Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

وداع شهر شوال .. كيف تثبت على الطاعة بعد رمضان؟

الكاتب

هيئة التحرير

وداع شهر شوال .. كيف تثبت على الطاعة بعد رمضان؟

مع انقضاء أيام شهر شوال، نقف وقفة وداع وتأمل؛ لا وداعَ حزنٍ وانقطاع، بل وداع شكرٍ وامتنان، فقد جعل الله هذا الشهر امتدادًا لنفحات رمضان، وجسرًا يربط بين القلوب وبين مواسم الطاعة القادمة، فهو ليس مجرد وقتٍ يمر، بل هو اختبار لصدق الاستقامة.

رحلة الاسم عبر التاريخ

لم يكن (شوال) هو الاسم الوحيد لهذا الشهر عبر العصور، بل تنوعت مسمياته عند العرب العاربة وثمود:

  • وَعِل: كان يُسمى بذلك؛ لأنه وقت (الوعل) وهو اللجوء والاحتراز؛ حيث كانت العرب تهرب فيه من الغارات، وتلتجئ إلى أمكنة تتحصن فيها قبل دخول الأشهر الحرم. [الأزهري، تهذيب اللغة، دار إحياء التراث، ج ٢، ص ٢١٨].
  • عاذِل :سُمي به؛ لأنه كان يعذلهم (أي: يلومهم) على الإقامة وقد حلت مواسم الحرب والغارات، وهو ما أنشده تأبط شرًا: فعاذل فينا عدل وعلان فاعلم. [المبرد، الكامل، ج ١، ص ١٩٨].
  • واغِل أو وَغْل: ومعناه الداخل على القوم في طعامهم بغير دعوة، في إشارة رمزية لدخوله بين رمضان وأشهر الحج. [كراع النمل، المنجد في اللغة، ص ١٢٠].
  • جَيْفَل ودَابِر:  من أسماء شوال عند العرب العاربة وقبيلة ثمود. [ابن دريد، كتاب الوشاح؛ المسعودي، مروج الذهب، ج ٢، ص ٢٠٤].

شوال… جائزةُ الطاعة وفرحةُ القبول

يطلُّ شوال متوَّجًا بـ عيد الفطر المبارك، وهو الجائزة التي وعد الله بها عباده الصائمين، فالفرح في شوال ليس فرحًا بترك العبادة، بل فرحٌ بالتوفيق لإتمامها.

وقد سمي عيد الفطر بهذا الاسم؛ لأن المسلمين يفطرون فيه بعد صيام شهر رمضان، ولأن الله تعالى يجزيهم فيه بالثواب الجزيل على صيامهم. وقال ابن عابدين: "سمي العيد بهذا الاسم؛ لأن لله تعالى فيه عوائد الإحسان، أي: أنواع الإحسان العائدة على عباده في كل يوم". [ابن عابدين، حاشية رد المحتار على الدر المختار، ٢/١٦٥].

وقد وصف العلماء هذا اليوم بأنه "يوم الجائزة"، ففي الأثر عن بعض السلف أنهم كانوا يقولون :"إنما سمي العيد عيدًا؛ لأن الله تعالى يعيد فيه على عباده أنواع الكرامات والمنح والجوائز، كما يعيدون فيه الفرح والسرور".  [لطائف المعارف، ص ٣٤٢].

وفي هذا المعنى، قال تعالى: ﴿قُلۡ بِفَضۡلِ ٱللَّهِ وَبِرَحۡمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلۡیَفۡرَحُوا۟ هُوَ خَیۡرࣱ مِّمَّا یَجۡمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨]، قال الإمام القرطبي في تفسير هذه الآية :" قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ وَابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: فَضْلُ اللَّهِ الْقُرْآنُ، وَرَحْمَتُهُ الْإِسْلَامُ. وَعَنْهُمَا أَيْضًا: فَضْلُ اللَّهِ الْقُرْآنُ، وَرَحْمَتُهُ أَنْ جَعَلَكُمْ مِنْ أَهْلِهِ. وَعَنِ الْحَسَنِ وَالضَّحَّاكِ وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ: فَضْلُ اللَّهِ الْإِيمَانُ، وَرَحْمَتُهُ الْقُرْآنُ، عَلَى الْعَكْسِ مِنَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَقِيلَ: غَيْرُ هَذَا. (فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا) إِشَارَةٌ إِلَى الْفَضْلِ وَالرَّحْمَةِ. وَالْعَرَبُ تَأْتِي "بِذَلِكَ" لِلْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمْعِ "[الجامع لأحكام القرآن: ٨/٣٥٣].

