Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

آداب تعظيم آل البيت من حكم الإمام الرفاعي

الكاتب

هيئة التحرير

آداب تعظيم آل البيت من حكم الإمام الرفاعي

ما فضل آل البيت في الإسلام؟ وهل حبهم واجب على كل مسلم؟

فضل آل البيت في الإسلام ثابت في القرآن والسنة، وحبهم وتعظيمهم واجب على كل مسلم، لما لهم من مكانة عظيمة عند الله ورسوله ﷺ.

ولقد بيّن القرآن الكريم والسنة النبوية مكانة آل البيت ووجوب محبتهم وتعظيمهم فحب آل بيت النبي - وتعظيمهم ركن أساسي في كمال الإيمان ومنهاج السلوك في دين الإسلام. 

من هم أهل البيت وما معنى الآل في القرآن والسنة

قبل أن نشرع في بيان فضل أهل البيت ووجوب محبتهم في القرآن والسنة فهذا قول سَيِّدُنَا الإمام الرفاعي رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنهُ بلفظه: قُمْ بِصِلَةِ رَحِمِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَظِّمْ ذَوِي قَرَابَتِهِ؛ فَإِنَّ طَوْقَ مِنَّتِهِ فِي أَعْنَاقِنَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿قُل لَّاۤ أَسۡءَلُكُمۡ عَلَیۡهِ أَجۡرًا إِلَّا ٱلۡمَوَدَّةَ فِی ٱلۡقُرۡبَىٰۗ﴾ [الشورى: ٢٣]، وأراد إلزام السالك بتعظيم آل النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وصلة رحمه المبارك؛ امتثالا لقوله تعالى: ﴿قُل لَّاۤ أَسۡءَلُكُمۡ عَلَیۡهِ أَجۡرًا إِلَّا ٱلۡمَوَدَّةَ فِی ٱلۡقُرۡبَىٰۗ﴾ [الشورى: ٢٣].

  • أولا: ما هو معنى الآل في القرآن والسنة وأقوال العلماء ؟

وقد كتبت بفضل الله تحقيقًا لطيفًا في معنى الآل في كتابي (ضوء الشمس) قلت فيه: "ذكر العلامة شيخ المتأخرين الفاضل الباجوري أن آله - صلى الله عليه وسلم: بنو هاشم، وبنو عبد المطلب؛ وهو ما نسبه العلامة "ابن القاسم" للإمام الشافعي - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ - قال: واختار النووي أنهم كل مسلم، قال في [مطالع المسرات بجلاء دلائل الخيرات للشيخ محمد بن يوسف بن محمد بن حامد بن أبي المحاسن العربي المغربي الفاسي أبي عبد الله القصري المالكي (۹۸۸-١٠٥٢) - انظر: هدية العارفين: ٢/٩٤]: قال الجوهري: واختلف في تعيين آله - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على أقوال كثيرة، منها في مذهبنا المالكي سبعة أقوال، مشهورها: أنهم بنو هاشم ما تناسلوا، وهو قول ابن القاسم، ومالك، وأكثر أصحابه.

وفي [المدد الفياض على متن الشفا للقاضي عياض للشيخ حسن بن العدوي الحمزاوي المالكي: ۱۳۰۳- ۱۲۲۰ هـ - انظر: هدية العارفين ١/١٦١] ما نصه: هم مَنْ حَرُمَتْ عليهم الزكاة عند الشافعي، قال الدلجي ويؤيده قوله - عليه الصلاة والسَّلامُ - للحسين بن علي رضي الله عنهما: «إِنَّا آلُ مُحَمَّدٍ لا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ» [مسلم: ١٠٦٩]، والأظهر أن المراد جميع أقاربه وأهل بيته، أو جميع أمته، ورجحه النووي في شرح المهذب، انتهى.

قلت: والأحسن ألا يُطلق القول فيه، بل يفسر باعتبار المقامات والقرائن.

ففي مقام الزكاة: بنو هاشم لا المطلب عند مالك، أو هما معًا عند الشافعي، أو هما وبنو جعفر وبنو العباس وبنو عقيل عند أبي حنيفة، وفي مقام المدح أتقياء أمته، وفي مقام الدعاء كما هنا جميع الأمة، وهذا الذي حققه العلامة الأمير علي عبد السلام.

