ما يناسب ذكره وتدارسه بعد رمضان حديث نافع عظيم، دلنا فيه النبي صلى
الله عليه وسلم على ما ينفعنا في معاملتنا لله تعالى، ومعاملتنا للناس؛ ذلكم هو
حديث أبي ذَرٍّ رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتَّقِ
الله حَيْثُمَا كُنْتَ وَأَتْبِعْ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا وَخَالِقِ
الناس بِخُلُقٍ حَسَنٍ» [الترمذي (١٩٨٧)].
وقريب منه هذا الحديث الجميل، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ
ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَكْثَرَ مَا يُدْخِلُ مِنَ النَّاسِ النَّارَ
الْأَجْوَفَانِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا الْأَجْوَفَانِ؟ قَالَ:
«الْفَرْجُ وَالْفَمُ»، قَالَ: «أَتَدْرُونَ أَكْثَرَ مَا يُدْخِلُ الْجَنَّةَ؟
تَقْوَى اللهِ، وَحُسْنُ الْخُلُقِ» [أحمد (٩٦٩٦)].
وفي حسن الخلق من الأجر والثواب ما لا يخطر على بال كثير من الناس؛
ففي حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن
الرَّجُلَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ الْخُلُقِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ»
[أحمد (٢٥٥٣٥)]، وفي حديث أبي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه أن رَسُولَ الله صلى الله
عليه وسلم قال: «مَا مِنْ شَيْءٍ أَثْقَلُ فِي
الْمِيزَانِ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ» [سنن أبي داود
(٤٧٩٩)].
ولا يقف أثر رمضان عند حدود الفرد، بل يتعداه إلى المجتمع، ففيه تكثر
الصدقات، وتفطير الصائمين، وفيه تلين القلوب، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ
فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ، لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا» [رواه
الترمذي (٨٠٧)]، وفي هذا حث على الإحسان والتكافل.
وكم من رحم قُطعت ثم وُصلت في رمضان، وكم من خصومة انتهت على مائدة
إفطار، وكم من محتاج وجد في هذا الشهر يدًا رحيمة تمتد إليه، إن تغيير علاقتنا
بالناس جزء من صدق صيامنا؛ فلا يجتمع صيام صحيح مع قطيعة مستمرة، ولا عبادة خالصة
مع ظلم للخلق، لذلك يقول سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَدْخُلُ
الْجَنَّةَ قَاطِعُ رَحِم» [سنن أبي داود (١٦٩٦)].
كذلك دعا الإسلام إلى العفو والصفح وهذا من مكارم الأخلاق، قال تعالى: ﴿فَمَنۡ
عَفَا وَأَصۡلَحَ فَأَجۡرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِۚ﴾ [الشورى:
٤٠]، فالعفو في رمضان ليس ضعفًا، بل قوة نفس وسمو خلق.
غير أن التحدي الأكبر لا يكمن في التغيير خلال رمضان، بل في استمراره
بعده، فكم من قلب رقّ في الشهر ثم قسا، وكم من عزيمة اشتعلت ثم خبت، والسبيل إلى
الثبات أن نجعل لأنفسنا أعمالًا دائمة، ولو كانت قليلة، امتثالًا لقول النبي صلى
الله عليه وسلم: «أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ عز وجل أَدْوَمُهَا
وَإِنْ قَلَّ» [أحمد
(٢٥٣١٧)].
فليختر كل واحد منا عبادة يداوم عليها بعد رمضان: ركعتين في جوف
الليل، أو وردًا ثابتًا من القرآن، أو صدقة أسبوعية، أو صلة رحم منتظمة، وليجعل من
هذا الشهر نقطة انطلاق لا محطة عابرة.
وأخيرًا، فإن رمضان هدية ربانية تتجدد كل عام، لكنها لا تُعطى المعنى
نفسه لكل الناس؛ فمنهم من يخرج منه كما دخله، ومنهم من يخرج بقلب جديد، وعهد صادق،
وحياة مختلفة، والتغيير ليس معجزة خارقة، بل قرار صادق يتبعه عمل مستمر.
فلنجعل من رمضان هذا العام بداية حقيقية؛ نصلح فيه ما بيننا وبين
الله، فنجد أثر ذلك في أنفسنا وبيوتنا ومجتمعاتنا. ومن صدق في طلب التغيير أعانه
الله عليه، فإن القلوب بيده سبحانه، وهو القائل في الحديث القدسي: «قَالَ اللَّهُ تبارك وتعالى: يَا ابْنَ آدَمَ
إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ
وَلَا أُبَالِي» [الترمذي
(٣٥٤٠)].