلى قوة جسمانية يفعل بها، بل يفعل في صورته بأن يعقل ذاته التي
هي عقل، فيكون فعله هو عقله، ويكون بذلك باقيًا، وفعله هو ذاته كسائر العقول التي
لا يفنى فعلها [ابن باجة رسائل فلسفية ص ١٥٧ من نشرة
جمال الدين العلوي].
أما الطريق الثاني
من طرق اتصال الفعل الإنساني بالعقل الفاعل أو الله، فقد أطلق عليه ابن
باجة اسم (طريق الهداية" من الله
-عز وجل- "كما يحدث للأنبياء والأولياء والصديقين... حيث يتلقى هؤلاء -كما
يقول ابن باجة- علومهم ومعارفهم، دون أن يمروا بمراحل المعرفة التي يمر بها
الحكماء والفلاسفة والذي أشرنا إليه بالطريق الأول. إن الأنبياء والأولياء اصطفاهم
الله وطهرهم، وصنعهم على عينه، ثم أفاض عليهم من علمه الَّلدني [المرجع
السابق ص ١٥٧- ١٥٨ورد
في الأثر أن الناس في الآخرة يقول كل واحد منهم نفسي نفسي، أما المصطفى
فيقول : أمتي أمتي]. هذا الطريق الأخير يملك أصحابه فطرة فائقة على حد
تعبير ابن باجة، والتي أرى أنها تماثل المُخَيِّلَة القوية عند الفارابي،
وابن سينا، ومن سار سيرهما.
ثمة طريقان للاتصال إذًا: طريق الحكماء، وطريق الأنبياء والأولياء، ولقد
حار المؤرخون واختلفوا فيما بينهم بشأن موقف ابن باجة من علوم الأنبياء، هل علومهم أفضل من علوم الفلاسفة
أم لا؟ وبمعزل عن الآراء المتناقضة والمتضاربة، التي لا يسمح المجال هنا لحصرها
وذكرها، أقول وأنا مطمئن لما أقول: إن ابن باجة يرى
حاجة البشرية إلى هذين الصنفين من البشر... أما إذا بدا أن ثمة تعارضًا بينهما فإن
ابن باجة يرى أن الأفضلية هي
لعلوم الأنبياء لا لعلوم الحكماء لأكثر من سبب:
الأول: إن المجتمع الإنساني في حاجة أشد إلى علوم الأنبياء، الذين يُخَلِّصُونَ
المجتمع كله، أما الفلاسفة فإنهم يُخاطِبون فئة محددة داخل المجتمع... لذا فإن
البشرية في حاجة إلى علوم الأنبياء قبل حاجتها إلى علوم الفلاسفة.
الثاني: إن ابن باجة يرى
أن الحكم في المدينة ينبغي أن يسند إلى النبي لا إلى الفيلسوف، وهذا معناه تفضيل العلم
النبوي على حكمة الفلاسفة، يقول ابن باجة:
إن النبي يُخَلِّصُ مجتمعًا كاملًا، أما الفيلسوف فإنه يطلب الخلاص لنفسه أولًا،
ولهذا فإن الأنبياء من هذه الناحية يتقدمون على الفلاسفة، يقول ابن
باجة: فلا يبعد أن يصل بما فطرته الأنبياء إلى درجات من الكمال أكمل مما
يوصل بالعلم البرهاني... [ابن
باجة: رسائل فلسفية ص ١٥٨من
نشرة جمال الدين العلوي].
إن المدن الفاضلة
يمكن أن تكون في غنى عن الفلاسفة الذين يتصارع الناس وينقسمون حول نظرياتهم
الفلسفية المتباينة التي تصل إلى حد التناقض، أما الأنبياء فإن كل واحد منهم جاء
لا لينقض ما سبق أن قاله سلفه، بل ليؤكده ويبني عليه ويضيف إليه، لهذا نرى أن ابن
باجة حينما سعى إلى الجمع بين طريقي الأنبياء والحكماء إنما كان يؤمن -في
الواقع- بأن حاجة المجتمع إلى الأنبياء ليست ألبتة على حساب حاجته إلى الفلاسفة [العقل]
كما أن الفلاسفة بدورهم [العقل] لا غنى لهم عن الشرع [راجع
فيصل عون الفلسفة الإسلامية في المغرب ص ٧٦-٧٧].
السياسة:
تحدث ابن
باجة عن المدينة الفاضلة أو الكاملة
والمعنى واحد، حديثًا يتضح من خلاله أنه أفاد آراءه السياسية من كل من
أفلاطون، وأرسطو، والفارابي [عن صلة ابن باجة بالفارابي راجع بوجه خاص د. بركات
محمد: فلسفة ابن باجة واتجاهه النقدي ص ٣٥].