ونقل الباجوري عن بعض المحققين ما يؤيده حيث قال: يُنظر للقرينة، فإن دلت على أن المراد بهم الأقارب حمل عليهم، كقولك: اللهم صل على سيدنا محمد، وعلى آله الذين أذهبت عنهم الرجس وطهرتهم تطهيرًا، وإن دلت على أنَّ المراد بهم الأتقياء حمل عليهم؛ كقولك: اللهم صل على سيدنا محمد، وعلى آله الذين اخترتهم لطاعتك، وإن دلت على أن المراد بهم كل مسلم حمل عليهم، كقولك: اللهم صل على سيدنا محمد، وعلى آله سكان جنتك.

والحاصل أنه لا يطلق القول في تفسير الآل، بل يعول على القرينة، ويفسر بحسبها، انتهى.

ثانيًا: ما هو فضل آل البيت وفضل مودتهم في نصوص القرآن والسنة

ونقلت في كتابي المذكور - أيضًا - في بحث فضل الذرية الطاهرة، ما يُستحسن ذكره، وهو: قد جاءت الآيات القرآنية بتعظيم العترة النبوية والقرابة المحمدية.

قال تعالى: ﴿قُل لَّاۤ أَسۡءَلُكُمۡ عَلَیۡهِ أَجۡرًا إِلَّا ٱلۡمَوَدَّةَ فِی ٱلۡقُرۡبَىٰۗ﴾ [الشورى: ٢٣]، وقال عز من قائل: ﴿إِنَّمَا یُرِیدُ ٱللَّهُ لِیُذۡهِبَ عَنكُمُ ٱلرِّجۡسَ أَهۡلَ ٱلۡبَیۡتِ وَیُطَهِّرَكُمۡ تَطۡهِیرࣰا﴾ [الأحزاب: ٣٣]، وعن زيد بن أرقم رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ثلاثًا، قُلْنَا لِزَيْد: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ قَالَ: الَّذِينَ يُحْرَمُونَ الصَّدَقَةَ، آلُ عَلِيٍّ وَآلُ الْعَبَّاسِ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ [رواه عن زيد بن أرقم: الإمام أحمد في المسند ١٩٢٨٥، ومسلم: ٢٤٠٨، ولفظهما: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ...»، والطبراني: ٥٠٢٧ واللفظ له].

وقال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمَانَيْنَ، إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابِ الله، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا» [رواه عن زيد بن أرقم رضي الله عنه الترمذي: ۳۷۸۸، والنسائي في السنن الكبرى: ٨١٤٨، والطبراني في الكبير: ٤٩٦٩، والحاكم في المستدرك: ٤٥٧٦]، وقال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «مَعْرِفَةُ آلِ مَحَمَّدٍ بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ، وَحُبُّ آلِ مُحَمَّدٍ جَوَازُ عَلَى الصِّراطِ، والوِلايَةُ لَآلِ مُحَمَّدٍ أَمَانٌ مِنَ العَذَابِ» [أورده القاضي عياض في الشفا، في فصل في توقيره وبره ... رقم ١٢٧٢، ص ٥٢٨].

قال بعض العلماء: معرفتهم هي معرفة مكانتهم من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وإذا عَرَفَهُم بذلك، عَرَف وجوب حقهم وحرمته بسببه، وعن عمر بن أبي سلمة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ أنَّه قال: لَمَّا نزلت: ﴿إِنَّمَا یُرِیدُ ٱللَّهُ لِیُذۡهِبَ عَنكُمُ ٱلرِّجۡسَ أَهۡلَ ٱلۡبَیۡتِ وَیُطَهِّرَكُمۡ تَطۡهِیرࣰا﴾ [الأحزاب:٣٣]، وذلك فِي بَيْتِ أُمّ سَلَمَةَ دَعَا رَسولُ الله - صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاطِمَةَ وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا فَجَلَّلَهُمْ بِكِسَاءٍ، وَعَلِيٌّ خَلْفَ ظَهْرِهِ، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا» [الترمذي: ٣٧٨٧]، والمراد بالرجس الذُّنوب والآثام، وما يشينهم في الدنيا ويوم القيامة، ولكونه - صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وسَلَّمَ- جَلَّلهم بكساء، سمُّوا أهل الكساء، وهم المعرفون بأصحاب العبا، وفي حقهم يقول القائل:

