Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

ابن طفيل

الكاتب

أ.د منى أحمد أبو زيد

ابن طفيل

ابن طفيل، الفيلسوف والطبيب الأندلسي، ترك بصمة فريدة في الفكر الإسلامي من خلال أعماله الفلسفية والعلمية، وتعتبر قصة (حي بن يقظان) من أشهر أعماله؛ حيث قدم فيها رؤية فلسفية متكاملة حول المعرفة والوجود والعلاقة بين العقل والدين.

حياة ابن طفيل ومؤلفاته

حياته:

هو أبو بكر بن طفيل الأندلسي القيسي، ولد عام (٥٠٠هـ / ١١٠٦م) في وادي (أشور) في قرية بالقرب من مدينة (غرناطة) التي تلقى فيها تعليمه، فدرس اللغة والأدب والشعر والفقه وبقية العلوم الدينية، كما درس العلوم العقلية واشتهر بالطب والرياضيات والفلك والموسيقى والفلسفة.

تنقل ابن طفيل للعمل بين (غرناطة) و(طنجة) واستقر لدى حاكم مراكش (أبي يعقوب يوسف) وهو أمير جمع بين العلم والسياسة، وكان يطمع في أن ينافس الخلفاء الفاطميين في اهتمامهم بالعلوم والحكمة، ومن هنا كان ولع الأمير شديد بجمع العلماء والفلاسفة في بلاطه، وكانت عنايته الفائقة في جمع الآثار الفلسفية.

وقد عمل ابن طفيل لدى الأمير طبيبًا، وقدم إليه الفيلسوف ابن رشد؛ حيث كانت بينه وبين ابن رشد مناظرات علمية ثم توفي ابن طفيل في مراكش ٥٨١هـ/ ١١٨٥م.

مؤلفاته:

أما مؤلفات ابن طفيل فلا نعرف عنها الكثير؛ لأنها قد ضاعت كلها، ولم يبق منها سوى قصته الرائعة (حي ابن يقظان)، وقد كتبها على منوال قصة لابن سينا بنفس العنوان لكن التاريخ لا يذكر باستفاضة إلا قصة ابن طفيل.

كما ينسب لابن طفيل كتابان في الطب، وبعض الكتابات الفلكية، ولكننا لا نعرف من فكره سوى ما جاء في قصة (حي) التي حاول أن يجمع فيها بين فلسفة المشارقة والمغاربة، وسائر علوم عصره، وخاصة نظريات الاتصال بالعقل الفعال أو الإلهام الإلهي، وتضم القصة الخطوط الرئيسية لفلسفته.

قصة حي بن يقظان وأهميتها

أولًا: أهمية القصة:

حازت قصة حي بن يقظان على إعجاب الفلاسفة والأدباء، وأشادوا بها جميعًا، وقد قوبلت بالاستحسان في الشرق والغرب على حد سواء، وصفها المستشرق (كارادفو) بأنها أعجب كتب العصور الوسطى [كارادفو مادة ابن طفيل (ضمن دائر المعارف الإسلامية ج١ - الطبعة العربية - ترجم المادة: عباس محمود القاهرة سنة ١٩٣٣، ص ٢١٣]، وهو ما اتفق معه فيه (جورج سارتون) مؤرخ العلم الشهير، عندما وصف القصة بأنها من أَجَل الكتب المبكرة في موضوعها، والتي ظهرت في القرون الوسطى. [قدري حافظ طوقان: تراث العرب العلمي في الرياضيات والفلك، دار الشرق، بيروت، ص ٣٩٠]

أما غرسيه غوميس المؤرخ الأسباني، فيقول عن القصة ومؤلفها: إنه استطاع بأسلوبه العذب الذي يفيض ابتكارًا ومنطقًا وقوةً وشاعريةً أن يخلق من قصته أثرًا من أعظم ما أطلقته العصور الوسطى. [أنخل بالنثيا: تاريخ الفكر الأندلسي، ترجمة د. حسين مؤنس، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة ص٣٨٦].