إنها فرحة العابد بطاعة معبوده، فرحة الصائم بفطره بعد طول صيام، فرحة التائب بقبول توبته، فرحة العائد إلى ربه بعد شهر من المغفرة والعتق من النار، يقول الحبيب النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ عز وجل يَقُولُ: إِنَّ الصَّوْمَ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، إِنَّ لِلصَّائِمِ فَرْحَتَيْنِ: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ، وَإِذَا لَقِيَ اللَّهَ فَرِحَ». [صحيح مسلم: ١١٥١].

الست من شوال… صيام الدهر والاستمرارية

إن من محاسن هذا الدين الحنيف، أنه جعل العبادة موصولة لا مقطوعة، وجعل للمسلم في أعقاب الفرائض نوافل تجبر الخلل، وتزيد في القربى، وإن مما شاع وذاع، وقامت عليه الأدلة الصحيحة من سنة سيدنا المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم :الحثُّ على صيام ستة أيام من شوال عقب إتمام صيام شهر رمضان المبارك، حيث ثبت في السنة النبوية المشرفة أن صيام هذه الأيام يعدل في الثواب صيام سنة كاملة؛ فقد روى الإمام مسلم في "صحيحه" عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أنَّ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَن صامَ رَمَضانَ ثُمَّ أتْبَعَهُ سِتًّا مِن شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْر». [مسلم: ١١٦٤]، وهذا الحديث أصلٌ في الباب، وهو يبين كرم الله الواسع، حيث جعل القليل من العمل يثمر الكثير من الأجر، استنادًا إلى قاعدة "الحسنة بعشر أمثالها".

إن الناظر في صنيع الفقهاء ومسالكهم في كيفية صيام هذه الأيام المباركة، يجد أنهم لم يقفوا عند حد المشروعية فحسب، بل غاصوا في تفاصيل الأداء من حيث التتابع والتفريق، تلمسًا للأفضل والأقرب لمقاصد العبادة، وقد لخص صاحب "اللطائف" هذه الرؤى في ثلاثة أقوال معتبرة:

القول الأول: استحباب المبادرة والتتابع

ذهب الإمام الشافعي وابن المبارك إلى استحباب صيامها متتابعة من أول الشهر (عقب يوم الفطر مباشرة)،

مستندين في ذلك لسرعة المبادرة إلى الخيرات، وامتثال أمر الله تعالى، مستدلين بما روي في حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: «مَنْ صَامَ سِتَّةَ أَيَّامٍ بَعْدَ الْفِطْرِ مُتَتَابِعَةً فَكَأَنَّمَا صَامَ السَّنَةَ»، وإن كان قد خرَّجه الطبراني وغيره من طرق فيها ضعف، ورُوي نحوه عن ابن عباس رضي الله عنهما موقوفًا، إلا أن العمل به في فضائل الأعمال سائغ.

القول الثاني: استواء التتابع والتفريق

وهو قول الإمام أحمد بن حنبل ووكيع، حيث ذهبا إلى أنه لا فرق بين أن يتابع المسلم صيامها أو يفرقها على مدار شهر شوال؛ فالمقصود هو إيقاع الصيام في هذا الشهر المخصوص؛ لأن النص النبوي جاء مطلقًا في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ»، والمطلق يجري على إطلاقه ما لم يقم دليل على التقييد، فالتوسعة هنا أرفق بالمكلف.

القول الثالث: كراهة الوصل والندب إلى التراخي

وهو مذهب معمر، وعبد الرزاق، وعطاء، حيث رأوا ألا تُصام عقب يوم الفطر مباشرة؛ لأنها أيام أكل وشرب واحتفاء بالعيد، بل يُندب صيامها مع "أيام البيض" (الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر) أو حولها،

رُوي عن عطاء كراهة صيام القضاء ووصله بالتطوع مباشرة، وأمر بالفصل بينهما بفطر؛ تمييزًا للفريضة عن النافلة، وصونًا لمقصد التوسعة على النفس في أيام العيد. [ابن رجب الحنبلي: لطائف المعارف، ط بن حزم، ص٢١٨-٢١٩].

إن هذا التعدد في وجهات النظر الفقهية ليس تضاربًا، بل هو ثراءٌ فكري يتيح للمسلم اختيار ما يناسب حاله وقدرته، فمن وجد في نفسه نشاطًا فبادر وتتابع فبِها فنِعمت، ومن احتاج للتراخي أو التفريق فلا حرج عليه، والأمر في ذلك واسع، والقبول عند الله تعالى مناطُه الإخلاص والمتابعة.

فوائد الصيام الروحية بعد رمضان

تتجلى حكمة التشريع في استمرارية الطاعة، حيث يقرر الإمام ابن رجب الحنبلي في [لطائف المعارف، ط ابن حزم، ص٢٢٠-٢٢١] أن العودة إلى الصيام بعد انقضاء شهر رمضان تحمل في طياتها فوائد جليلة ومقاصد نبيلة، يُمكن إيجازها فيما يلي:

أولًا: استكمال الأجر وتحقيق ديمومة العبادة

إن صيام ستة أيام من شوال بعد رمضان يعدُّ استكمالًا لأجر "صيام الدهر"؛ وهي منحة إلهية تضاعف الحسنات وترفع الدرجات، كما ثبت في السُّنة المشرفة.