لي خمسة أُطْفِئُ بِهِمْ  * * * حَرَّ لَهِيبِ الحَاطِمة

المصطفى والمُرتَضى * * * وابناهما والفَاطِمَة

وعن سعد بن أبي وقاص - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ - أَنَّه قال: لما نزلت آية المباهلة، وهي قوله تعالى: ﴿فَمَنۡ حَاۤجَّكَ فِیهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَاۤءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ فَقُلۡ تَعَالَوۡا۟ نَدۡعُ أَبۡنَاۤءَنَا وَأَبۡنَاۤءَكُمۡ﴾ ... الآية [آل عمران: ٦١]، دَعَا - صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلِيًّا وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا وَفَاطِمَةَ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي» [مسلم: ٢٤٠٤]، وقال صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عليٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنهُ: «اللَّهُمَّ مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ، فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ، اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ، وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ» [مسند الإمام أحمد: ٩٥٠، والنسائي في الكبرى: ٨٤١٩]، وقال فيه: «لا يُحِبُّكَ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا يَبْغَضُكَ إِلَّا مُنَافِقٌ» [الترمذي: ٣٧٣٦، ومسند الإمام أحمد: ٧٣١، والنسائي في الكبرى: ٨٤٣٣].

وقال - صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَدْخُلُ قَلْبَ رَجُلٍ الإِيمَانُ حَتَّى يُحِبَّكُمْ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ»، ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ آذَى عَمِّي فَقَدْ آذَانِي فَإِنَّمَا عَمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ» [الترمذي: ٣٧٥٨].

وقال أبو بكرٍ - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ: ارْقُبُوا مُحَمَّدًا - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَهْلِ بَيْتِهِ [البخاري: ٣٧٥١]، وقال - أيضًا - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي [البخاري: ٣٧١١].

وقال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «أَحَبَّ اللهُ مَنْ أَحَبَّ حَسَنَا وَحُسَيْنًا» [ابن ماجه: ١٤٤، ومسند الإمام أحمد: ١٧٥٦١، بلفظ «حُسَيْنٌ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ، أَحَبَّ اللَّهُ مَنْ أَحَبَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ، سَبِطَانِ مِنَ الْأَسْبَاطِ»].

وقال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «مَنْ أَحَبَّنِي وَأَحَبَّ هَذَيْنِ» - وأَشَارَ إِلَى الحَسَنِ والحُسَينِ -رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا- «وَأَبَاهُمَا وَأُمَّهُمَا كَانَ مَعِي فِي دَرَجَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ» [الترمذي: ٣٧٣٣، ومسند الإمام أحمد: ٥٧٦]، وقال عليه الصلاةُ والسَّلامُ: «مَنْ أَهَانَ قُرَيْشًا أَهَانَهُ اللَّهُ» [مسند الإمام أحمد: ٤٦٠]، وقال - عليه الصلاةُ والسَّلامُ: «قَدِّمُوا قُرَيْشًا وَلَا تَقَدَّمُوهَا» [مسند الشافعي – سنجر: ١٧٧٦]، وعَنْ عُقْبَةَ بْنِ الحَارِثِ، قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَحَمَلَ الحَسَنَ وَهُوَ يَقُولُ: بِأَبِي شَبِيهٌ بِالنَّبِيِّ، لَيْسَ شَبِيهٌ بِعَلِيٍّ، وَعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَضْحَكُ [البخاري: ٣٥٤٢].

وروي عن عبد الله بن الحسن - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ - أَنَّه قال: أتيت عمر بن عبد العزيز في حاجة، فقال: إذا كانت لك حاجة، فأرسل إلي أو اكتب؛ فإني أستحي من الله أن يراك على بابي [أورد هذا الأثر القاضي عياض في الشفا مذيلا بحاشية مزيل الخفاء عن ألفاظ الشفاء للشمني: ٢ /٤٩ ط دار الفكر].

وعن الشعبي، قال: صَلَّى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ عَلَى جِنَازَةِ أُمِّهِ، ثُمَّ قُرْبَتْ إِلَيْهِ بَغْلَتُهُ لِيَرْكَبَهَا، فَجَاءَ ابْنُ عَبَّاسِ فَأَخَذَ بِرِكَابِهِ، فَقَالَ زَيْدٌ: خَلْ عَنْهُ يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -فَقَالَ: هَكَذَا أُمِرْنَا أَنْ نَفْعَلَ بِالعُلَمَاءِ، فَقَبَّلَ زَيْدٌ يَدَ ابْنِ عبَّاسٍ، وَقَالَ: هَكَذَا أُمِرْنَا أَنْ نَفْعَلَ بِأَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - [أورد هذا الأثر القاضي عياض في الشفا مذيلا بحاشية مزيل الخفاء عن ألفاظ الشفاء للشمني: ٢ /٥٠ ط دار الفكر].

