Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

هل غيرك رمضان

الكاتب

هيئة التحرير

هل غيرك رمضان

يُعد شهر رمضان محطة إيمانية استثنائية وفرصة ذهبية للتغيير الجذري نحو الأفضل، فهو ليس مجرد كفٍّ عن الطعام والشراب، بل هو مدرسة لتهذيب النفس وتصحيح المسار السلوكي والروحي، إن التغيير الحقيقي يبدأ بعزيمة صادقة تجعل من هذا الشهر نقطة انطلاق لصلة دائمة بالله وحياة ملؤها الانضباط والقيم.

أبرز جوانب التغيير في رمضان

شهر رمضان فرصة للتغيير الإيجابي نحو الأفضل، فرصة للتغيير والتصحيح والمحاسبة، تغيير في العبادة، والسلوك، والأخلاق، والمعاملات، والجوارح، والعادات، كم نرى ونشاهد ممن يدرك رمضان ويدخل عليه الشهر وحياته كما هي لم تتغير للأفضل، بل بعضهم ربما تغيرت للأسوأ فازدادت سيئاته وذنوبه ومعاصيه، نسأل الله العفو والعافية، يمر علينا رمضان أعوامًا عديدة، ليسأل كل واحد فينا نفسه، هل أثر فيه رمضان؟ هل غير من حياته نحو الأفضل؟ هل استفاد منه؟ ما أجمل أن يتغير المرء ويغير من حياته كلها، فيرجع العاصي إلى ربه، ويقترب البعيد، ويزداد الصالح صلاحًا، والمؤمن إيمانًا، كلنا يتمنى التغيير ولكن منا من يطلبه ويسعى إليه، ومنا من يتمناه ولكن دون عمل ولا فعل، يقول تعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمۡ یَكُ مُغَیِّرࣰا نِّعۡمَةً أَنۡعَمَهَا عَلَىٰ قَوۡمٍ حَتَّىٰ یُغَیِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِیعٌ عَلِیمࣱ﴾ [الأنفال: ٥٣]، فالتغيير يحتاج إلى عزيمة وإرادة جادة وقوية.

التغيير الروحي والعبادي: زيادة التقرب إلى الله، الطاعة، والمراقبة

بيّن الله تعالى الحكمة الكبرى من الصيام بقوله: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَیۡكُمُ ٱلصِّیَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]، فالتقوى هي الغاية، وهي حضور مراقبة الله في القلب الذي هو ملك الجوارح فيحملها على ترك المحرمات وفعل الواجبات، والصائم حين يترك الطعام والشراب وهو قادر عليهما، إنما يتدرّب على معنى أعظم: أن يترك كل ما لا يرضي الله، ولو كان قريبًا من نفسه.

ومن هنا فإن أول ما ينبغي أن يتغير في رمضان هو علاقتنا بالله تعالى؛ أن تتحول من علاقة موسمية إلى صلة دائمة، ومن عادة متكررة إلى عبادة حاضرة، كثير من الناس لا يدعون ربهم إلا عند الشدائد، ولا يكثرون من الاستغفار إلا بعد الخطأ، فإذا جاء رمضان وجدوا في أنفسهم إقبالًا عجيبًا، ودمعة قريبة، وخشوعًا لم يعتادوه، وهذا الإقبال هدية ربانية ينبغي أن تُستثمر.

غير علاقتك بربك في رمضان، إن الهدف الأسمى والغاية العظمى من الصيام كما قال تعالى: ﴿لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]، لنزداد تقربًا ويقينًا وتقوى وخوفًا وخشية ومراقبة لربنا سبحانه، لنقترب منه أكثر، بطاعته وعبادته، والبعد عن معصيته.

