إن إحياء ليلة القدر ليس مجرد سهرٍ بالأبدان، بل
هو معراج بالقلوب إلى حضرة الملكوت؛ تبدأ أولى منازله:
١- استحضار النية وتصفية
السريرة، قال ابن المبارك: "رب عمل صغير تعظمه النية ورب عمل كبير
تصغره النية"[أزهري أحمد محمود: درة القلوب الإخلاص، ص١٠]؛ لذا كان الصدق مع
الله هو بوابة الدخول، حيث يرى الحق من قلبك حقيقة الهدي النبوي «إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّةِ»
[البخاري:٥٤].
إن النية هي روح العمل التي بها يحيا
أو يموت؛ فمهما اتسع حجم الطاعة وتعاظم مجهود البدَن، فإنها تظل جسدًا بلا روح إذا
خلت من تصحيح القصد، بينما يبارك الله في يسيرِ العمل ويجعله في الميزان ثقيلًا
إذا ما استقام فيه القلبُ لله، فالكريم سبحانه يشتري صدق الضمائر لا مجرد كثرة
المظاهر.
٢- الإخلاص وحضور
القلب، لا مجرد تكثير الركعات والبدن لاهٍ؛ فركعة
واحدة بخشوع وتدبر خيرٌ من مائة ركعة غابت فيها الروح؛ لذا وجب التركيز على
"كيفية" الوقوف بين يدي الله، وإطالة السجود تضرعًا وانكسارًا، فإن أقرب
ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، مستحضرًا اليقين التام بالإجابة؛ فإن الشك حاجزٌ
يمنع فيض النفحات.
٣- إن من أعظم القربات في ليلة القدر "مقام
الإلحاح" في
المسألة؛ فالله سبحانه يحب من عبده أن يطرق باب فضله بيقين المضطر، وأن يلحَّ في
طلب نوالها وذخرها بقلبٍ لا يرى مرجوًا سواه، ويتجلى كمال الأدب في هذا الإلحاح
حين يتحقق العبد بحقيقة نفسه؛ فكما قال ابن عطاء الله السكندري في حِكمه: "تحقق
بأوصافك يمدك بأوصافه تحقَّق بذُلك
يمُدُّك بعزِّه، تحقَّق بعجزِك يمدُّك بقدرته، تحقَّق بضعفك يمدُّك بقوته"
[ابن عطاء الله السكندري: الحكم العطائية: ١٥٠].
والمعنى أنك كلما توغلت في إظهار
فقرك وافتقارك، غمرك الله بفيض غناه، وكلما أعلنت ذُلَّك بين يديه، رفعك بعزه،
وكلما اعترفت بعجزك وضعفك البشري، أمدك بمدد من قدرته وقوته. فالدعاء في هذه
الليلة ليس مجرد كلمات تُسرد، بل هو حالُ انكسار تستمطر به سحائب الجود الإلهي،
لتخرج من ليلتك وقد لَبستَ من أنوار كرمه ما يليق بعظيم افتقارك إليه، فليتبرأ العبد
من حوله وقوته إلى حول الله وقوته "لا حول ولا قوة إلا بالله".
كما قال الشيخ أبو الحسن رضي اللّه
تعالى عنه في حزبه الكبير : "نسألك الفقر مما سواك، والغنى بك حتى
لا نشهد إلا إياك، ومن أراد أن يمده اللّه بالعز الذي لا يفنى فليتحقق بالذل للّه
والتواضع بين خلقه، فمن تواضع دون قدره رفعه اللّه فوق قدره، ومن أراد أن يمده
اللّه بالقدرة الخارقة للعوائد فليتحقق بعجزه، ويتبرأ من حوله وقوته، ومن أراد
أن يمده اللّه بالقوة على طاعة مولاه ومجاهدة نفسه وهواه فليتحقق بضعفه، ويسند أمره إلى سيده، فبقدر ما تعطي تأخذ، وبقدر ما تتخلق تتحقق، وبقدر ما
تتحقق بوصفك يمدك بوصفه".
وكما قال القائل:
تحقق بوصف الفقر في كل لحظة *** فما أسرع الغنى إذا صحح الفقر
وإن تردن بسط المواهب عاجلا *** ففي فاقة ريح المواهب ينشر
وإن تردن عزّا منيعًا مؤيدا *** ففي الذل يخفى العز بل ثم يظهر
وإن تردن رفعا لقدرك عاليا *** ففي وضعك النفس الدنية يحضر
وإن تردن العرفان فافن عن الورى *** وعن كل مطلوب سوى الحقّ تظفر
ترى الحق في الأشياء حين تلطّفت *** ففي كل موجود حبيبي ظاهر
٢- التبتل
لله: إن جوهر العبادة في هذه الليالي
المباركة يكمن في تحقيق مقام (التبتل)، وهو في حقيقته ليس مجرد اعتزالٍ
للناس بالأبدان، بل هو "انقطاعٌ قلبي" كامل لله تعالى، وتفريدٌ للوجهة
نحو حضرة القدس، استجابةً للأمر الإلهي: ﴿وَٱذۡكُرِ ٱسۡمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلۡ إِلَیۡهِ تَبۡتِیلࣰا﴾ [المزمل: ٨]، وهذا المقام هو الذي يمنح العبد الأهلية ليكون في كنف الله ورعايته؛
فمتى تحقق القلب بالانقطاع عن الخلائق، اتصل بمحبة الخالق، وغدا مشغوفًا بكل ما
يُقرّب إليه ويُدني من رضاه.
قال ابن كثير - رحمه الله - في
تفسيره: "أي: أكثِرْ من ذِكره، وانقطع إليه، وتفرَّغ لعبادته إذا فرغت من
أشغالك وما تحتاج إليه من أمور دنياك؛ كما قال -تعالى-: ﴿فَإِذَا
فَرَغۡتَ فَٱنصَبۡ﴾ [الشرح: ٧]؛ أي:
إذا فرغت من أشغالك، فانصَبْ في طاعته وعبادته؛ لتكون فارغ البال..، وقال ابن
عباس: ﴿وَتَبَتَّلۡ إِلَیۡهِ تَبۡتِیلࣰا﴾ [المزمل: ٨]،
أي: أخلِصْ له العبادة..، وقال الحسن: اجتهد
وبَتِّل إليه نفسك.
٣- الدعاء
والذكر: ليكن لسانك رطبًا بالاستغفار لنفسك
وللمؤمنين، مع الإلحاح الذي يحبه الله من عبده الملحّ، وملازمة دعاء النبي - صلى
الله عليه وسلم: «اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عني»، وأكثر من الصلاة على
النبي وآله والترضي عن صحابته، وسل الله العتق من النار، وصلاح الحال للأزواج
والذرية، وتيسير الرزق الحلال، فالدعاء في هذه الليلة هو حبل الوصل المتصل حتى
مطلع الفجر.
٤- العفو والصفح عن الآخرين: لا
يكتمل إحياء الليلة والمشاحنة تملأ الصدر؛ فاعفُ عمن أخطأ في حقك لتستنزل عفو الله
عنك.
٥- الصدقة: لا
تغفل عن بذل الصدقة بما تجود به نفسك، فهي برهان الصدق.
والله الموفق.