وتعرض قصة (حي بن يقظان) أهم المحاور الرئيسية لفلسفة العصور الوسطى، وتقدم تصور ابن طفيل الخاص الذي حاول أن يجمع فيه بين الفلسفة والتصوف العقلي، وقدم ما يعرف باسم الحكمة المشرقية، هذا العنصر الصوفي الذي ساد قصته كان هو الغاية التي هدف للوصول إليها، واعتبرها هي غاية الإنسان المفكر.

 وقصة حي بن يقظان ليست مجرد قصة فلسفية، بل هي رؤية فلسفية متكاملة، وإن حاول ابن طفيل أن يعبر عنها في بنية قصصية من حيث الزمان والمكان، فنحن مع القصة نتحرك مع حي منذ ميلاده حتى وصوله إلى أعلى درجات المعرفة، وهو في استعراضه لمراحل نمو بطل قصته وتطوره الفكري لا يقدم لنا مجرد قصة فلسفية، وإنما يقدم نسقًا فلسفيًّا كاملًا يعالج فيه أهم القضايا الفلسفية في الفكر العربي الإسلامي [محمود أمين العالم: مواقف نقدية من التراث. طبع دار المستقبل العربي مصر، ص١٩٤] في العصور الوسطى.

ولا تعود أهمية هذه القصة فيما تحويه من أفكار فلسفية فحسب، بل إن بناءها - أيضًا - كقصة حازت إعجاب الكثيرين، ففيها من الدقائق والتفاصيل ما يفوق في جوانب نضجها كثير من القصص، وفيها من عناصر التشويق والإقناع بالأحداث ما يزيد على كونها قالبًا يحمل في طياته أفكارًا فلسفية.

وقد نالت هذه القصة إعجاب الفلاسفة والأدباء، يصفها أحدهم بأنها قصة فريدة في الأدب العربي على الرغم من طابعها التجريدي [د. محمد غنيمي هلال: الأدب المقارن. مكتبة النهضة المصرية. مصر سنة ١٩٧٧، ص٢٢٩]. 

ويصفها آخر بأنها (لؤلؤة من أجمل لآلئ الفكر العربي الإسلامي .. ومثل هذه الرسالة كاف لأن تبوئ صاحبها وأمثاله أعلى درجات الفكر العالمي) [عبد الكريم الباقي: ابن طفيل ورسالته الفلسفية حي بن يقظان. بحث في مجلة التراث العربي، العدد (٥٧) أكتوبر سنة ١٩٩٤، ص ٥٠].     

ثانيًا: أحداث القصة:   

 تدور أحداث قصة حي بن يقظان في جزيرة مجهولة؛ حيث يعيش فيها طفل بدون أسرة، وتتبناه غزالة ترضعه وتعتبر أمه، ويكبر الطفل، ويلاحظ ما حوله من الطبيعة، ويعرف كيف يلبي احتياجاته، وتموت الظبية فيعرف معنى الموت.

وعن طريق التأمل والملاحظة يتعرف (حي) على حقائق الحياة، ويعرف أهمية النار، ويستخدم يديه في صنع ما يحتاج إليه، ويدرك حقائق الطبيعة وقوانينها، ويفكر وراء الطبيعة، ويهتدي إلى ما اهتدى إليه الفلاسفة الإشراقيون.

ويأتي إلى الجزيرة (إسال) ويلتقي به (حي) ويعلمه (إسال) لغة الكلام، ويجد (حي) لأفكاره الفلسفية التي وصل إليها بعقله تبريرًا لدى (إسال) الذي وصل إليها عن طريق الدين.