والجديد عند ابن
باجة هنا أنه ربط تصوره للمدينة
الفاضلة بالمتوحد الذي جعله عنوانًا لأكبر رسائله الفلسفية (تدبير المتوحد)، ونحن نعلم أن الأحوال الثقافية، والاجتماعية،
والسياسية، وغيرها جعلت ابن باجة في
حالة اغتراب عن المجتمع الذي يلفظ أمثال ابن باجة الذي
رأى أن المجتمع في وادٍ وأنه في وادٍ آخر، وباختصار فإن المجتمع الذي عاش فيه ابن
باجة لا يلبي ألبتة طموحات الحكماء
والعلماء ومن على شاكلتهم؛ لهذا سعى ابن باجة إلى
إيجاد نموذج للمدينة الفاضلة لأصحاب الفطر الفائقة، وعلى رأسهم ابن
باجة بطبيعة الحال، حيث يقود المجتمع نحو التطور والازدهار، لأن المدينة
الفاضلة من سماتها أنها تفجر طاقات الإبداع لدى الموهوبين كلٌّ في مجاله، إن المدن
الظالمة تؤيد حرية الرأي والخلق والإبداع وتقضي على أي لون من ألوان تغيير الأوضاع
القائمة.
ويقول ابن
باجة: "المتوحد، الظاهر من أمره أنه يجب عليه أن لا يصحب الجسماني،
ولا من غايته الروحانية المشوبة بجسمية، بل إنما يجب عليه أن يصحب أهل العلوم،
ولكن أهل العلوم يقلون في بعض السير ويكثرون في بعض، حتى يبلغ أن ينعدموا، ولذلك
يكون المتوحد واجبًا عليه في بعض السير أن يعتزل عن الناس جملة ما أمكنه، فلا
يلابسهم إلا في الأمور الضرورية، أو بقدر الضرورة، أو يهاجر إلى السير التي فيها
العلوم إن كانت موجودة [ابن
باجة تدبير المتوحد ص ۹۰].
إن المتوحد حكيم
فاضل، تعالى على الضعف البشري، تمكنت منه الحكمة وتمكن منها، يسعى إلى خير الجميع،
لا يرضى عن الحالة الاجتماعية القائمة، حيث يسعى إلى إيجاد مجتمع فاضل، إن ما يحرك
المتوحد دائمًا هو ما ينبغي... ما ينبغي أن يقوم به الفرد.. ما ينبغي أن تقوم به
الجماعة... التمييز بين الموجود القائم وبين ما ينبغي أن يكون عليه الوضع... لهذا
كان رأس مال المتوحد المعرفة التي حصلها باتصاله بالعقل الفعال والتي جعلته
إنسانًا سعيدًا، حيث حاول أن يُسعد الآخرين ما استطاع إلى ذلك من سبيل: إن مشكلة
المتوحد ليست هي في أن يحيا الفرد أو المجتمع ولكن المشكلة هي في نوعية الحياة
التي ينشدها المتوحد للفرد والمجتمع على حد سواء؛ لذلك تصور ابن
باجة مدينته الفاضلة أنها مختصة بعدم
صناعة الطب، وعدم صناعة القضاء؛ لأن الجنة جمعت بين كل سكانها، فلا يوجد تشاكس
بينهم أصلًا؛ لهذا فإن مدينة ابن باجة الفاضلة
أفعالها كلها صائبة... لذلك لا يتغذى أهلها بالأغذية الضارة، ومن ثَمَّ فإنهم لا
يحتاجون إلى الأدوية... مدينة ابن باجة الفاضلة
يمارس كل أعضائها الرياضة البدنية، لأن عدم أداء الرياضة يؤدي إلى أمراض كثيرة...
لذلك فإن من سمات مدينة ابن باجة الفاضلة
خلوها من الأطباء والقضاء.
إن المدينة
الفاضلة عند صاحبنا تضع -بحق- الرجل المناسب في المكان المناسب طبقًا لقدراته..
لذلك لا أحد في هذه المدينة الفاضلة، يكذب، أو يسرق أو يَحْقِدُ... [راجع
ابن باجة تدبير المتوحد ص ٤١-٤٢ من نشرة ماجد فخري، لاحظ أن المدن غير الفاضلة هي:
المدينة الجاهلة، المدينة الفاسقة، المدينة المتبدلة ثم المدينة الضالة، هذا ما
قاله الفارابي وتابعه فيه ابن باجة].
بقي أن أشير إلى
أن ابن باجة كان يعي منذ البداية أن
الإنسان كائن اجتماعي بمعنى أن الكل في حاجة إلى الكل، والفرد في حاجة إلى
الجماعة، والجماعة بدورها لا غنى لها عن نشاط أفرادها.. وأحسب أن هذه السمة تحول
بيننا وبين من زعم أن المُتَوَحِّدَ عند ابن باجة كان
رجلًا صوفيًا..! لا، إن المتوحد عند ابن باجة فيلسوف
للنخاع.. إن الاتصال عند ابن باجة مسألة
إنسانية ومتوحد ابن باجة لم
يعرف حياة الزهد والرهبنة.
والحق أن النظر
العقلي الخالص الذي لا تشوبه لذة حسية هو وحدَهُ المُوصل إلى مشاهدة الله، أما
المعرفة الصوفية بما تنطوي عليه من صور حسية فإنها تكون عائقًا عن الوصول إلى
معرفة الله، إذ هي تحجب وجه الحقيقة [د.
محمد علي أبو ريان: تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام ص ٥٥٣، وراجع د. محمد غلاب،
الفلسفة الإسلامية في
المغرب ص ۳۷ وما
بعدها، جمعية الثقافة الإسلامية القاهرة سنة ١٩٤٨م].