Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

مفهوم أحاديث الصفات في فكر الأئمة والمحدثين

الكاتب

أ.د/ أحمد نبوي الأمين العام للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية

مفهوم أحاديث الصفات في فكر الأئمة والمحدثين

إن قضية الصفات الخبرية ليست مجرد معركة مصطلحات، بل هي اختبار لمدى تعظيمنا لله وجنابه الأقدس، فهل كان سلف الأمة مُثبتةً بالمعنى الحسي الذي يُروج له اليوم؟ أم كانوا مفوضةً يعتصمون بالسكوت والتسليم مع جزمهم بتنزيه الخالق عن مشابهة المخلوقين؟ في هذا البحث، نسرد الحقائق من أفواه أصحابها.

فهم الحفاظ والمحدثين لأحاديث الصفات:

إنَّ كبار الحفاظ والمحدثين من شُراح الصحيحين، وغيرهما: مطبقون جميعًا على أنَّ التعامل مع هذه الأحاديث إما بتفويض المعنى ونفي الكَيْف (يعني التسليم والسكوت)، أو التأويل، وتفويض المعنى ليس نفيًا للمعنى، وبه يتضح لك - بلا خفاء ولا شك ولا مريةٍ - أنَّ ما تدعو إليه (النابتة) من حمل الناس على مسلك (الإثبات)، بعيدٌ كلَّ البعد عن نهج السلف ونهج أهل الحديث، الذين يتمسحون فيهم.

نصوص المحدثين من السلف والخلف في طريقة فَهم أحاديث الصفات

١- قال الإمام أبو عيسى الترمذي (ت:٢٧٩هـ)، في (سننه) (٤/ ٢٧٣): "وقد رُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - روايات كثيرة مثل هذا: ما يُذكر فيه أمر الرؤية أنَّ الناس يرون ربهم وذكر القدم وما أشبه هذه الأشياء.

والمذهب في هذا عند أهل العلم من الأئمة؛ مثل: سفيان الثوري، ومالك بن أنس، وابن المبارك، وابن عيينة، ووكيع وغيرهم؛ أنهم رووا هذه الأشياء، ثم قالوا: "تروى هذه الأحاديث ونؤمن بها، ولا يقال: كيف؟ وهذا الذي اختاره أهل الحديث: أن يرووا هذه الأشياء كما جاءت، ويؤمن بها، ولا تفسر، ولا تتوهم، ولا يقال: كيف، وهذا أمر أهل العلم الذي اختاروه وذهبوا إليه".

٢- وقال الإمام الدارقطني (ت:٣٨٥هـ) في كتابه (الصفات) (صـ٤٠): حدثنا محمد بن مخلد، ثنا العباس بن محمد الدوري، قال: سمعت يحيى بن معين يقول: شهدت زكريا بن عَدي يسأل وكيعًا فقال: يا أبا سفيان إنَّ هذه الأحاديث، يعني: مثل الكرسي وموضع القدمين ونحو هذا، فقال وكيع: "أدركنا إسماعيل بن أبي خالد، وسفيان، ومسعودًا يحدثون بهذه الأحاديث ولا يفسرون شيئًا".

وبسنده (صـ٤١) عن الإمام سفيان بن عيينة أنه قال: "كل ما وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره، لا كيف ولا مثل".

وبسنده (صـ٤١) عن الإمام وكيع بن الجراح أنه قال: "نسلّم هذه الأحاديث كما جاءت، ولا نقول: كيف هذا؟ ولمَ جاء هذا؟".

وبسنده (صـ٤٤) عن الإمام الوليد بن مسلم، أنه قال: سألت الأوزاعي، ومالك بن أنس، وسفيان الثوري، والليث بن سعد عن هذه الأحاديث التي فيها الرؤية وغير ذلك، فقالوا: "أمضها بلا كيف".

٣- وقال الإمام أبو سليمان الخطابي (ت:٣٨٨هـ) في كتابه (أعلام الحديث) - وهو أول شرح لصحيح البخاري- (١/ ٦٣٧): "هذا الحديث وما أشبهه من الأحاديث في الصفات كان مذهب السلف فيها الإيمان بها وإجراؤها على ظاهرها ونفي الكيفية عنها".

وقال أيضا: "وليس معنى اليد عندنا الجارحة، إنما هو صفة جاء بها التوقيف، فنحن نُطلقها على ما جاءت ولا نُكيّفها، وننتهي إلى حيث انتهى بنا الكتابُ والأخبارُ المأثورة الصحيحة، وهو مذهب أهل السنة والجماعة". (٤/ ٢٣٤٧)

٤- وقال الإمام أبو الحسن ابن بطال (ت:٤٤٩هـ) في (شرح صحيح البخاري) (٣/ ١٣٧): "ولا فرق بين الإتيان والمجيء والنزول، إذا أضيف جميعُ ذلك إلى الأجسام التي يجوزُ عليها الحركةُ والنقلة التي هي تفريغ مكان وشغل غيره، فإذا أضيف ذلك إلى من لا يليق به الانتقالُ والحركة، كان تأويل ذلك على حسب ما يليق بنعته وصفته عزَّ وجل".