ويدعوه (إسال) إلى زيارة جزيرته؛ ليلتقي بملكها (سلامان) وهو ملك مؤمن يرى ضرورة ملازمة الجماعة، ويحرم العزلة، ويذهب إليه (حي) ويحسن استقباله، ولكنه لا يقبل فكره، كما لا يحسن أهل الجزيرة استقبال أفكار (حي)، ويتركهم على معرفتهم الدينية الظاهرة، ويعود مع (إسال) إلى الجزيرة المنعزلة مرة أخرى ليعبدا الله بطريقتهما.

ويطرح ابن طفيل في هذه القصة تساؤلات حول مصير الإنسان .. من أين أتى؟ وما شأنه في هذه الحياة؟ وما الغاية من وجوده؟ وكيف الوصول إلى السعادة؟ وكيفية التعرف على الخالق ذاته وصفاته؟ فهذه القصة تحمل أفكار ابن طفيل الفلسفية، هذه الفلسفة التي وصفها أوليري ووصف صاحبها بأنه أول إمام عظيم من أئمة الفكر الفلسفي في أسبانيا الموحدية .. كانت تعاليمه في مجموعها مطابقة لتعاليم ابن باجه .. لكن العنصر الصوفي أوضح عنده، ولكنها تختلف كثيرًا عن المعرفة التي يرمي إليها الصوفية، فهي فلسفية صوفية أكثر منها إلهيات صوفية [ديلاسي أو ليري: الفكر العربي ومكانته في التاريخ، ترجمة د. تمام حسان، مراجعة د. محمد مصطفى حلمي، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والنشر. القاهرة (د. ت) ص ٢٥٧]، وهذا ما يميز تصوف الفلاسفة عن تصوف الصوفية أو ما يفرق التصوف العقلي عن التصوف القلبي.

ثالثًا: الأفكار الفلسفية لابن طفيل:

إن المنهج الرمزي الذي اختاره ابن طفيل لعرض أفكاره من خلال قصة (حي بن يقظان) أتاح لكل قارئ أنه يستوعب من القصة بمقدار إدراكه، ومن هنا تعددت تفسيرات القصة، وذهب الشراح فيها مذاهب متعددة، فإذا قرأها قارئ وهو متشبع بالحياة الروحية نسب القصة إلى المنازع الصوفية [لويس ماسينيون: محاضرات في تاريخ الاصطلاحات الفلسفية والعربية، ترجمة، د. زينب الخضيري. تصدير د. إبراهيم بيومي مدكور. نشر المعهد الفرنسي للآثار الشرقية القاهرة (د. ت)، ص ١٥١]، وإذا قرأها آخر صاحب اتجاه عقلي أضفى عليها بواعث عقلية صرفة [د عاطف العراقي: المتيافيزيقا في فلسفة ابن طفيل - دار المعارف مصر سنة ٩٩٢ ١م، ص٠ ٥].

وهذا التعدد في الرؤى يعود – في الأساس- إلى استخدام طريقة الرمز في سرد القصة، وهي طريقة تمنع القطع في الحكم؛ لأن الرمز تتجدد إيحاءاته وتتعدد معانيه بتعدد قراءاته وتعدد قارئيه؛ ولأن ما وصل إليه ابن طفيل يعتبره من الأسرار التي لا يصح أن يكلم الناس فيها إلا رمزًا [ابن طفيل: حي بن يقظان، مع قصتي ابن سينا والسهروردي، تحقيق وتقديم أحمد أمين. القاهرة سنة ١٩٦٦م، ص ٥٦].

ولذا كان القطع بأفكار معينة لهذه القصة هو ضرب من المحال، وسنحاول أن نعرض أهم الأفكار التي اتفق كثير من الباحثين على أنها هي الأفكار الأساسية لهذه القصة.