وروي أن الإمام مالكًا - رحمهُ اللهُ تَعَالَى - لَمَّا ضربه جعفر بن سليمان، ونال منه ما نال، وحمل مغشيًا عليه، فدخل عليه الناس فأفاق، فقال أشهدكم أني جعلت ضاربي في حل، فسئل بعد ذلك، فقال: خفت أن أموت فألقى النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأستحي منه أن يدخل بعض آله النار بسببي [أورد هذا الأثر القاضي عياض في الشفا مذيلًا بحاشية مزيل الخفاء عن ألفاظ الشفاء للشمني: ٢ /١١٣ ط دار الفكر].

وقوله: ونال منه ما نال؛ أي: من تجريده من ثيابه وسبه، وسبب ذلك أن جعفرًا بلغه أن الإمام مالكًا يقول: إنَّ الأيمان في بيعة الخلف ليس لازمًا؛ لأنَّ النَّاس يكرهونه، فغضب لذلك، وأحضره وفعل به ما مر.

وَقِيلَ: إِنَّ الْمَنْصُورَ أَقَادَهُ مِنْ جَعْفَرٍ فَقَالَ لَهُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ، وَاللَّهِ مَا ارْتَفَعَ مِنْهَا سَوْطٌ عَنْ جِسْمِي إِلَّا وَقَدْ جَعَلْتُهُ فِي حِلٍّ لِقَرَابَتِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقال أبو بكر بن عياش: لو أتاني أبو بكر، وعمر، وعلي في حاجة لبدأت بحاجة علي قبلها لقرابته من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [ينظر الشفا مذيلا بحاشية مزيل الخفاء عن ألفاظ الشفاء للشمني: ٢ /١١٣ ط دار الفكر].

وعنه - صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ مَاتَ عَلَى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ مَاتَ مُؤْمِنًا، ومَنْ مَاتَ عَلَى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ مَاتَ شَهِيدًا، ومَنْ مَاتَ عَلَى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ بَشَرَهُ مَلَكُ المَوْتِ بِالْجَنَّةِ، وَمَنْ مَاتَ عَلَى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ فُتِحَ لَهُ فِي قَبْرِهِ بَابَانِ إِلَى الْجَنَّةِ، ومَنْ مَاتَ عَلَى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ جَعَلَ اللهُ قَبْرَهُ مَزَارًا لِمَلائِكَةِ الرَّحْمَةِ، أَلَا وَمَنْ مَاتَ عَلَى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ مَاتَ عَلَى السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ، أَلا ومَنْ مَاتَ عَلَى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ يُزَفُّ إِلَى الجَنَّةِ كَمَا تُزَفُّ العَرُوسُ إِلَى بَيْتِهَا، أَلا وَمَنْ مَاتَ عَلَى بُغْضِ آلِ مُحَمَّدٍ مَاتَ كَافِرًا، أَلَا وَمَنْ مَاتَ عَلَى بُغْضِ آلِ مُحَمَّدٍ لَمْ يَشُمَّ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ» [الثعلبي في التفسير: ٨/٣١٤ ط دار إحياء التراث العربي]. حكاه القرطبي في تفسير سورة الشورى.

ثم رأيت المفسر الكبير العلامة الرازي الشهير نقل نحو هذا الحديث في السورة المذكورة عند قوله تعالى: ﴿قُل لَّاۤ أَسۡءَلُكُمۡ عَلَیۡهِ أَجۡرًا إِلَّا ٱلۡمَوَدَّةَ فِی ٱلۡقُرۡبَىٰۗ﴾ [الشورى: ٢٣]، ثم قال: رواه صاحب (الكشاف)، وقال نفعنا الله به: وأنا أقول: آل محمد -  - هم الذين يؤول أمرهم إليه، فكل من كان أمرهم إليه أشد وأكمل كانوا هم الآل، ولا شك أن فاطمة، وعليًّا، والحسن، والحسين كان التعلق بينهم وبين رسول الله - ﷺ - أشدَّ التَّعلقات، وهذا كالمعلوم بالنقل المتواتر فوجب أن يكونوا هم الآل.