٥- وقال حافظ المغرب الإمام ابن عبد البر المالكي (ت:٤٦٣هـ)، في كتابه (الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار) (٨/ ٥٩٦): "وأما قوله (يأخذها بيمينه) فهذا مجاز وحسنُ عبارة عن قبول الله تعالى للصدقة، ومعنى أخذ الله لها: قبوله تبارك وتعالى، لا يشبهه شيء، وليس كمثله شيء وهو السميع العليم".

وقال أيضًا في (الاستذكار) (٢/ ٥٣٠): "وقد قالت فرقة منتسبة إلى السنة: إنه ينزل بذاته، وهذا قول مهجور؛ لأنه تعالى ذكره ليس بمحل للحركات، ولا فيه شيء من علامات المخلوقات".

وقال في (التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد) (١٨/ ٣٤٥): "وأما قوله (يضحك الله) فمعناه: يرحم الله عبده عند ذاك، ويتلقاه بالرَّوْح والراحة والرحمة والرأفة، وهذا مجاز مفهوم، وقد قال الله عز وجل في السابقين الأولين والتابعين لهم بإحسان: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، وقال في المجرمين: ﴿فَلَمَّاۤ ءَاسَفُونَا ٱنتَقَمۡنَا مِنۡهُمۡ﴾ [الزخرف: ٥٥]. وأهل العلم يكرهون الخوض في مثل هذا وشبهه من التشبيه كله في الرضا والغضب، وما كان مثله من صفات المخلوقين، وبالله العصمة والتوفيق".

٦- وقال الإمام أبو عبد الله المازَري المالكي (ت:٥٣٦هـ) في (المُعلم بفوائد مسلم)، في شرح حديث الجارية «فأين الله؟ قالت: في السَّماءِ...» (١/ ٤١٢): "قيل: إنما أراد - عليه السلام - أن يتطلب دليلًا على أنها موحدة فخاطبها بما تفهمُ به قصدَه؛ إذ من علامات الموحّدين التوجهُ إلى السماء عند الدعاء وطلب الحوائج؛ لأن العرب التي تعبد الأصنام تطلب حوائجها من الأصنام، والعجم من النيران، فأراد – صلى الله عليه وسلم - الكشف عن معتقدها: هل هي من جملة من آمن؟ فأشارت إلى السماء؛ وهي الجهة المقصودة عند الموحّدين كما ذكرنا.

وقيل: إنما وجه السؤال بـ (أين) ها هنا: سؤالٌ عما تعتقده من جلال الباري سبحانه وعظمته، وإشارتها إلى السماء إخبارٌ عن جلالته تعالى في نفسها، والسماء قبلة الداعين، كما أن الكعبة قبلة المصلين، فكما لم يدلَّ استقبال الكعبة على أن الله جلت قدرته فيها، لم يدلَّ التوجهُ إلى السماء والإشارة على أن الله سبحانه حالٌّ فيها".

٧- وقال الإمام الحافظ الجليل، القاضي أبو بكر ابن العربي المالكي (ت:٥٤٣هـ) في كتابه (عارضة الأحوذي شرح سنن الترمذي) (٢/ ١٩٨): "واختلف الناس في هذا الحديث [أي: حديث الجارية] وأمثاله على ثلاثة أقوال: "فمنهم من رده لأنه خبر واحد، وردَّ بما لا يجوز ظاهره على الله، وهم المبتدعة، ومنهم من قبله وأمرّه كما جاء ولم يتأوله، ولا تكلم فيه مع اعتقاده أنه ليس كمثله شيء، ومنهم من تأوله وفسره، وبه أقول؛ لأنه معنى قريب عربي فصيح".

٨- وقال الإمام الحافظ الكبير، القاضي عياض (ت:٥٤٤هـ) في كتابه (مشارق الأنوار على صحاح الآثار) (٢/ ٢٣١): "وقيل (استوى) من المشكِل الذي لا يعلم تأويله إلا الله، وعلينا الإيمان به والتصديق والتسليم، وتفويض علمه إلى الله تعالى، وهو صحيح مذهب الأشعري، وعامة الفقهاء والمحدثين، والصواب إن شاء الله".

وقال في (إكمال المعلم بفوائد مسلم) (٢/ ٤٦٥): "لا خلاف بين المسلمين قاطبة - محدثهم وفقيههم ومتكلمهم ومقلدهم ونظارهم - أنَّ الظواهر الواردة بذكر الله في السماء كقوله تعالى: {ءَأَمِنتُم مَّن فِی ٱلسَّمَاۤءِ} [الملك:١٦] أنها ليست على ظاهرها، وأنها متأولة عند جميعهم".