الأفكار الأساسية لهذه القصة

١- الفلسفة المشرقية:

يعرض ابن طفيل في مقدمة قصته لأهم الفلاسفة السابقين عليه في المشرق والمغرب، فيعرض أهم إسهامات الفارابي وابن سينا والغزالي وابن باجه، ويشيد ببعض آرائهم، وينقد بعضها الآخر؛ حيث إن هؤلاء - في نظره - قد عجزوا عن الوصول إلى أسرار الحكمة المشرقية؛ ولذا كتب هذه القصة من أجل تحقيق هذه الغاية، ألا وهي عرض أسرار الحكمة المشرقية [ابن طفيل: حي بن يقظان، مع قصتي ابن سينا والسهروردي - تحقيق وتقديم أحمد أمين. القاهرة سنة ١٩٦٦م، ص ٥٢].

٢- الحكمة والشريعة:

لعل القضية الأساسية التي تقوم عليها قصة ابن طفيل تكمن في بيان العلاقة بين (الحكمة والشريعة)، (العقل والنقل)، فهما يهدفان للوصول إلى غاية واحدة، هي معرفة الحقيقة، وصل إليها حي بالعقل وحده، ووصل إليها (إسال) عن طريق الدين.

واتفاق (حي) مع (إسال) في النهاية يدل على أن الفلسفة متفقة مع الدين، وهو أمر تناوله من قبل الفارابي وابن سينا، ثم عرض له ابن رشد بعد ذلك، وخصص له مؤلفًا عنوانه (فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال).

٣- وحدة الحقيقة واختلاف المنهج:

يشير ابن طفيل إلى وحدة الحقيقة بين الحكمة والشريعة، واختلاف طرق الوصول إليها، ولكل منها منهج خاص .. منهج الإيمان الخالص يختلف عن منهج العقل الاستدلالي .. وصل (حي) إلى الحق بعقله دون رسالة من نبي أو تعلم من فقيه، وصل بالعقل من خلال الانتقال من الإدراك الحسي إلى التصور العقلي، فالمشاهدة الذوقية الوجدانية، أما (إسال) فقد وصل إلى الحق عن طريق الإيمان بالدين، وهذه التفرقة في المنهج مع وحدة الحقيقة هي ما ستظهر بعد ذلك عند ابن رشد.

٤- درجات المخاطبين:

يرى ابن طفيل أن الحكمة لا يقدر عليها إلا القلة النادرة من البشر ممن منحوا عقلية فذة تدرك المعقولات المجردة، أما الجمهور فلا يعي إلا الظاهر فقط؛ ولذا يرتب المخاطبين على مراتب أربعة هي:

مرتبة الفيلسوف، ويمثلها (حي).

يتلوها مرتبة عالم الدين البصير، ويمثلها (إسال).

يليها مرتبة رجل الدين المتعلق بالظاهر، وهو الفقيه، ويمثلها (سلامان).

وأدناها مرتبة الجمهور، ويمثلها (أهل جزيرة سلامان).

٥- الشريعة ظاهر وباطن:

يذهب ابن طفيل إلى أن الشريعة قد أصابت في استخدام المنهج الملائم لمخاطبة الناس بقدر عقولهم دون مكاشفتهم بحقائق الحكمة وأسرارها، وأن الخير في  التزام الناس بحدود الشرع، وترك التعمق لمن هو أهلًا له؛ ولذا ترك (حي) ( سلامان) وقومه على مذهبهم في الاكتفاء بظاهر الشرع، وأبدى لهم تأييده لكي لا يفسد عليهم إيمانهم، ومضى مع (إسال) إلى الجزيرة المنعزلة ليعيشا منعزلين يعبدان الله بالطريقة التي تناسب عقليهما، ولكل جماعة من الناس إيمانهم الخاص الذي يتناسب وقدراتهم وفطرتهم التي فطرها الله عليهم أو كما يقول حي: "إن الحكمة كلها والهداية والتوفيق فيما نطقت به الرسل .. فلكل عمل رجال، وكل ميسر لما خلق له" [ابن طفيل: حي بن يقظان، مع قصتي ابن سينا والسهروردي - تحقيق وتقديم أحمد أمين. القاهرة سنة ١٩٦٦م، ص١٢١].