غير صلاتك في رمضان، صلي صلاة مختلفة في هذا الشهر، أقبل على صلاتك، وحافظ عليها في وقتها، ومع جماعة المسلمين في بيت الله، بقلب خاشع منيب خاضع، مطمئنًا فيها ساكنًا، وبكّر إلى المسجد، واجلس فيه لتنل فضائل وأجورًا عظامًا، أطل في صلاتك النوافل وفي سجودك وتلذذ بهما، وصل صلاة مودع، ستجد أن للصلاة لذة وراحة وسعادة، فحبيبك محمد صلى الله عليه وسلم كان ينادي بلالًا، ويَقُولُ: «‌يَا ‌بِلَالُ، ‌أَقِمِ ‌الصَّلَاةَ، ‌أَرِحْنَا ‌بِهَا» [سنن أبي داود (٤٩٨٥)]

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «‌أَقْرَبُ ‌مَا ‌يَكُونُ ‌الْعَبْدُ ‌مِنْ ‌رَبِّهِ ‌وَهُوَ ‌ساجد. فأكثروا الدعاء» [مسلم (٤٨٢)]، فهل جعلنا من سجودنا لحظة قرب حقيقية؟ وهل خصصنا لأنفسنا وقتًا نناجي فيه الله بعيدًا عن صخب الحياة؟ إن دقائق صادقة بعد كل صلاة، أو قيامًا يسيرًا في جوف الليل، قد تكون بداية تحول عميق لا يشعر به الإنسان إلا بعد حين.

غير علاقتك مع القرآن، فرمضان شهر القرآن، قال تعالى: ﴿شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِیۤ أُنزِلَ فِیهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدࣰى لِّلنَّاسِ وَبَیِّنَٰتࣲ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ﴾ [البقرة: ١٨٥]، كم ابتعد البعض منا عن القرآن، وهجره إما هجرًا لتلاوته، أو هجرًا لتدبره، أو هجرًا للعمل به، أو الاستشفاء به، أقبل على كتاب ربك بالإكثار من تلاوته، وتدبر آياته، وتوقف عند حدوده وأوامره، حرك به قلبك كما تحرك به لسانك، اختمه مرة واثنتين وثلاثًا، نظم أوقات قراءتك بين الصلوات، وستجد أن الأمر سهل ويسير، وتذكر دائمًا أن القرآن تجارة رابحة، قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ» [ الترمذي(٢٩١٠)]، فكم من آلاف الحسنات ستكتب في صحيفتك في جلسة واحدة.

التغيير السلوكي: ضبط النفس، الصبر، وترك العادات السيئة

غير قلبك في رمضان، لتفتش عما بداخله من أمراض وآفات وشهوات وشبهات، من حسد، وحقد، وبغض، ورياء، وعجب، وكبر، لنطهر قلوبنا من هذه الآفات، ونملؤها بالخشية واليقين والخوف والرجاء والحب لمولانا عز وجل، كم نسمع بمن حقد على أخيه المسلم فقطعه بسبب أمر دنيوي، شهورًا بل سنوات، يدخل عليه رمضان ويخرج وهو قاطع هاجر، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ، وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا» [مسلم (٢٥٦٥)].

غير أخلاقك في رمضان، رمضان شهر الصبر، والحلم، والأناة، والعفو والصفح، فالصوم يهذب الأخلاق ويسمو بها، ويزكيها، قال النبي عليه الصلاة «فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ» [البخاري (١٩٠٤)] فالصوم يمنعه من أن يرد على كل جاهل ومعتد وظالم.

ومن أعظم معاني الصيام أنه تدريب عملي على ضبط النفس، فالإنسان الذي يمتنع ساعات طويلة عن المباحات طاعةً لله، قادر بإذن الله أن يمتنع عن المحرمات، ولذلك عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» [البخاري (١٩٠٣)]

إن رمضان فرصة حقيقية لتغيير عادات رسخت في حياتنا؛ فالسهر الطويل على ما لا ينفع يمكن أن يتحول إلى وقت لقيام أو قراءة أو ذكر، والإفراط في استخدام وسائل التواصل يمكن أن يُضبط بوقت محدد لا يُتجاوز. والعصبية التي تثقل البيوت يمكن أن تهدأ حين يتذكر الصائم وصية سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم: «فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ، أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ» [البخاري (١٩٠٤)، مسلم (١١٥١)]، إنها تربية يومية على الحلم وكظم الغيظ.