٩- وقال الإمام الحافظ الفقيه المفتي، أبو عمرو ابن الصلاح (ت:٦٤٣هـ) في (فتاويه) وهو يتحدث عن آداب المفتي (١/ ٨٣): "ليس له إذا استُفتي في شيء من المسائل الكلامية أن يفتي بالتفصيل، بل يمنع مستفتيه وسائرَ العامة من الخوض في ذلك أصلًا، ويأمرهم بأن يقتصروا فيها على الإيمان جملة من غير تفصيل، ويقولوا فيها وفيما ورد من الآيات والأخبار المتشابهات: إنَّ الثابت فيها في نفس الأمر: كل ما هو لائق فيها بجلال الله وكماله وتقديسه المطلقين، وذلك هو معتقدنا فيها، وليس علينا تفصيله وتعيينه، وليس البحث عنه من شأننا، بل نَكِل علم تفصيله إلى الله تبارك وتعالى، ونصرف عن الخوض فيه قلوبَنا وألسنتَنا، فهذا ونحوه عن أئمة الفتوى هو الصواب في ذلك، وهو سبيل سلف الأمة وأئمة المذاهب المعتبرة وأكابر الفقهاء والصالحين، وهو أصوب وأسلم للعامة وأشباههم ممن يُدْغِلُ قلبه بالخوض في ذلك".

١٠- وقال شيخ الإسلام الإمام محيي الدين النووي (ت:٦٧٦هـ) في كتابه (المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج) (١٦/ ٢٠٤): "هذا من أحاديث الصفات وفيها القولان السابقان قريبًا:

 أحدهما: الإيمان بها من غير تعرض لتأويل، ولا لمعرفة المعنى، بل يؤمن بأنها حق وأنَّ ظاهرها غير مراد، قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١].

والثاني: يتأول بحسب ما يليق بها".

١١- وقال الإمام الكرماني (ت:٧٨٦هـ) في كتابه (الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري) (١/ ٢١٦): (والحديث من المتشابهات، والأمة في مثلها طائفتان: مفوضة، ومؤولة، والحق التفويض والوقف على قوله تعالى: (إِلَّا اللَّهُ) فِي ﴿وَمَا یَعۡلَمُ تَأۡوِیلَهُۥۤ إِلَّا ٱللَّهُۗ﴾ [آل عمران: ٧]".

١٢- وقال الإمام الحافظ سراج الدين ابن الملقن (ت:٨٠٤هـ) في كتابه (التوضيح لشرح الجامع الصحيح) (٢٣/ ١٨٠): "وهذا الحديث من أحاديث الصفات، وفيها مذهبان مشهوران: التأويل، والإمساك عنه مع الإيمان بها مع الاعتقاد أنَّ الظاهر غير مراد".

١٣- وقال الإمام الحافظ زين الدين العراقي (ت:٨٠٦هـ)، في (طرح التثريب في شرح التقريب) (٣/ ١١٢): "تكرر ذكر وجه الله تعالى في الكتاب والسنة، وللناس في ذلك - كغيره من الصفات - مذهبان مشهوران:

 أحدهما: إمرارها كما جاءت من غير كيف، فنؤمن بها ونكل علمها إلى عالمها مع الجزم بأنَّ الله ليس كمثله شيء، وأنَّ صفاته لا تشبه صفات المخلوقين.

وثانيهما: تأويلها على ما يليق بذاته الكريمة، فالمراد بالوجه الموجود".

١٤- وقال ولده الحافظ ابن الحافظ أبو زُرعة العراقي (ت:٨٢٦هـ)، في تكملته لـ (طرح التثريب في شرح التقريب) (٨/١٧٧): "وهذا كله بناء على طريقة التأويل وهي طريقة جمهور المتكلمين، والذي عليه جمهور السلف وطائفة من المتكلمين أنه لا يتكلم في تأويلها بل يؤمن بأنها حق على ما أراد الله، ولها معنى يليق بها وظاهرها غير مراد".

١٥- ونقل الإمام أبو عبد الله الأُبِّي (ت:٨٢٧هـ) في كتابه (إكمال إكمال المعلم في شرح صحيح مسلم) (٢/ ٢٤١): "كلامَ الإمام المازَري والقاضي عياض السابق في شرح حديث الجارية، ثم قال: "ما نُسب من القول بالجهة لم يقع إلا لأبي عمر ابن عبد البر في الاستذكار، ولابن أبي زيد القيرواني في الرسالة، وهو عنهما متأول".

١٦- وقال الإمام شمس الدين البِرْماوي (ت:٨٣١هـ) في كتابه (اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح) (١٧/ ٣٨٣): "والقصد من الباب: ذكرُ الظواهر المشعِرة بأنَّ الله تعالى في جهة العلو؛ لكن حقيقة ذلك محالٌ؛ لتنزُّهه تعالى عن الجهة والمكان؛ ففيه طريقتا التفويض والتأويل؛ لأنه من المتشابه، فتأويله بأنَّ المراد: علو ذاته وصفاته، لا الجهة والمكان".