ثانيًا: النوافل جَبرٌ للفرائض

تتنزل صيام أيام شوال وشعبان منزلة "السنن الرواتب" بالنسبة للصلاة المفروضة؛ فهي تأتي لتجبر ما قد يعتري الفريضة من خلل أو تقصير، ولما كان الغالب على أحوال الناس عدم خلو صيامهم من هفوة أو غفلة، كانت هذه النوافل مكملة لهذا النقص، ومن هنا كره السلف التزكية المطلقة للنفس بدعوى إتمام الصوم على وجه الكمال، فكان عمر بن عبد العزيز رحمه الله يرى في الصيام بعد الفطر وسيلة لتكفير السيئات، وجبرًا لمن لم يجد صدقة الفطر، قياسًا على الكفارات التي يقوم فيها الصوم مقام الإطعام.

ثالثًا: علامة القبول وإتباع الحسنة بمثلها

إن معاودة الطاعة بعد الطاعة هي أصدق برهان على قبول العمل عند المولى - عز وجل - فمن علامة قبول الحسنة التوفيق لحسنة بعدها، فإذا رُزق العبد صيامًا بعد رمضان، كان ذلك بشارة برضا الله عنه، بينما الإعراض عن الطاعة وإلحاقها بالمعاصي قد يكون نذيرًا برد العمل وعدم قبوله.

رابعًا: الصيام بوصفه مظهرًا من مظاهر الشكر

إن صيام رمضان سبب لمغفرة الذنوب، وحصول العبد على جائزته يوم الفطر هو نعمة تستوجب الشكر، ولا شك أن أعظم مراتب الشكر أن يتقرب العبد إلى ربه بجنس الطاعة التي وفق إليها، فكما قام النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى تورمت قدماه شكرًا لله على مغفرة ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فإن صيام العبد بعد رمضان هو "صيام الشكر" على التوفيق للإتمام.

خامسًا: قصورُ البشرية أمام فيض الربوبية

إن المتأملَ في أحوال السلف الصالح، والمستقرئَ لآثارهم، يدركُ يقينًا أن العبدَ - مهما بلغت قوتُه في العبادة أو اشتدَّ جِدُّه في الطاعة - سيظلُّ قاصرًا عن الوفاء بحق شكر نعم الله المتواترة؛ ذلك أنَّ كلَّ توفيقٍ يرزقه الله للعبد ليشكر به نعمةً سابقة، هو في جوهره نعمةٌ مستحدثة تستوجبُ بذاتها شكرًا جديدًا.

وبهذا المعنى، يجد العبدُ نفسه مستغرقًا في سلسلةٍ لا تنتهي من الألطاف الإلهية، حيث يترقى في مدارج العبودية عبر شكرٍ يتولدُ منه شكرٌ، في مشهدٍ يجسدُ كمالَ الافتقارِ إلى الله.

إذا أنتَ لمْ تَزدَدْ عَلى كُلِّ نِعمَةٍ ،،، لِمُولِيكَها شُكرًا فَلَستَ بِشاكِرِ

فاتحةُ أشهر الحج والتهيؤ للرحلة الكبرى

شوال هو الإعلان الرسمي عن بدء "أشهر الحج"، ففيه تتحرك القلوب قبل الأبدان نحو بيت الله الحرام.

اتفق الفقهاء على أن أشهر الحج تبدأ من غُرَّةِ شوال، لكنهم اختلفوا في تحديد نهايته على التفصيل التالي:

القول الأول لجمهور الفقهاء: 

ذهب الأئمة الثلاثة؛ أبو حنيفة والشافعي وأحمد وأصحابُهم رحمهم الله إلى أن وقت الإحرام بالحج شهر شوال وذي القعدة وعشر من ذي الحجة، وهو مذهب جمهور الصحابة والتابعين ومن بعدهم. [الهداية ٢ / ٢٢٠، رد المحتار ٢ / ٢٠٦، ٢٠٧، نهاية المحتاج ٢ / ٣٨٧، المغني والشرح الكبير ٣ / ٢٩٥، مطالب أولي النهى ٢ / ٣٠١].

القول الثاني للسادة المالكية: 

ذهب الإمام مالك رحمه الله إلى أن وقت الحج شهر شوال وذي القعدة وشهر ذي الحجة إلى آخره. [مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (٣/ ١٦)، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (٢/ ٢١)].