حتى في الطعام والشراب، يدربنا رمضان على الاعتدال، ليعلمنا أن الإنسان ليس عبدًا لشهوته، بل قادر على قيادتها، فإذا استقام ميزان الشهوة، استقام كثير من السلوك.

غير تعاملك مع برامج التواصل الاجتماعي في رمضان، فكم ذهبت من أوقات، وضاعت من ساعات، وسجلت من سيئات، بسبب هذه البرامج، في رمضان خفف وقلل وابتعد عنها قليلًا، اجعلها معينة لك على الطاعة والقرب من الله، اقرأ فيها وتصفح ما يفيدك ويزيد من إيمانك، كن داعيًا إلى الخير بنشر كل خير ومفيد، وغض بصرك وجوارحك عن كل معصية، وكن ممن قال عنهم سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا »، واحذر أن تكون ممن قال فيهم: «وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا» [مسلم (٢٦٧٤)].

غير حواسك وجوارحك في رمضان، لسانك وعيناك، وأذناك، ويداك ورجلاك، اجعل هذه الجوارح شاهدة لك لا عليك في هذا الشهر، قال تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُو۟لَٰۤئِكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡءُولࣰا﴾ [النور: ٢٤]، فلسانك اجعله رطبًا بذكر ربك بالأذكار والقرآن، وعيناك وأذناك لا تنظر بهما ولا تسمع إلا ما يرضي ربك، فللأسف الكثير قد تساهل في ذلك تساهلًا كبيرًا في رمضان وغيره، فينظر إلى النساء عبر الشاشات والجوالات والأسواق، وقد يمتنع البعض عن ذلك في نهار رمضان وهذا أمر محمود، ولكنه يترك لنفسه العنان بعد الإفطار، فينظر إلى ما شاء، يقول تعالى: ﴿قُل لِّلۡمُؤۡمِنِینَ یَغُضُّوا۟ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِمۡ وَیَحۡفَظُوا۟ فُرُوجَهُمۡۚ ذَٰلِكَ أَزۡكَىٰ لَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِیرُۢ بِمَا یَصۡنَعُونَ﴾ [النور: ٣٠]، وقد سئل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجأة - أي النظر إلى النساء الأجانب - فقال: اصرف بصرك؟ عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ نَظْرَةِ الْفَجْأَةِ؟ فَقَالَ: «اصْرِفْ بَصَرَكَ» [سنن أبي داود (٢١٤٨)]، هذا التوجيه لمن نظرَ فجأةٍ، فكيف بالنظر المتعمد، وكم سيئة ستكتب على الناظر في كل نظرة إلى امرأة لا تحل له.

تغيير المعاملات: تحسين الأخلاق والمعاملات مع الناس

ما يناسب ذكره وتدارسه بعد رمضان حديث نافع عظيم، دلنا فيه النبي صلى الله عليه وسلم على ما ينفعنا في معاملتنا لله تعالى، ومعاملتنا للناس؛ ذلكم هو حديث أبي ذَرٍّ رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتَّقِ الله حَيْثُمَا كُنْتَ وَأَتْبِعْ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا وَخَالِقِ الناس بِخُلُقٍ حَسَنٍ» [الترمذي (١٩٨٧)].

وقريب منه هذا الحديث الجميل، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَكْثَرَ مَا يُدْخِلُ مِنَ النَّاسِ النَّارَ الْأَجْوَفَانِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا الْأَجْوَفَانِ؟ قَالَ: «الْفَرْجُ وَالْفَمُ»، قَالَ: «أَتَدْرُونَ أَكْثَرَ مَا يُدْخِلُ الْجَنَّةَ؟ تَقْوَى اللهِ، وَحُسْنُ الْخُلُقِ» [أحمد (٩٦٩٦)].

وفي حسن الخلق من الأجر والثواب ما لا يخطر على بال كثير من الناس؛ ففي حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الرَّجُلَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ الْخُلُقِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ» [أحمد (٢٥٥٣٥)]، وفي حديث أبي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه أن رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَا مِنْ شَيْءٍ أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ» [سنن أبي داود (٤٧٩٩)].