٦- نظرية المعرفة:

يقدم ابن طفيل نسقًا كاملًا لنظرية المعرفة يتحقق عبر مراحل زمنية، وعبر درجات متتالية من المعرفة تبدأ بالخبرة الحسية لترتفع إلى التجربة والممارسة العملية، ثم إلى الاستدلال العقلي النظري، لتنتهي إلى درجة عليا، وهي المعرفة الوجدانية القائمة على الذوق والحدس، وصولًا إلى حال الاتصال بالعقل الفعال دون أن يعني هذا التخلي عن مراتب الوصول السابقة أو إلغاء الحس أو العقل، وهذا ما يفرق ابن طفيل عن الصوفية التي تفنى عن ذاتها عند الوصول إلى الحقيقة.

٧- اعتماد المنهج التجريبي:

وجه ابن طفيل الأنظار في هذه القصة إلى الاهتمام بالملاحظة والاستقراء، وبين دور التجربة في الوصول إلى المعرفة، كما أشاد بدور البراهين العملية، ولا سيما ما يبنى على الطبيعيات والرياضيات، وأخذ بالمذهب التجريبي الذي بدأه بالملاحظة، والاستقراء لكل مظاهر الطبيعة من حوله في عوالم النبات والحيوان، وفي مسائل الحياة العادية، ولم يقف عند حدود الملاحظة واختبار قيمها، بل ألحقها بإجراء التجارب، كل ذلك في سبيل الوصول إلى الحقيقة والمعرفة الصحيحة.

ويرفض ابن طفيل أن يكون كل اعتماده على أفكار موروثة، واعتقادات لم تثبت صحتها، فهو يمقت الأخذ بآراء دون إعمال العقل ودون اختبارها، ويستنكر فرض الرأي أو تقديسه، ويرى ضرورة اعتماد العقل والملاحظة كلما أمكن ذلك؛ للتأكد من صحة الفكرة أو تعديها للخروج بمعرفة جديدة. [قدري حافظ طوقان: تراث العرب العلمي في الرياضيات والفلك، ص ٣٩١].

ولعل مثل هذه الأفكار تذكرنا بمنهج ديكارت العقلي الذي فتح الباب لنشأة منهج جديد كان فاتحة للعصر الحديث.

٨ - مكانة العقل:                                                     

يعطي ابن طفيل للعقل مكانة كبيرة في المعرفة، وربما تكون - عنده - أعلى من المعرفة الدينية، فالإنسان العاقل - والذي يمثله شخصية حي - وصل إلى كل الحقائق بصورتها التامة الخالصة عن طريق العقل وحده، وكان في معارفه أكثر وصولًا؛ مما وصل إليه أهل جزيرة (سلامان).

وهذا تكريم لمكانة العقل، وبيان مدى أهميته في مجال المعرفة، وأيضًا يعد تطويرًا للفكرة التي عرضها ابن باجه في كتابه تدبير المتوحد الذي رأى فيه أن في استطاعة العقل وحده أن يصل إلى الكمال التام. [ابن باجة: تدبير المتوحد، ضمن رسائل ابن باجه الإلهية، تحقيق د. ماجد فخري. دار النهار، بيروت سنة ١٩٦٨م، ص٧٩].

وربما كان ابن طفيل بفكرته هذه يعبر تعبيرًا فلسفيًّا عن فلسفة دولة الموحدين بشكل عام، وعن رؤية خليفتها المتفلسف – أبي يعقوب يوسف - الذي قرب إليه الفلاسفة، خاصة ابن طفيل وابن رشد، وهو الخليفة الذي سعى إلى أن يرفع من شأن العقل، ويتخذ منه  مرتكزًا لدولته، ليضعف من نفوذ الفقهاء ورجال الدين، الذين كانوا يواصلون هذا النفوذ برغم سقوط دولة المرابطين ذات التوجه الديني المتعصب [ابن طفيل: حي بن يقظان، مع قصتي ابن سينا والسهروردي - تحقيق وتقديم أحمد أمين، القاهرة سنة ١٩٦٦م، ص٥٢]، ولعل هذه المواجهة ستكون أشد بعد ذلك مع ابن رشد عندما تكون المواجهة بينه وبين الفقهاء مواجهة سافرة انتهت فيما عرف بنكبة ابن رشد، في حين أن ابن طفيل لجأ إلى عرض نفس الفكرة من خلال قصة رمزية هروبًا من تلك المواجهة.