توجيه الخلاف: 

ليس المراد عند المالكية أن جميع هذا الزمن يجوز فيه ابتداء الإحرام؛ بل المراد أن الميقات الزماني ينقسم إلى قسمين: 

أ) قسم لـ "جواز ابتداء الإحرام" ، وهو من شوال إلى طلوع فجر يوم النحر. 

ب) وقسم لـ "جواز التحلل" ، وهو من فجر يوم النحر إلى آخر شهر ذي الحجة.

الأدلة ومناقشتها: 

الأصل للفريقين قوله تعالى:  ﴿ٱلۡحَجُّ أَشۡهُرࣱ مَّعۡلُومَٰتࣱۚ فَمَن فَرَضَ فِیهِنَّ ٱلۡحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِی ٱلۡحَجِّۗ﴾  [البقرة: ١٩٧]، ولكنهم اختلفوا في وجه الدلالة:

أدلة الجمهور: 

فسَّروا الآية بأن المراد شهران وبعض الثالث؛ لأن الحج يفوت بمضي عشر ذي الحجة، ومستبعد أن يُوضع لأداء ركن عبادة وقتٌ ليس وقتها ولا هو منه. [فتح القدير ٢ / ٣٢١]، وبعض الشهر يتنزل منزلة كله. [تفسير القرطبي ٢ / ٤٠٥]، وقد روي ذلك عن العبادلة الأربعة: ابن عباس، وابن عمر، وابن عمرو، وابن الزبير رضي الله عنهم، كما يدل لهم أن أركان الحج تؤدى خلال تلك الفترة.

أدلة المالكية: 

استدلوا بظاهر الآية؛ لأنها عبرت بالجمع "أشهر"، وأقل الجمع في اللغة ثلاثة، فلا بد من دخول شهر ذي الحجة بكماله.

وتظهر ثمرة الخلاف في أن من أخر طواف الإفاضة إلى آخر ذي الحجة فلا دمَ عليه عندهم، يقول الحطاب عن الإمام مالك: "فيمن أخر الإفاضة وطاف بعد أن ذهبت أيام منى: إن قرب فلا شيء عليه، وإن تطاول فعليه الدم، وقد اختلف قوله: في معنى قول الله:  ﴿ٱلۡحَجُّ أَشۡهُرࣱ مَّعۡلُومَٰتࣱۚ﴾ فقال مرة: شوال وذو القعدة وعشر ذي الحجة، وقال مرة: ذو الحجة كله، فعلى هذا لا يكون عليه هدي إلا أن يؤخر الحلاق والإفاضة حتى يخرج ذو الحجة". [مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (٣/ ١٦)].

شوال في ذاكرة التاريخ… شهر البطولات

لم يكن شوال في السيرة النبوية شهر خمول، بل كان شهر ملاحم غيرت مجرى التاريخ الإسلامي، مما يربط العبادة بالعمل والقوة:

١- غزوة أحد : وقعت في السابع من شوال (السنة ٣ هـ)، وفيها دروس الثبات والتمسك بأمر النبي ﷺ، أجمل أبرزها في النقاط التالية:

  • خطورة مخالفة الأمر النبوي : لقد أثبتت مجريات المعركة أن طاعة رسول الله  هي صمام الأمان والدرع الحصينة، وأن لحظة واحدة من التنازع والميل لِحُطَام الدنيا كفيلة بأن تقلب موازين النصر إلى تراجع، وهو درس دائم للأمة في كل زمان ومكان.
  • التمحيص وكشف المنافقين : لم يكن الصف الإسلامي لِيَصْفُوَ ويشتد إلا بابتلاءٍ يُميز الخبيث من الطيب، وقد كشفت أُحُد عوار المنافقين، وأسقطت شعاراتهم، ليظل الرَّكْبُ نقيًّا خالصًا لله.
  • مكانة الشهادة وحياة الشهداء : رسمت الغزوة أروع الصور لمعنى التضحية، وأكدت نصوص القرآن والسنة أن الشهداء ليسوا أمواتًا، بل هم أحياء عند ربهم يرزقون، تفيض أرواحهم بشرًا وفرحًا، كما نصت الآيات المحكمات في سورة آل عمران [آل عمران: ١٦٩-١٧١].
  • عظمة القيادة المحمدية ورحمتها : تجسدت في شخص النبي  أسمى معاني القيادة؛ فلم يُعَنِّف مَنْ زَلَّ، بل شملهم برحمته، واستغفر لهم وشاورهم، فكانت رحمته  جابرًا لانكسارهم، وبلسمًا لجراحهم.
  • سُنَّة الله في المداولة:  إن الأيام دُوَل، والنصر والهزيمة سُنَّة ربانية لاختبار الثبات واليقين، ﴿وَتِلۡكَ ٱلۡأَیَّامُ نُدَاوِلُهَا بَیۡنَ ٱلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠]، لِيُدرك المؤمنون أن طريق الحق محفوف بالابتلاءات، وأن العاقبة للمتقين.