١٧- وقال الإمام الكبير بدر الدين العيني (ت:٨٥٥هـ) في كتابه (عمدة القاري شرح صحيح البخاري): "والحديث من المتشابهات فحكمه التفويض أو التأويل بما يليق به"(٢٢/١٣٩).

١٨- وقال الإمام الكُوراني (ت:٨٩٣هـ) في كتابه (الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري) (٣/ ٢٠٦): "«ينزلُ ربنا كلَّ ليلةٍ إلى السماءِ الدنيا» النزول: هو الانتقال من فوق إلى أسفل، وهو عليه تعالى محال؛ فالناس فيه ثلاث فرق: حمله على ظاهره فضلوا، وسلّم طائفة أنَّ له معنى لا يعلم وهم السلف، وقالت طائفة: المراد دنو رحمته وهبوب نسيم غفرانه في وقت السحر للذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع، اللهمَّ احشرنا في زمرتهم، وامحُ عنا سيئاتنا".

وقال (٨/٢٥٠): "هذا الحديث من أحاديث الصفات، ومذهب السلف: الإمساك عن القول فيه، والتفويض إلى علمه تعالى، ومذهب الخلف: التأويل إلى معنى يلائم المقام".

١٩- وقال الإمام الحافظ المجتهد، جلال الدين السيوطي (ت:٩١١هـ) في كتابه (التوشيح شرح الجامع الصحيح) (٣/ ٩٨٩): "«ينزل ربنا»: هو من أحاديث الصفات المشكِلة، ولأهل السنة فيها مذهبان: الإيمان بها على طريق الإجمال مع التنزيه عن الكيفية والتشبيه وهو مذهب السلف، والتأويل على وجه يليق وهو مذهب الخلف".

وقال في كتابه (الديباج شرح صحيح مسلم بن الحجاج) (٦/ ١٨): "«إنَّ قُلوبَ بَني آدَمَ كُلَّها بينَ إصبَعَينِ» الحديث. قال النووي: فيه المذهبان: التفويض، أو التأويل على المجاز التمثيلي".

وقال في (الديباج) أيضًا (٢/ ٢١٦) في شرح حديث الجارية «فأين الله؟ قالت: في السماء...»: "هو من أحاديث الصفات يُفوض معناه ولا يخاض فيه مع التنزيه، أو يُؤول بأنَّ المراد امتحانها هل هي موحدة تقر بأنَّ الخالق المدبر هو الله وحده، وهو الذي إذا دعاه الداعي استقبل السماء، كما إذا صلى له يستقبل الكعبة، وليس ذلك لأنه منحصر في السماء، كما أنه ليس منحصرًا في جهة الكعبة، بل ذلك لأنَّ السماء قبلة الداعين كما أنَّ الكعبة قبلة المصلين، أم هي من الذين يعبدون الأوثان التي بين أيديهم".

 قال القاضي عياض: "لا خلاف بين المسلمين قاطبة أنَّ الظواهر الواردة بذكر الله في السماء ليست على ظاهرها بل متأولة عند جميعهم، فمن قال بإثبات جهة فوق من غير تحديد ولا تكييف من المحدثين والفقهاء والمتكلمين يؤول قوله تعالى: ﴿ءَأَمِنتُم مَّن فِي ٱلسَّمَاۤءِ﴾ [الملك: ١٦]؛ أي: على السماء، ومن قال من دَهماء النظّار وأصحاب التنزيه: بنفي الحد واستحالة الجهة في حقه تعالى، تأولوها تأويلاتٍ بحسب مقتضاها".

٢٠- وقال الإمام الحجة شهاب الدين القسطلاني (ت:٩٢٣هـ) في كتابه (إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري) (٧/ ٣٢١): "واختلف أئمتنا في ذلك؛ هل نؤوّل المشكل أم نفوض معناه المراد إليه تعالى؟ مع اتفاقهم على أنَّ جهلنا بتفصيله لا يقدح في اعتقادنا المراد منه، والتفويض مذهب السلف وهو أسلم، والتأويل مذهب الخلف وهو أعلم؛ أي أحوج إلى مزيد علم، فنؤوّل الإصبع هنا بالقدرة؛ إذ إرادة الجارحة مستحيلة".

٢١- وقال الإمام شيخ الإسلام زكريا الأنصاري (ت:٩٢٦هـ) في كتابه (منحة الباري بشرح صحيح البخاري) (١/ ٢٤٢): "(وجه الله) أي: جهتُه، وهذا من المتشابه، ففيه مذهبان: التفويض والتأويل".

٢٢- وقال الإمام المُلّا علي القاري (ت:١٠١٤هـ) في كتابه (مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح) (١/ ٧٦): "(بيده)؛ أي: كائنة بنعمته، وحاصلة بقدرته، وثابتة بإرادته، ووجه استعارة اليد للقدرة أنَّ أكثر ما يظهر سلطانها في أيدينا، وهي من المتشابهات".