٩ - الأخلاق:

بلغت شدة إيمان ابن طفيل بالعقل حدًّا دفعه إلى أن يجعل الأخلاق واقعة في حيز العقل، لا من حيز الدين والاجتماع، ووضع مفهومًا جديدًا للأخلاق؛ إذ إن الأخلاق – عنده - هي التي لا تعترض الطبيعة في سيرها، ولا تحول دون تحقيق الغاية الخاصة بالموجودات، فمن طبيعة الفاكهة – مثلًا - أن تخرج من زهرتها البذور التي تعيد دورة الفاكهة مرة أخرى، فإذا قطف الإنسان هذه الثمرة قبل نضجها لم يأكلها ولا أتاح للبذرة أن تسقط مرة أخرى على الأرض في موضع يصلح لإنباتها [ابن طفيل: حي بن يقظان، مع قصتي ابن سينا والسهروردي - تحقيق وتقديم أحمد أمين. القاهرة سنة ١٩٦٦م، ص ١٠٢]. فهذا الفعل يعد في نظره لا أخلاقيًّا، وذهب ابن طفيل إلى أبعد من ذلك، معتبرا أن الأخلاق الكريمة تقضي على الإنسان أن يزيل العوائق التي تعترض الحيوان، أو النبات في سبيل تطوره [ابن طفيل: حي بن يقظان، مع قصتي ابن سينا والسهروردي، تحقيق وتقديم أحمد أمين. القاهرة سنة ١٩٦٦م، ص ١٠٤] ويدعو الفرد إلى أن يسير سلوكه على أساس دفع المجتمع في الطريق المؤدي إلى التطور والتقدم، والأخلاق هي أن تجري الطبيعة في كل شيء مجراها، ومجرى الطبيعة يوجب الاهتمام بالجماعة لبقائها، ويوجب العناية بالناس، وتحسين أحوال معيشتهم؛ لذا جعل ابن طفيل الأخلاق الحميدة هي الإطار الرائع الذي يتعامل به مع كل   الكائنات، وربط الوجود كله في وحدة واحدة، رائعة بينها تناسق وتكامل.        

١٠ - وحدة الوجود:

ينظر ابن طفيل إلى الوجود بكامله على أن بينه ترابط في قوانين، وترتيب في درجات، بعضها يعلو البعض حتى نصل إلى العلة الأولى، والوحدة – عنده - دليل على وجود الخالق.

يقول ابن طفيل: "إنه لما فنى عن ذاته، وعن جميع الذوات لم يرفي الوجود إلا الواحد الحي القيوم" [ابن طفيل: حي بن يقظان، مع قصتي ابن سينا والسهروردي، تحقيق وتقديم أحمد أمين. القاهرة، سنة ١٩٦٦م، ص ١٠٧]، إلا أن قوله في وحدة الوجود يختلف عن تصور الصوفية له، فهو تصور يعني الترابط العضوي بين كل عناصر الطبيعة وما فوق الطبيعة.

وربما ستؤثر هذه الفكرة على معاصره محيي الدين بن عربي صاحب مذهب وحدة الوجود مع ما بينهما من تمايز واختلاف، كما ستؤثر هذه الفكرة على ابن رشد، ويرصدها في رسالة له بعنوان (الاتصال) [ابن رشد: رسالة الاتصال. ضمن كتاب (تلخيص النفس) تحقيق د. أحمد فؤاد الأهواني، مكتبة النهضة المصرية القاهرة, ص١١٩- ١٢٤]، ويعرف هذا عنه، وينتشر في أوروبا.