٢- غزوة بني سُلَيم (شوال ٢هـ): جاءت غزوة بني سُلَيم بالكُدْر في سياق التحركات النبوية التي أعقبت غزوة بدر، حيث برزت معالم الحزم واليقظة في تثبيت دعائم الدولة الناشئة، لم تكن عودة النبي صلى الله عليه وسلم من بدر الكبرى، ذلك الحدث الذي فرق الله به بين الحق والباطل؛ لتعني الركون إلى الظل، أو التراخي في حماية الدولة الناشئة، بل كانت فاتحة جديدة لمرحلة الانتباه، كما جاء في كتب السير؛ ففي أعقاب غزوة بدر، وبعد أن أظهر الله الحق وأعزّ جنده، بدأت مرحلة جديدة من تثبيت الدولة الإسلامية وتأمين أطرافها، فكانت التحركات النبوية تتسم باليقظة والحزم، ومن ذلك ما عُرف بغزوة بني سُلَيم بالكُدْر، وهي من الغزوات التي قلَّت تفاصيلها في المصادر، غير أن ما ورد فيها يحمل دلالات بليغة.

قَالَ ابْنُ إسْحَاق: فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقُمْ بِهَا إلَّا سَبْعَ لَيَالٍ حَتَّى غَزَا بِنَفْسِهِ، يُرِيدُ بَنِي سُلَيْمٍ.

قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ سِبَاعَ بْنَ عُرْفُطَةَ الْغِفَارِيَّ، أَوْ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ.

قَالَ ابْنُ إسْحَاق : فَبَلَغَ مَاءً مِنْ مِيَاهِهِمْ، يُقَالُ لَهُ: الْكُدْرُ، فَأَقَامَ عَلَيْهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ، وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا، فَأَقَامَ بِهَا بَقِيَّةَ شَوَّالٍ وَذَا الْقَعَدَةِ، وَأَفْدَى فِي إقَامَتِهِ تِلْكَ جُلُّ الْأُسَارَى مِنْ قُرَيْشٍ. [السيرة النبوية لابن هشام: ٢/٤٣-٤٤ ط الحلبي].

هذه الرواية الموجزة، على قِصرها، تفتح بابًا واسعًا للفهم؛ إذ تكشف عن سرعة المبادرة النبوية بعد بدر، وعدم الركون إلى النصر، بل الانتقال مباشرة إلى تأمين الجبهة الداخلية والخارجية؛ فخروج النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه بعد سبع ليالٍ فقط يدل على يقظة القيادة، واستشعار ما قد تُضمره بعض القبائل من تحركات أو نيات عدائية.

٣- غزوة الخندق (الأحزاب):  كانت في شوال (السنة ٥ هـ)، حيث تجلى التوكل على الله وحُسن التخطيط، إنَّ أولَ ما يطالعنا في مشهدِ "الخندق" هو ذلكَ الانفتاحُ العقليُّ الذي جسّدهُ سيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه، فقد كانت هذه الغزوةُ هي المرة الأولى في التاريخِ العربي التي يُستخدمُ فيها "الخندقُ" كوسيلةٍ دفاعية، وهو أسلوبٌ أعجمي، وهنا نلمحُ عظمةَ المنهجِ النبوي، فحينَ قدّمَ الصحابيُّ الجليل سلمانُ الفارسيُّ اقتراحهُ قبِلَهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأُعجِبَ بهِ، ليرسّخَ قاعدةً ذهبية، والتي جاءت في حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم«الْكَلِمَةُ الْحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ، فَحَيْثُ وَجَدَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا» [أخرجه الترمذي (٢٦٨٧) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه]، فإنَّ الشريعةَ الإسلامية بمقدارِ ما تنهى عن التبعيةِ العمياء تحبُّ للمسلمِ أن يجمعَ أطرافَ الخيرِ كله أينما لاحَ له ذلك.

علمتنا الغزوةُ أنَّ العبادةَ لا تسقطُ بحال؛ فحين فاتت النبيَّ صلى الله عليه وسلم صلاةُ العصرِ لشدة الانشغال، فقضاها بعد غروب الشمس، فعن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه "أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ جَاءَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَاللهِ مَا صَلَّيْتُهَا» فَقُمْنَا إِلَى بُطْحَانَ، فَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ، وَتَوَضَّأْنَا لَهَا، فَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ». [متفق عليه: أخرجه البخاري (٥٩٦)، ومسلم (٦٣١)]، وهذا يؤصلُ لمشروعية قضاء الفوائت سواء كانت لنوم أو نسيان أو حتى شغلٍ قاهر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم«مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ». [متفق عليه: أخرجه البخاري (٥٩٧) ومسلم (٦٨٤) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه]؛ فالعبرةُ بالمبادرةِ تداركًا لما فات.