ومذهب السلف فيها تفويض علمه إلى الله تعالى مع التنزيه عن ظاهره، وهو أسلم؛ حذرًا من أن يُعيَّن له غير مراد له تعالى، ويؤيده وقف الجمهور على الجلالة في قوله تعالى: ﴿وَمَا یَعۡلَمُ تَأۡوِیلَهُۥۤ إِلَّا ٱللَّهُۗ﴾ وعدُّوه وقفًا لازمًا، وهو ما في وصله إيهام معنى فاسد، ومن ثَمَّ قال أبو حنيفة - رحمه الله: "تأويل اليد بالقدرة يؤدي إلى تعطيل ما أثبته تعالى لنفسه، وإنما الذي ينبغي الإيمان بما ذكره الله تعالى من ذلك ونحوه على ما أراده، ولا يشتغل بتأويله؛ فنقول: له يد على ما أراده، لا كَيدِ المخلوقين".

ومذهب الخلف فيها تأويله بما يليق بجلال الله تعالى وتنزيه عن الجسم والجهة ولوازمها بناءً على أنَّ الوقف على ﴿وَٱلرَّٰسِخُونَ فِی ٱلۡعِلۡمِ﴾ [آل عمران: ٧]، وكان ابن عباس يقول: "أنا أعلم تأويله، وأنا من الراسخين في العلم".

قيل: وهذا أعلم وأحكم؛ أي: يحتاج إلى مزيد علم وحكمة، حتى يطابق التأويل سياق ذلك النص، وليس المعنى أنَّ مذهب الخلف أكثر علمًا، فالمذهبان متفقان على التنزيه، وإنما الخلاف في أنَّ الأولى ماذا؛ أهو التفويض أم التأويل؟

ويمكن حملُ الخلاف على اختلاف الزمان، فكان التفويض في زمان السلف أولى لسلامة صدورهم وعدم ظهور البدع في زمانهم، والتأويل في زمان الخلف أولى؛ لكثرة العوام وأخذهم بما يتبادر إلى الأفهام، وغلو المبتدعة بين الأنام، والله أعلم بالمرام".

٢٣- وقال الإمام ابن عَلّان الصديقي الشافعي (ت:١٠٥٧هـ)، في (الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية) (٣/ ٧٧): "وهذا كله بناءً على مذهب الخلف القائلين بالتأويل وهو أحكم، ومذهب السلف في ذلك وأمثاله: تنزيه الله تعالى عن ظاهره، وتفويضُ المراد منه إلى الله تعالى، وهو أسلم".

٢٤- ونقل محدث الحرمين الشريفين؛ الإمام المحدث عبد الله بن سالم البصري (ت:١١٣٤هـ)، في كتابه (ضياء الساري في مسالك أبواب البخاري) (١٠/ ٣٤٣): كلامَ الحافظ ابن حجر – الآتي - في شرح حديث النزول، واعتمده شرحًا للحديث.

٢٥- ونقل الإمام الحافظ اللُّغوي، محمد مرتضى الزبيدي (ت:١٢٠٥هـ)، في (إتحاف السادة المتقين) (٨/ ٣٤١): كلامَ الحافظ أبي زُرعة العراقي السابق، واعتمده وأقره.

٢٦- وقال العلامة الشَّبيهي الزَّرْهوني (ت: ١٣١٨هـ) في كتابه (الفجر الساطع على الصحيح الجامع) (١١/ ١٠٧): "الإصبع المعهود محال في حقه تعالى، وسبيل إطلاقه عليه سبيلُ غيره من المتشابه؛ كالوجه والعين واليد وغير ذلك، ومذهب السلف في ذلك التفويض والتنزيه وهو أسلم، ومذهب الخلف: التنزيه والتأويل وهو أعلم؛ أي: يحتاج إلى مزيد علم".

٢٧- وقال شيخ شيوخنا العلامة المحدث الدكتور: محمد محمد أبو شَهبة (ت:١٤٠٣هـ)، في كتابه (دفاع عن السنة) (ص ١٣٦): "وللعُلماء في هذا وأمثاله رأيان:

أ‌- رأي السلف؛ وهو الإيمان به كما ورد، مع عدم التمثيل والتكييف، وتنزيه الله عن ظاهره المعروف لنا، وتفويض علم معرفة حقيقته إلى الله -عزَّ وجلَّ.

ب‌- رأي الخلف - وهم المؤولة - وقد حملوا الكلام على المجاز؛ وذلك بتمثيل حب الله أولياءه المؤمنين وكراهية إيذائهم وإساءتهم، بهذه الصورة المعبرة المفهومة عند البشر".

نصوص الحافظ الذهبي في أنَّ تفويض المعنى هو مذهب السلف ومذهب أهل الحديث

قال الإمام الحافظ شمس الدين الذهبي (ت:٧٤٨هـ) في (سير أعلام النبلاء)

١- (٥/٤٥٠) "«إنَّ اللهَ خلقَ آدَمَ على صورَتِه» ... فهذا الصحيح مخرج في كتابي البخاري ومسلم؛ فنؤمن به، ونفوض، ونسلم، ولا نخوض فيما لا يعنينا، مع علمنا بأنَّ الله ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير".