والمتتبع لهذه الفكرة يجد أن ابن طفيل قد سبق ابن رشد وابن عربي في القول بوحدة الوجود، وحدة عالم الطبيعة وعالم ما بعد الطبيعة، لكن أسلوبه القصصي أخفى هذه الفكرة، فلم تشتهر عنه، ولم تؤخذ عليه.، فالموجودات على مراتب أعلاها – أي المرتبة العليا - لله وحده، المنفرد بكماله، وأدناها المادة الخالصة، والوجود واحد، وإن تعددت مظاهره وتفاوتت مراتبه، ونظام الكون واحد؛ لأنه منحدر من أصل واحد [كمال اليازجي، وأنطوان غطاس: أعلام الفلسفة العربية مكتبة لبنان. بيروت سنة ١٩٩٠م، ص ٦٨٢].

١١ - مكانة الفيلسوف:

يعد رفض (حي) العيش مع قوم جزيرة (سلامان) نوعًا من النقد الاجتماعي، يوجهه (ابن طفيل) بطريق خفي لأحوال عصره الاجتماعية بما فيها من فساد الأنظمة، وانحطاط الأخلاق، وتفسخ العقائد، وعدم ملاءمة هذا الواقع لحياة الفيلسوف الذي ينشد التوحد بعيدًا عن الناس والمجتمع.

ويطور ابن طفيل فكرة ابن باجه في كتابه (تدبير المتوحد)، ويعترف بعجز الفلسفة عن تنوير الجمهور، ويدعو الفلاسفة إلى الانعزال عن الحياة العامة، وهكذا يتخذ (تدبير المتوحد) مع (حي) مفهومًا سياسيًّا أكثر وضوحًا، فالرواية تتضمن تحديدًا  متشائمًا للمكانة التي وصلت إليها الفلسفة في المجتمع الإسلامي، وتعبيرًا عن علاقة المثقفين الصفوة بالعامة (جمهور المؤمنين) [آلان دي لبييرا: فلسفة العصر الوسيط، ترجمة د. مصطفى ماهر، دار شرقيات للنشر القاهرة سنة ١٩٩٨م، ص١٩٧]. ويتفق الصديقان (حي) و(إسال) على الانسحاب من المجتمع، والعيش في عزلة - وهو ما قصده ابن باجة في تدبير المتوحد - يصنعان فيها سعادتهما عن طريق المعرفة والتفلسف.

ويقدم ابن طفيل بهذه الصورة نموذجًا لطوباوية فردية تختلف عن النماذج الطوباوية الاجتماعية التي سبق أن قدمها فلاسفة آخرون، ابتداءًا من جمهورية أفلاطون، ومدينة الفارابي الفاضلة، مرورًا بأطلانطا الجديدة لبيكون وغيرها.

وتقدم قصة حي بن يقظان حالة جديدة منفردة تتحدث عن طوباوية فردية، ولا تتحدث عن نظام اجتماعي، وهي تعرض حياة طفل إنساني عاش منفردًا، واستطاع بعد جهد وتأمل أن يصل إلى حياة مثالية تعتمد على الذكاء والعقل، كما تعتمد على الاكتفاء الذاتي [د. عبد الكريم الباقي: ابن طفيل ورسالته الفلسفية ص٣٦].

إلا أن هذه الدعوة لا تصلح لمجتمعاتنا، لأن الإنسان كائن اجتماعي بفطرته، ودعوة ابن طفيل إلى التوحد لا تمتلك مشروعيتها في الواقع الاجتماعي للبشر [لؤي على خليل: فردية حي بن يقظان، رموزها ورؤاها. بحث منشور في مجلة (التراث العربي) العدد يناير سنة ١٩٩١م، ص ١٥٩].