٤- غزوة حنين:  وقعت في شوال (السنة ٨ هـ)، وعلمت الأمة أن النصر بمدد الله لا بكثرة العدد.

١- الدروس المستفادة من هذه الغزوة، وهي:

أ - ثبات الرسول ﷺ:

يأتي (دونما شك) وفي الدرجة الأولى، من أسباب انتصار المسلمين الساحق بعد هزيمتهم المنكرة في حنين: يأتي في الدرجة الأولى، ثبات الرسول صلى الله عليه وسلم عند الهزيمة، حيث انحاز في الميدان إلى مكان مناسب، وثبت فيه صلى الله عليه وسلم، وصار يناشد المنهزمين ليعودوا إلى ميدان الشرف وينضموا إليه، قَالَ أَنَسٌ رضي الله عنه: (فَسَمِعْت رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَالْتَفَتَ عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ وَالنّاسُ مُنْهَزِمُونَ، وَهُوَ يَقُولُ: «يَا أنصار الله وأنصار رَسُولِهِ! أَنَا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ صَابِرٌ»!

قَالَ: ثم تقدم بحربته أمام الناس، والذي بَعَثَهُ بِالْحَقّ، مَا ضَرَبْنَا بِسَيْفٍ وَلَا طَعَنّا بِرُمْحٍ حَتّى هَزَمَهُمْ اللهُ، ثُمّ رَجَعَ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم إلى العسكر وأمر أَنْ يُقْتَلَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ، وَجَعَلَتْ هَوَازِنُ تُوَلّي وَثَابَ مَنْ انْهَزَمَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ).

ب- بلاء سيدنا علي بن أبي طالب وأنصاري في الحرب:

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: "وَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ أَبِيهِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: بَيْنَا ذَلِكَ الرَّجُلُ مِنْ هَوَازِنَ صَاحِبُ الرَّايَةِ عَلَى جَمَلِهِ يَصْنَعُ مَا يَصْنَعُ، إذْ هَوَى لَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَرَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ يُرِيدَانِهِ، قَالَ: فَيَأْتِيهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مِنْ خَلْفِهِ، فَضَرَبَ عُرْقُوبَيْ الْجَمَلِ، فَوَقَعَ عَلَى عَجُزِهِ ، وَوَثَبَ الْأَنْصَارِيُّ عَلَى الرَّجُلِ، فَضَرَبَهُ ضَرْبَةً أَطَنَّ قَدَمَهُ  بِنِصْفِ سَاقِهِ، فَانْجَعَفَ عَنْ رَحْلِهِ، قَالَ: واجتلد النَّاس، فو الله مَا رَجَعَتْ رَاجِعَةُ النَّاسِ مِنْ هَزِيمَتِهِمْ حَتَّى وَجَدُوا الْأُسَارَى مُكَتَّفِينَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم". [ابن هشام السيرة النبوية (٢/٤٤٥)].

ج- قتال الملائكة يوم حنين والرعب الذي حدث للمشركين:

عَنْ سعد بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: ‌فِي ‌يَوْمِ ‌حُنَيْنٍ ‌أَمَدَّ ‌اللَّهُ تَعَالَى رَسُولَهُ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ وَيَوْمَئِذٍ سَمَّى اللَّهُ الأَنْصَارَ مُؤْمِنِينَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ [تفسير ابن أبي حاتم (٣/٧٥٢)].

وروى ابن إسحاق، وابن المنذر، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي عن جبير ابن مطعم رضي الله عنه قال: رأيت قبل هزيمة القوم - والناس يقتتلون - مثل البجاد الأسود أقبل من السماء حتى سقط بين القوم، فنظرت فإذا نمل أسود مبثوت قد ملأ الوادي، لم أشكّ أنها الملائكة، ولم يكن إلا هزيمة القوم. [الصالحي الشامي، سبل الهدى والرشاد (٥/٣٢٧)].

د- رجال ونساء صدقوا ما عاهدوا لله عليه:

قَالَ ابن اسحاق: "وَالْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلَى أَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مِمَّنْ صَبَرَ يَوْمَئِذٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَكَانَ حَسَنَ الْإِسْلَامِ حِينَ أَسْلَمَ، وَهُوَ آخِذٌ بِثَفَرِ بَغْلَتِهِ، فَقَالَ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: أَنَا ابْنُ أُمِّكَ يَا رَسُولَ اللَّه". [ابن هشام السيرة النبوية (٢/٤٤٦)].