ولا يقف أثر رمضان عند حدود الفرد، بل يتعداه إلى المجتمع، ففيه تكثر الصدقات، وتفطير الصائمين، وفيه تلين القلوب، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ، لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا» [رواه الترمذي (٨٠٧)]، وفي هذا حث على الإحسان والتكافل.

وكم من رحم قُطعت ثم وُصلت في رمضان، وكم من خصومة انتهت على مائدة إفطار، وكم من محتاج وجد في هذا الشهر يدًا رحيمة تمتد إليه، إن تغيير علاقتنا بالناس جزء من صدق صيامنا؛ فلا يجتمع صيام صحيح مع قطيعة مستمرة، ولا عبادة خالصة مع ظلم للخلق، لذلك يقول سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعُ رَحِم» [سنن أبي داود (١٦٩٦)].

كذلك دعا الإسلام إلى العفو والصفح وهذا من مكارم الأخلاق، قال تعالى: ﴿فَمَنۡ عَفَا وَأَصۡلَحَ فَأَجۡرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِۚ﴾ [الشورى: ٤٠]، فالعفو في رمضان ليس ضعفًا، بل قوة نفس وسمو خلق.

غير أن التحدي الأكبر لا يكمن في التغيير خلال رمضان، بل في استمراره بعده، فكم من قلب رقّ في الشهر ثم قسا، وكم من عزيمة اشتعلت ثم خبت، والسبيل إلى الثبات أن نجعل لأنفسنا أعمالًا دائمة، ولو كانت قليلة، امتثالًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أَحَبُّ ‌الْأَعْمَالِ ‌إِلَى ‌اللهِ عز وجل ‌أَدْوَمُهَا ‌وَإِنْ ‌قَلَّ» [أحمد (٢٥٣١٧)].

فليختر كل واحد منا عبادة يداوم عليها بعد رمضان: ركعتين في جوف الليل، أو وردًا ثابتًا من القرآن، أو صدقة أسبوعية، أو صلة رحم منتظمة، وليجعل من هذا الشهر نقطة انطلاق لا محطة عابرة.

وأخيرًا، فإن رمضان هدية ربانية تتجدد كل عام، لكنها لا تُعطى المعنى نفسه لكل الناس؛ فمنهم من يخرج منه كما دخله، ومنهم من يخرج بقلب جديد، وعهد صادق، وحياة مختلفة، والتغيير ليس معجزة خارقة، بل قرار صادق يتبعه عمل مستمر.

فلنجعل من رمضان هذا العام بداية حقيقية؛ نصلح فيه ما بيننا وبين الله، فنجد أثر ذلك في أنفسنا وبيوتنا ومجتمعاتنا. ومن صدق في طلب التغيير أعانه الله عليه، فإن القلوب بيده سبحانه، وهو القائل في الحديث القدسي: «قَالَ اللَّهُ تبارك وتعالى: ‌يَا ‌ابْنَ ‌آدَمَ ‌إِنَّكَ ‌مَا ‌دَعَوْتَنِي ‌وَرَجَوْتَنِي ‌غَفَرْتُ ‌لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي» [الترمذي (٣٥٤٠)].

الخلاصة

إن العبرة من رمضان تكمن في أثره المستمر بعد رحيله، حيث يتحول الصيام من عادة موسمية إلى منهج حياة يضبط الجوارح ويُصلح المعاملات، فمن صدق مع الله في طلب التغيير خلال الشهر الفضيل، أعانه الله على الثبات، ليخرج بقلب جديد وعزم يمتد أثره طوال العام.

موضوعات ذات صلة

الصيام عبادة فريدة تمتاز بالسرية الكاملة بين العبد وربه، فهي مدرسة روحية تعلمنا كيف نخفي أعمالنا الصالحة.

دعوة إلى الإبحار في ملكوت الصيام، ليس باعتباره مجرد إمساك عن الطعام، بل بوصفه هندسة روحية تٌعيد بناء الإنسان من الداخل.

الصيام ليس مجرد إمساك عن الطعام والشراب، بل هو مدرسة ربانية لصناعة التقوى في النفوس.

موضوعات مختارة