فالحياة الإنسانية تواصل وتعاون بين مختلف البشر، ولا يمكن للفرد أن يستغني عن المجتمع؛ لأنه لا يتحقق هويته إلا فيه، ولا يحقق مطالبه إلا من خلال تعاون أفراده.

هذه بعض الأفكار الفلسفية التي تضمنتها قصة ابن طفيل، وربما يقرأ القصة آخرون، ويستخرجون منها أفكارًا أخرى، وربما يرى فيها الباحث في مجال الأدب أفكارًا وزوايا أخرى، وما زال علماء التاريخ يأخذون من هذه القصة على سبيل الافتراض والاجتهاد - تصورات حول كيفية تطور حياة الإنسان البدائي، واتخاذه الملابس من أوراق الأشجار، وريش الطيور، واتخاذ الأسلحة والأدوات من أغصان الأشجار والحجارة الحادة، واكتشاف النار عن طريق احتكاك الأغصان، ومعرفة الطهي على أثر احتراق الحيوانات بها كل هذه التصورات وأكثر بكثير يستطيع العلماء والباحثون أن يستخرجوها من قصة (حي بن يقظان)، ومن هنا كان مرور الزمان على هذه القصة يزيدها ثراء، والفضل – ربما يعود في الأساس - إلى الأسلوب الرمزي  الذي استخدمه ابن طفيل لعرض أفكاره الفلسفية، وأثر بذلك على مجالات متعددة منها مجالي الفكر والأدب.


مراجع للاستزادة:

١- بدوي (د. عبد الرحمن): حي بن يقظان - مجلة تراث الإنسانية مصر، مج ١.

٢- بدوي (د. عبد الرحمن): بحث عن ابن طفيل ضمن كتاب (تدريس الفلسفة والبحث الفلسفي في الوطن العربي) دار الغرب الإسلامي، بيروت سنة ١٩٩٠م.

٣- بدوي (د. عبد الرحمن): دور العرب في تكوين العقل الأوربي - منشورات دار الآداب، بيروت سنة ١٩٥١م.

٤- فيرنيت (خوان): فضل الأندلس على ثقافة الغرب - ترجمة نهاد رضا، تقديم فاضل السباعي - دار إشبيلية، دمشق سنة ١٩٩٧م.

٥- مظهر (جلال): حضارة الإسلام وأثرها في الترقي العالمي. مكتبة الخانجي - القاهرة سنة ١٩٧٤م.

الخلاصة

كان أبو بكر بن طفيل فيلسوفًا وعالمًا أندلسيًّا متعدد المعارف (٥٠٠-٥٨١هـ/١١٠٦-١١٨٥م)، اشتهر بقصته الفلسفية الرمزية (حي بن يقظان) وتدور القصة حول طفل يتربى وحيدًا في جزيرة، ويكتشف حقائق الوجود ومعرفة الخالق بالعقل وحده، ثم يلتقي بآخر يدركها بالدين؛ مما يبرز فكرة اتفاق الحكمة والشريعة، وتؤكد القصة على مكانة العقل والمنهج التجريبي، وتعد نقدًا اجتماعيًّا يدعو الفلاسفة للانعزال عن فساد المجتمع.

موضوعات ذات صلة

يُعد ابن باجة أحد أبرز أعلام الفلسفة الإسلامية في المغرب والأندلس

ابن سينا أحد أعلام الفكر الفلسفي والطبي في الحضارة الإسلامية

هبة الله بن علي، أبو البركات وأوحد الزمان، فيلسوف وطبيب بارز جمع بين العقل الفلسفي والروح النقدية في بيئة بغداد العلمية

ابن ملكا البلدي، الملقب بأوحد الزمان، طبيب وفيلسوف بارز في القرن السادس الهجري

لم يكن التوفيق بين الوحي والعقل مجرد ترف فكري عند ابن طفيل، بل كان ضرورة لبيان وحدة الحقيقة رغم تعدد طرق الوصول إليها

موضوعات مختارة