يقدم الإمام الرفاعي دستورًا أخلاقيًّا يوازن بين اعتزال أهل الغفلة ومعانقة أدب الخدمة، ليجعل من التواضع للفقراء والتحرر من رؤية النفس معراجًا للوصول إلى حضرة الحق.
وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
يقدم الإمام الرفاعي دستورًا أخلاقيًّا يوازن بين اعتزال أهل الغفلة ومعانقة أدب الخدمة، ليجعل من التواضع للفقراء والتحرر من رؤية النفس معراجًا للوصول إلى حضرة الحق.
قَالَ سَيِّدُنَا الإمام الرفاعي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنهُ: هذهِ الدُّنيا خُلِقَتْ لِلْعِبْرَةِ؛ والعِبْرَةُ بِكُلِّ مَا فِيْهَا عَقْلُ، فَخُذْ بِقُوَّةِ عَقْلِكَ العِبْرَةَ مِنْ كُلِّ مَأْخَدٍ، وَاصْرِفْ نَظَرَكَ عَنْ مَحَلَّهَا.
إِيَّاكَ والتَّقَرُّبَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا؛ فَإِنَّ التَّقَرُّبَ مِنْهُمْ يُقَنِّي القَلْبَ، وَالتَّوَاضُعُ لَهُمْ مُوْجِبٌ لِغَضَبِ الرَّبِّ، وَتَعْظِيمُهُم يَزِيدُ فِي الذُّنُوْبِ.
فكما أن سيدنا - رضي الله عنه - حَثَّ على العبرة نهى عن التقرب من أهل الدنيا؛ وهم الذين طمَّتهم الغفلة، وأشغلهم حب الآثار الظاهرة عن الاعتبار بها، وأرشد أن التقرب منهم يُقسي القلب؛ أي: يجلب له الغفلة، على أن الجليس لا بد أن يكون له ثمرة حظ من حال جليسه.
وحذر من تعظيمهم والتواضع لهم؛ لأنَّ ذلك لا يكون إلا من حبهم، أو الاعتماد عليهم، وكلا الحالين خطير عند أهل المعرفة بالله.
قَالَ سَيِّدُنَا الإمام الرفاعي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنهُ: اتَّخِذِ الفُقَرَاءَ أَصْحَابًا وأَحْبَابًا، وعَظَّمْهُمْ، وَكُنْ مَشْغُولًا بِخِدمَتِهِمْ، وَإِذَا جَاءَكَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فَانتَصِبْ لَهُ عَلَى أَقْدَامِكَ وَتَذَلَّلْ لَهُ.
وَإِذَا وَقَعَتْ خِدْمَتُكَ لَدَى الفُقَرَاءِ مَوقِعَ القَبُوْلِ، فَاسْأَلْهُمُ الدُّعَاءَ الصَّالِحَ، واجْتَهِدْ أَنْ تَعْمُرَ لَكَ مَقَامًا فِي قُلُوبِهِمْ؛ فَإِنَّ قُلُوْبَ الفُقَرَاءِ مَوَاطِنُ الرَّحْمَةِ، وَمَوَاقِعُ النَّظَرِ القُدُسِيَّ، وصَفٌ خَاطَرَكَ مِنَ الرُّعُونَاتِ البَشَرِيَّةِ.
وأمر باتخاذ الفقراء أصحابًا وأحبابًا، وحث على تعظيمهم، وخدمتهم، وجَيْرِ قلوبهم، ولا يخفى ما ورد في الحديث القدسي، وهو: «أَنَا عِنْدَ الْمُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهُم لأجلي» [الإمام أحمد في الزهد: ۳۹۷، عن عمران القصير، قال: "قال موسى بن عمران: أي رب، أين أبغيك؟ «قال: ابغني عند المنكسرة قلوبهم»"، ورواه البيهقي في الزهد الكبير: ۳۷۹، عن عبد الكريم بن رشيد: "أن داود الله، قال: أي رب، أين ألقاك؟ «قال: تلقاني عند المنكسرة قلوبهم»"].
فإذا التقرب منهم وتعظيمهم من موجبات القرب من الله تعالى، وأمر بمداراة الخلق عملًا بقول النبيِّ - صلى الله عليه وسلم: «بُعِثْتُ بِمُدَارَاةِ النَّاسِ» [البيهقي في شعب الإيمان: ٨١١٧].
قَالَ سَيِّدُنَا الإمام الرفاعي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنهُ: وَمَنْ كَانَ لَكَ عَلَيْهِ حَقٌّ أَوْ لَهُ عَلَيْكَ حَقٌّ، فَدَارِهِ حَتَّى يُعْطِيكَ حَقَّكَ، أَوْ إِلَى أَنْ تُعْطِيَهُ حَقَّهُ، وَإِنْ قَدَرْتَ فَسَامِحْ مَنْ لَكَ عَلَيْهِ حَقٌّ يُعَوِّضُ اللَّهَ عَلَيْكَ.
وَكُنْ مَعَ الخَلْقِ بِالْأَدَبِ؛ فَإِنَّهُ أَدبٌ مَعَ الْخَالِقِ.
تُبْ بِكُلِّيَّتِكَ مِنْ رُؤْيَةِ نَفْسِكَ، وَنَسَبِكَ، وَأَهْلِكَ؛ فَإِنَّ مَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ [مسلم: ٢٦٩٩، وأبو داود: ٣٦٤٣، والترمذي: ٢٩٤٥، وابن ماجه: ٢٢٥].
وألزم السَّالك بالتلطف والانقياد لصاحب الحق، والصبر على من له عليه حق، ونهض همته إلى مسامحته إن أمكنته نفسه من ذلك تَخَلْقًا بِخُلُقِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ويؤيد ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - لعمر الله حين اغتاظ من يهودي له دين على النبي - صلى الله عليه وسلم - وأغلظ بطلب دينه: «دَعْهُ؛ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الحَقِّ مَقَالًا»، وأمر بعد ذلك بالتوبة من رؤية النفس، والنسب، والأهل، عملًا بحديث: «مَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ» [مسلم: ٢٦٩٩، وأبو داود: ٣٦٤٣، والترمذي: ٢٩٤٥، وابن ماجه: ٢٢٥].
إن منهج الإمام الرفاعي يقوم على تصفية الخاطر من الرعونات البشرية، وإحلال التواضع والأدب محل الكبر والغفلة، والارتقاء بالنفس من خلال خدمة الفقراء ومجاهدة الرغبات الدنيوية.
الاستقامة والتواضع يرفعان العبد ويحفظانه بعناية الله.
حكم الرفاعي توازن بين العقل والروح للفلاح.
أقوال الأئمة تضيء دروب الاستقامة وتزكي النفوس.