٢- وقال في (٨/ ١٠٥): "فقولنا في ذلك وبابه: الإقرار، والإمرار، وتفويض معناه إلى قائله الصادق المعصوم".

٣- وقال في (١٠/ ٥٠٦): "قلتُ: قد فسر علماء السلف المهم من الألفاظ وغيرَ المهم، وما أبقَوا ممكنًا، وآيات الصفات وأحاديثُها لم يتعرضوا لتأويلها أصلًا، وهي أهم الدين، فلو كان تأويلها سائغًا أو حتمًا، لبادروا إليه، فعلم قطعًا أنَّ قراءتها وإمرارها على ما جاءت هو الحق، لا تفسير لها غير ذلك، فنؤمن بذلك، ونسكت اقتداءً بالسلف معتقدين أنها صفات الله تعالى استأثر الله بعلم حقائقها، وأنها لا تشبه صفات المخلوقين، كما أنَّ ذاته المقدسة لا تماثل ذوات المخلوقين، فالكتاب والسنة نطقا بها، والرسول - صلى الله عليه وسلم - بلغ، وما تعرض لتأويل، مع كون الباري قال: {لِتُبَیِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَیۡهِمۡ} [النحل: ٤٤]، فعلينا الإيمان والتسليم للنصوص، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم".

٤- وقال في (١٤/ ٣٩٧) عن حديث النزول: "وإن اعترف أنَّ هذا حق، ولكن [قال]: لا أخوض في معانيه، فقد أحسن، وإن آمن، وأوَّل ذلك كله، أو تأول بعضه، فهو طريقة معروفة".

٥- وقال في (١٤/ ٣٧٦): "ولابن خزيمة عظمة في النفوس، وجلالة في القلوب؛ لعلمه ودينه واتباعه السنة. وكتابه في (التوحيد) مجلد كبير، وقد تأول في ذلك حديث الصورة، فليُعذر من تأول بعض الصفات، وأما السلف، فما خاضوا في التأويل، بل آمنوا وكفوا، وفوضوا علم ذلك إلى الله ورسوله، ولو أنَّ كل من أخطأ في اجتهاده - مع صحة إيمانه، وتوخيه لاتباع الحق - أهدرناه، وبدعناه، لقلَّ من يسلم من الأئمة معنا، رحم الله الجميع بمنه وكرمه".

نصوص شيخ الإسلام وأمير المؤمنين في الحديث وإمام الحفاظ: ابن حجر العسقلاني

وقد أفردتُ كلام إمام الحفاظ ابن حجر العسقلاني؛ لجلالته ومكانته، ولكون شرحه (فتح الباري)، أعظم شروح البخاري بل شروح السنة كلها، فكلُّ الصيد في جوف الفَرا، فاستحق هذا الكتابُ وصاحبه، أن يكونا المصدر الرئيس لبيان مسالك أهل الحديث سلفًا وخلفًا، في كل ما يَعِنُّ من قضايا وبحوث:

١- قال في (٣/ ٣٦): "قوله «ينزلُ ربُنا إِلى السَّماءِ الدُّنيا» استدل به من أثبت الجهة، وقال هي جهة العلو، وأنكر ذلك الجمهور؛ لأنَّ القول بذلك يفضي إلى التحيز، تعالى الله عن ذلك، وقد اختلف في معنى النزول على أقوال:

  • فمنهم من حمله على ظاهره وحقيقته، وهم المشبهة، تعالى الله عن قولهم.
  • ومنهم من أنكر صحة الأحاديث الواردة في ذلك جملة، وهم الخوارج والمعتزلة، وهو مكابرة، والعجب أنهم أولوا ما في القرآن من نحو ذلك، وأنكروا ما في الحديث، إما جهلًا وإما عنادًا.
  • ومنهم: من أجراه على ما ورد، مؤمنًا به على طريق الإجمال، منزهًا الله تعالى عن الكيفية والتشبيه، وهم جمهور السلف، ونقله البيهقي وغيره، عن الأئمة الأربعة، والسفيانَيْن، والحمَّادَيْن، والأوزاعي والليث، وغيرهم.
  • ومنهم من أوله على وجه يليق مستعمل في كلام العرب.
  • ومنهم من أفرط في التأويل، حتى كاد أن يخرج إلى نوع من التحريف.
  • ومنهم من فصل بين ما يكون تأويله قريبًا مستعملًا في كلام العرب، وبين ما يكون بعيدًا مهجورًا فأول في بعض وفوض في بعض، وهو منقول عن مالك، وجزم به من المتأخرين ابن دقيق العيد.