وكانت أم سليم بنت ملحان مع زوجها أبي طلحة فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي حازمة وسطها ومعها جمل أبي طلحة فقالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، اقتل هؤلاء الذين ينهزمون عنك كما تقتل هؤلاء الذين يقاتلونك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أَوْ يَكْفِي اللهُ يا أُمَّ سُلَيْم» ! وإنها يومئذ لحُبلى بعبد الله بن أبي طلحة ومعها خنجر، فقال لها أبو طلحة: ما هذا الخنجر معك يا أم سليم؟ [السيرة النبوية لابن حبان (١/٣٥٠)].

٥- غزوة الطائف: كانت غزوة الطائف في شهر شوال من السنة الثامنة للهجرة، وذلك بعد أيام من غزوة حنين وفتح أوطاس. [ابن هشام، السيرة النبوية ٤ /٩٢].

دام حصار الطائف بضعًا وعشرين ليلة. [ابن هشام، السيرة النبوية، ٤ /٩٢].

وقيل: ثمانية عشر يومًا، وقيل: ثلاثين ليلة أو قريبًا من ذلك. [ابن كثير، البداية والنهاية، ٧ /٧٥].

ولم يؤذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم في فتح الطائف، وكانت مشيئة الله أن يبقى هذا الحصن ليدخل أهله في الإسلام طوعًا بعد عام، لا قسرًا بالحرب، وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ رَبَاحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا مَضَتْ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً مِنْ حِصَارِ الطَّائِفِ اسْتَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ  نَوْفَلَ بْنَ مُعَاوِيَةَ الدُّئِلِيَّ فَقَالَ: «يَا نَوْفَلُ مَا تَرَى فِي الْمُقَامِ عَلَيْهِمْ؟» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثَعْلَبٌ فِي جُحْرٍ، إِنْ أَقَمْتَ عَلَيْهِ أَخَذْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَضُرَّكَ.

"قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَهُوَ مُحَاصِرٌ ثَقِيفًا: «يَا أَبَا بَكْرٍ إِنِّي رَأَيْتُ أَنِّي أُهْدِيَتْ لِي قَعْبَةٌ مَمْلُوءَةٌ زُبْدًا فَنَقَرَهَا دِيكٌ، فَهَرَاقَ مَا فِيهَا» فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه: مَا أَظُنُّ أَنْ تُدْرِكَ مِنْهُمْ يَوْمَكَ هَذَا مَا تُرِيدُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ  «وَأَنَا لَا أَرَى ذَلِكَ». [ابن كثير، البداية والنهاية ٧ /٧٧].

ففهم الجناب النبوي -صلى الله عليه وآله وسلم من هذا أن الحصار لن ينجح، وأنه لا فائدة من الاستمرار فيه، فقرر فك الحصار والانصراف عن الطائف. [السهيلي، الروض الأنف، ٧ /٣٤١].

فأمر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأذَّن في الناس بالرحيل، فضج الناس من ذلك، وقالوا: "نرحل ولم يفتح علينا الطائف!"  [ابن سعد، الطبقات الكبرى، ٢ /٢١٦].

٢- دعاء الجناب النبوي المعظم صلى الله عليه وآله وسلم لثقيف بالهداية:

ولما ظعن الحبيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الطائف، ورحل الجيش، قال له رجل من أصحابه: «يا رسول الله، ادع عليهم»، أي ادع على ثقيف بالهلاك والدمار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم اهد ثقيفًا وأت بهم مسلمين». [ابن كثير، البداية والنهاية، ٧ /٧٧].

وهذا الدعاء هو أبلغ ما في الغزوة وأعمقها دلالة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدع عليهم مع أنهم آذوه وآذوا أصحابه وقتلوا منهم اثني عشر رجلًا، بل دعا لهم بالهداية والإسلام، وهذا من تمام رحمته صلى الله عليه وآله وسلم ، ومن كمال خلقه، ومن صدق رسالته التي أرسل بها رحمة للعالمين. [السهيلي، الروض الأنف، ٧ /٣٣٩].

وقد استجاب الله دعاء نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ، فلم يمضِ عام كامل حتى قدم عليه وفد ثقيف في شهر رمضان من السنة التاسعة للهجرة، وأعلنوا إسلامهم طائعين مختارين، وأصبحوا من خير أجناد الإسلام في الفتوحات بعد ذلك. [ابن كثير، البداية والنهاية، ٧ /٧٨].

وهكذا انتهت غزوة الطائف، وقد كان الفتح العسكري غائبًا، لكن الفتح القلبي حصل بعد ذلك، حيث أسلمت ثقيف طواعية، وأصبحت الطائف مدينة إسلامية من كبريات مدن الحجاز.