وأيضًا - اختلف الناس في الآل فقيل: هم الأقارب، وقيل: هم أمته، فإن حملناه على القرابة فهم الآل، وإن حملناه على الأمة الذين قبلوا دعوته فهم - أيضًا - آل، فثبت على جميع التقديرات أنهم هم الآل، وأما غيرهم فدخولهم تحت لفظ الآل فمختلف فيه.

وروى صاحب الكشاف أنَّه لما نزلت هذه الآية، قيل: يا رسول الله، مَنْ قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم ؟، قال: «عَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ وَابْنَاهُمَا»، فثبت أن هؤلاء الأربعة أقارب النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وإذا ثبت هذا وجب أن يكونوا مخصوصين بمزيد التعظيم، ويدل عليه وجوه:

  • الأول: قوله تعالى: ﴿إِلَّا ٱلۡمَوَدَّةَ فِی ٱلۡقُرۡبَىٰۗ﴾ [الشورى: ۲۳] ووجه الاستدلال به ما سبق.
  • الثاني: لا شك أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يُحِبُّ فاطمة عليها السلام؛ قال: «فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي يُؤْذِينِي مَا يُؤْذِيْهَا» [مسلم بنحوه: ٢٤٤٩]، وثبت بالنقل المتواتر عن سيدنا مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ عليًا والحسن والحسين، وإذا ثبت ذلك وجب على كل الأمة حبهم لقوله: ﴿وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، ولقوله تعالى: ﴿فَلۡیَحۡذَرِ ٱلَّذِینَ یُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦۤ﴾ [النور: ٦٣]، ولقوله تعالى: ﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِی یُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: ۳۱)، ولقوله: ﴿لَقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِیهِمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةࣱ﴾ [الأحزاب: ٢١].
  • الثالث: أنَّ الدُّعاء للآل منصب عظيم؛ ولذلك جعل هذا الدعاء خاتمة التشهد في الصلاة، وهو قوله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ...» إلى آخره [البخاري: ٣٣٧٠، ومسلم: ٤٠٦]، وهذا التعظيم لم يوجد في حق غير الآل، فكل ذلك يدل على أنَّ حِبَّ آل محمد واجب.

ومن كلام الشَّافعي رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنهُ:

يا راكبًا قِفْ بِالمُحَصَّبِ مِن مِنَى * * * واهتف بقاعِدِ خَيْفها والناهض

سحرًا إذا فاضَ الحَجِيجُ إِلَى مِنى * * * فيضًا كَمُلتَطِمِ الفُراتِ الفَائِضِ

إن كان رفضًا حُبُّ آلِ مُحَمَّدٍ * * * فَلْيَشْهَدِ الثقلان أنّي رافضي

وقد درج السلف الصالح على حب آل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وإكرامهم، وتعظيمهم، وتبجيلهم، والاعتناء بشأنهم وشرفهم، والقيام بحقوق قرابتهم من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

ولله در الحسن بن هاني القائل:

قال لي قائل رأيتُكَ تَهْوَى * * * آل طه ودَائِمًا تَرْتَجِيهم

صار فرضًا عَلَيْكَ تَستغرق المـ * * * دح جميعًا فيهم وفيمن يليهم

قلت: ماذا أقولُ والكون طرًا * * * يستمد النَّوالَ مِنْ ناديهم

أنا لا أستطيع أمدح قومًا * * * كان جبريل خَادِمًا لأبيهم

وما أحسن ما قاله فيهم الكميت بن زيد من قصيدة طويلة بائية تضمنت ما يعذب ذكره من مدح العترة النبوية؛ وهو:

طَرِبْتُ وما شَوْقًا إلى البيضِ أَطْرَبُ * * *ولا لعبًا مني وذو الشَّيْبِ يَلْعَبُ؟

وَلَمْ تُلْهِنِي دار ولا رَسْمُ مَنْزِل * * * ولَمْ يَتَطَرَّبْنِي بَنَانٌ مُخَصَّبُ

ولا أنا مِمَّن يَزْجُرُ الطَّيْرَ هَمُّهُ * * * أَصَاحَ غُرَابٌ أَمْ تَعَرَّضَ ثعْلَبُ