قال البيهقي: وأسلمها الإيمان بلا كيف والسكوت عن المراد، إلا أن يرد ذلك عن الصادق فيصار إليه، ومن الدليل على ذلك: اتفاقهم على أنَّ التأويل المعين غير واجب، فحينئذ التفويض أسلم، وسيأتي مزيد بسط في ذلك في كتاب التوحيد إن شاء الله تعالى.

وقال ابن العربي: حُكي عن المبتدعة ردُّ هذه الأحاديث، وعن السلف إمرارها، وعن قوم تأويلها وبه أقول".

٢-  وقال في (١/ ٢١٠): "لفظ الصوت مما يتوقف في إطلاق نسبته إلى الرب، ويحتاج إلى تأويل".

٣- وقال في (١/ ٢٦٦): "وفي قصة موسى والخضر من الفوائد: أنَّ الله يفعل في ملكه ما يريد، ويحكم في خلقه بما يشاء، مما ينفع أو يضر، فلا مدخل للعقل في أفعاله، ولا معارضة لأحكامه، بل يجب على الخلق الرضا والتسليم، فإنَّ إدراك العقول لأسرار الربوبية قاصر، فلا يتوجه على حكمه لِمَ ولا كيف، كما لا يتوجه عليه في وجوده أين وحيث".

٤- وقال في شرح قوله - صلى الله عليه وسلم: «أو أنَّ ربه بينه وبين القبلة» (١/ ٥٠٨): "وفيه الرد على من زعم أنه على العرش بذاته، ومهما تؤول به هذا، جاز أن يتأول به ذاك والله أعلم".

٥- وقال في (٢/ ٦١٧): "الغَيْرة - بفتح الغين المعجمة - وهي في اللغة: تغيرٌ يحصل من الحمية والأَنَفَة، وأصلها في الزوجين والأهلين، وكل ذلك محالٌ على الله تعالى؛ لأنه منزه عن كل تغير ونقص، فيتعين حملُه على المجاز... وقال ابن دقيق العيد: أهل التنزيه في مثل هذا على قولين: إما ساكت، وإما مؤول على أنَّ المراد بالغيرة: شدةُ المنع والحماية فهو من مجاز الملازمة".

٦- وقال في (٧/ ١٥٠): "ونسبة الضحك والتعجب إلى الله مجازية، والمراد بهما الرضا بصنيعهما".

٧- وقال في (٧/ ١٥٥): "والمراد باهتزاز العرش استبشاره وسروره بقدوم روحه، يقال لكل من فرح بقدوم قادم عليه اهتز له، ومنه اهتزت الأرض بالنبات، إذا اخضرت وحسنت".

٨-  وقال في (٧/ ١٥٦): "ومع ذلك فمعتقد سلف الأئمة وعلماء السنة من الخلف أنَّ الله منزه عن الحركة والتحول والحلول، ليس كمثله شيء".

٩- وقال في (٨/ ٥٩٦): "واختلف في المراد (بالقَدَم) فطريق السلف في هذا وغيره مشهورة، وهو أن تمر كما جاءت ولا يتعرض لتأويله، بل نعتقد استحالة ما يوهم النقص على الله، وخاض كثير من أهل العلم في تأويل ذلك".

١٠- وقال في (١١/ ١٣٣): "النزول محال على الله؛ لأنَّ حقيقته الحركة من جهة العلو إلى السفل، وقد دلت البراهين القاطعة على تنزيهه عن ذلك، فليتأول ذلك بأنَّ المراد نزول ملك الرحمة ونحوه، أو يفوض مع اعتقاد التنزيه".

١١- وقال في (١٣/ ٣٧٢): "ولو قال من ينسب إلى التجسيم من اليهود: لا إله إلا الذي في السماء، لم يكن مؤمنًا كذلك، إلا إن كان عاميًا لا يفقه معنى التجسيم فيكتفى منه بذلك، كما في قصة الجارية التي سألها النبي - صلى الله عليه وسلم: «أَنْتِ مُؤْمِنَةٌ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَيْنَ اللهُ؟ قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ، فَقَالَ: أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ»، وهو حديث صحيح أخرجه مسلم".

١٢- وقال في (١٣/ ٤٦٦): "وإذا ثبت ذكر الصوت بهذه الأحاديث الصحيحة وجب الإيمان به، ثم إما التفويض وإما التأويل، وبالله التوفيق".

١٣- وقال في (١٣/ ٤١٢): "قال الكرماني: قوله (في السماء) ظاهره غير مراد؛ إذ الله منزه عن الحلول في المكان، لكن لما كانت جهة العلو أشرف من غيرها، أضافها إليه إشارة إلى علو الذات والصفات، وبنحو هذا أجاب غيره عن الألفاظ الواردة من الفوقية ونحوها".

١٤- وقال في (الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة) (٥/ ٣٧٠)، في ترجمة ابن رُشيد السبتي (ت:٧٢١هـ): "قال الذهبي: وأخبرني ابن المرابط قال: كان شيخنا ابن رُشيد على مذهب أهل الحديث في الصفات يُمِرُّها ولا يتأولُ".

وهذا نص واضح للحافظ الذهبي وإقرار شيخ الإسلام ابن حجر له أنَّ مذهب أهل الحديث في الصفات هو الإمرار وتفويض المعنى.

٥- تعقيب على أقوال العلماء في فهمهم لأحاديث الصفات

 تعليقًا على ما تقدم من النصوص والنقول، أقول:

١- هذه نصوص المحدثين والحفاظ، من السلف والخلف، تؤكد - لكل منصف خلا من التعسف - أنَّ مذهب السلف في الصفات هو تفويض المعنى (بمعنى التسليم والسكوت)، وليس هو (الإثبات) - المفضي لا محالة إلى التشبيه والتمثيل - والذي طنطن حوله ابن تيمية (ومن تابعه من نابتة العصر) وسعى بكل سبيل ليثبته مذهبًا للسلف الكرام!

٢- أنَّ التفويض أو التأويل هما المسلكان الوحيدان اللذان أقرهما شراح البخاري ومسلم وغيرهما من كبار المحدثين والحفاظ - قبل ابن تيمية وبعده - وهذا جلي واضح من النصوص المشار إليها، فهل نترك كلام وتقرير جمهور علماء الأمة من محدثيها وحفاظها، ونمشي خلف (عالم) حكَم الأئمة على مسلكه بأنه قد جانب فيه الصواب؟

٣- أنَّ عقيدة أهل الحديث وهي تفويض المعنى، جزء لا يتجزأ من معتقد الأشاعرة الذي أقر المسلكين (التفويض أو التأويل)، وبناءً عليه قرر العلماء أنَّ أهل السنة والجماعة هم (الأشاعرة والماتريدية ومفوضة أهل الحديث والأثر)؛ وجمهور المحدثين كانوا على اعتقاد الأشاعرة، وهذا مما لا يختلف فيه اثنان، ولا يتناطح فيه عنزان، ومهما حاول المزيفون قلب الحقائق الثابتة، فالنصوص السابقة هي الناطقة الشاهدة.

٤- فإذا كان المحدثون في أكثرهم أشاعرة، فَلِمَ تم إفرادهم بالذكر في تقسيمنا لأهل السنة؟

والجواب: أنه تم إفرادهم؛ لأنَّ طريقة التأليف في العقيدة عندهم تختلف عن طريقة المتكلمين، وانظر – مثلًا - إلى كتاب (الصفات) للإمام الدارقطني، وكتابي: (الأسماء والصفات) و(الاعتقاد) للإمام البيهقي، تجد برهانَ ذلك، إضافة إلى ارتكاز المحدثين على المنقول أكثر من المعقول، بخلاف المتكلمين.

٥- وأخيرًا: إنَّ مسألة الصفات الخبرية هي من فروع العقيدة لا من أصولها، فمما هو مقرر عند العلماء أنَّ للعقيدة أصولًا وفروعًا، فلو أنَّ عوام الناس ماتوا ولم يعرفوا عنها شيئًا ما نقص ذلك من إيمانهم شيئًا، فجعلُ هذه المسألة (أصلَ الأصولِ العقدية)، كما فعلت التياراتُ التي تنسب نفسها إلى السلف: هو أمر في غاية الخطورة؛ لما فيه من الشذوذ عن مسالك جمهرة الأئمة والفحول، ولما يترتب عليه من خلل كبير في المنهجية العلمية التي تركها لنا علماؤنا، فهو تهورٌ لا نقبله، بل يجب تقليم أظافر فاعليه.

الخلاصة

مذهب جمهور العلماء دار بين التفويض والتأويل السائغ، وكلاهما يشتركان في نفي الكيفية والجهة والحركة عن الذات العلية، والتفويض ليس جهلًا باللغة بل هو منتهى العلم، وادعاء الإثبات الحسي خروجٌ عن جادة أهل العلم من الأئمة والحفاظ عبر القرون، والخلاف في الصفات الخبرية من فروع العقيدة لا أصولها، وجعلها معيارًا للحكم على الإيمان شذوذٌ منهجي يخالف مسالك كبار الأئمة.

موضوعات ذات صلة

صفات لله تعالى التي وردت في الكتاب والسنة، واختلفت الفرق في فهمها بين الإثبات الظاهري والتأويل.

متى ترفّعتِ العقيدةُ عن حُجبِ التجسيم استنارَ العقلُ بقداسةِ (الذاتِ العلية)، فتتهاوى أمامَ جلالِها نزعاتُ التطرُّف.

أطبق أئمة السلف كالإمام أحمد والطبري على تنزيه الله عن الجسمية داحضين زعم ابن تيمية من المتأخرين القائل بأن نفيها بدعة.

إن الادعاء بتحليل الإمام القرطبيّ للاستواء "حقيقة" بالمعنى التجسيمي ثم مخالفته للسلف متعمدًا هو فهم قاصر ومجتزأ.

الباري سبحانه وتعالى متعالٍ عن الحدود والأبعاض والمكان.

موضوعات مختارة