ولا السانحات البارِحاتُ عَشِيَّةً * * * أمَرَّ سَلِيمُ القَرْنِ؟ أَمْ مَرَّ أَعْضَبُ؟

ولكن إلَى أَهْلِ الفَضائِلِ والنُّهَى * * * وخَيْرِ بَنِي حَوَّاءَ والخَيْرُ يُطْلَبُ

إلى النَّفَرِ البِيضِ الَّذِينَ بِحُبِّهِمْ * * * إلى الله فيما نابَنِي أَتَقَرَّبُ

بَنِي هَاشِمٍ رَهْطِ النَّبِيِّ وَإِنَّنِي * * * بهِمْ وَلَهُمْ أَرْضَى مِرارًا وأَغْضَبُ

خَفَضْتُ لَهُمْ مِنِّي جَنَاحَ مَوَدَّتي * * *إلى كَنَفٍ عِطْفَاهُ أَهْلٌ وَمَرْحَبُ

بأي كتاب أم بِأَيَّةِ سُنَّةٍ * * * تَرَى حُبَّهُمْ عارًا علي وتحسب

وما لِي إِلَّا آلَ أَحمدَ شِيعَةٌ * * * وما لِي إِلَّا مَشعب الحَقِّ مَشْعبُ

ومَنْ غَيْرُهُم أرْضَى لنفسي شيعة * * * ومن غيرَهُمْ مِمَّن أُجِلُّ وأَرْهَبُ

إليكم ذوي آلِ النَّبِيِّ تَطَلَّعَتْ * * * نوازِعُ مِن قَلْبِي ظماء وألبب

وَجَدْنا لكم في آل حم آيةً * * * تَأَوَّلَها مِنَّا تَقِيُّ ومُعرب

فإنِّي عَن الأمر الذي تكرَهُونَهُ * * * بِقَولي وَفِعلِي ما استَطَعتُ لأجنَبُ

يُشِيرُونَ بِالأَيْدِي إِلَيَّ وَقَوْلُهُمْ * * * ألا خاب هذا والمُشِيرُونَ خُيِّبُ

فطائفة قد أكفرتني بحبهم * * *وطائفة قالوا: مسيءٌ وَمُذْنِبُ!!

يعيبونني من غيهم وضلالهم * * * على حبكم بل يسخرون وأعجب

وقالوا تُرَابِيُّ هَوَاهُ ورأيُه * * *  بذلِكَ أُدعَى فِيهُمُ وألَقَّبُ

فلا زِلْتُ فِيهِمْ حَيثُ يَتَّهِمُونَنِي * * * ولا زلتُ في أَشْيَاعِهِمْ أَتَقَلَّبُ

ألم ترني في حب آل محمد * * * أروح وأغدو خائفًا أترقب

كأني جان محدث وكأنما * * * بهم يتقي من خشية العر أجرب

على أي جُرْمٍ أَمْ بِأَيَّةِ سِيرَةٍ * * * أُعَنَّفُ في تقريظهم وأُكَذَّبُ

أُناسٌ بِهِمْ عَزَّتْ قُرَيْش فَأَصْبَحَتْ * * * وفيهم خباءُ المَكْرمَاتِ المَطَنَّبُ

الخلاصة

إن تعظيم آل البيت ليس مجرد عاطفة، بل هو اتباع للأمر الإلهي والاقتداء بالنهج النبوي وسير السلف الصالح، وكما قال الإمام الشافعي، فإن هذا الحب هو الفرض الذي أنزله الله في القرآن، وهو المشرب الذي لا يضل متبعه.

موضوعات ذات صلة

إن "آل البيت" هم من تحرم عليهم الصدقة، ويشملون آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل العباس،

يقدم الإمام الرفاعي دستورًا أخلاقيًّا يوازن بين اعتزال أهل الغفلة ومعانقة أدب الخدمة

الخير كله يكمن في اتباع نهج السلف، وأسمى مراتب السعادة تتحقق بالعمل بشريعة سيد الخلق صلى الله عليه وسلم

لزوم جادة الصواب بالسير بين حائطي الشرع والعمل

مصر، كنانة الله في أرضه وملاذ الأنبياء، تحمل في وجدان شعبها تدينًا فطريًا يتجسد في حب عميق متوارث لآل البيت رضوان الله عليهم