مدرسة الاستقامة… العبادة حتى اليقين

إن الأعمال التي كان العبد يتقرب بها إلى ربه في رمضان لا تنقطع بانتهائه، بل هي باقية ما دام العبد حيًا. وهذا معنى الحديث: «الصَّائِمُ بَعْدَ رَمَضَانَ كَالْكارِّ بَعْدَ الْفَارِّ». [الجامع الصغير:٧٩٦٦]، أي كالعائد إلى القتال بعد الفرار منه، فالعائد إلى الصيام بعد فطره يدل عوده على رغبته فيه، وأنه لم يملله ولم يستثقله، وفي حديث الترمذي:  «أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ الْحَالُّ الْمُرْتَحِلُ». [جامع الترمذي (٢٩٤٦) من حديث سيدنا عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما]، قال بشر رحمه الله: بئس القوم قوم لا يعرفون لله حقًا إلا في رمضان، إن الصالح الذي يتعبد السنة كلها [لطائف المعارف (ص ٣٩٢)]، وسئل الشبلي: أيهما أفضل رجب أو شعبان؟ فقال: كن ربانيًا ولا تكن شعبانيًا. [المصدر نفسه]، وكان الحبيب النبي صلى الله عليه وسلم عمله ديمة، قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: « كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً». [أخرجه: البخاري (١٩٨٧، ٦٤٦٦)]، ولم يكن يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة. [أخرجه: البخاري (١١٤٧، ٢٠١٣ )] وقضى اعتكاف العشر الأواخر من رمضان في شوال. [أخرجه: البخاري (٢٠٣٣)]، وأمر الرجل أن يصوم إذا أفطر، يقضي ما فاته من صيام شعبان في شوال. [أخرجه البخاري: (١٩٨٣)].

وقال الحسن البصري رحمه الله: إن الله لم يجعل لعمل المؤمن أجلًا دون الموت، ثم قرأ: ﴿وَٱعۡبُدۡ رَبَّكَ حَتَّىٰ یَأۡتِیَكَ ٱلۡیَقِینُ﴾  [لحجر: ٩٩] ، فهذه الشهور والأعوام مقادير للآجال، تنقضي سريعًا، والذي أوجدها باقٍ لا يزول، دائم لا يحول، وهو في كل وقت إله واحد، ولأعمال عباده رقيب مشاهد [ابن رجب :لطائف المعارف (ص ١٩٦) بتصرف يسير]، المحب لا يمل من التقرب بالنوافل، ولا يأمل إلا قربه ورضاه، ما أحسن الحسنة بعد السيئة تمحوها! وأحسن منها الحسنة بعد الحسنة تتلوها، وما أقبح السيئة بعد الحسنة تمحقها وتنقص من أجرها! فذنب واحد بعد التوبة أقبح من سبعين ذنبًا قبلها، أيها العزيز؛ النكسة أصعب من المرض، وربما أهلَكت، سلوا الله الثبات على الطاعات إلى الممات، وتعوذوا به من تقلب القلوب، ومن الحور بعد الكور؛ ارحموا عزيز قوم بالمعاصي ذلّ، وغنيّ قوم بالذنوب افتقر.

شوال… تصحيح المفاهيم (الزواج واليُمن)

كانت الجاهلية تتشاءم من التزويج في شوال؛ لما فيه من معنى الإشالة والرفع (امتناع الإبل عن النكاح)، فجاء الإسلام بهدم ذلك، وسنَّ فيه الفرح والتوسعة؛ ليكون "شوال الفطر" شهرًا للشفاء النفسي، والعودة للحالة الطبيعية بعد الصيام.  [المرزوقي، الأزمنة والأمكنة، ص ١٢٥].

فعَنْ أم المؤمنين عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: «تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي شَوَّالٍ، ‌وَبَنَى ‌بِي ‌فِي ‌شَوَّالٍ، فَأَيُّ نِسَاءِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ أَحْظَى عِنْدَهُ مِنِّي؟ قَالَ: وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَسْتَحِبُّ أَنْ تُدْخِلَ نِسَاءَهَا فِي شَوَّالٍ». [مسلم (١٤٢٣)].

وقولها: «تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي شَوَّالٍ، ‌وَبَنَى ‌بِي ‌فِي ‌شَوَّالٍ، فَأَيُّ نِسَاءِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ أَحْظَى عِنْدَهُ مِنِّي؟»، «وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَسْتَحِبُّ أَنْ تُدْخِلَ نِسَاءَهَا فِي شَوَّالٍ» كانت الجاهلية تكره هذا، وتطيَّر من ذلك؛ لما في اسم شوال من قولهم: شالت نعامتهم، وشالت النوق بأذنابها: إذا رفعتها. [القاضي عياض، إكمال المعلم بفوائد مسلم (٤/٥٧٥)].

قَوْلُهُ: (عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي شَوَّالٍ وَبَنَى بِي فِي شَوَّالٍ فَأَيُّ نِسَاءِ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ أَحْظَى عِنْدَهُ مِنِّي قَالَ وَكَانَتْ عَائِشَةُ تستحب أن تدخل نسائها فِي شَوَّالٍ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ التَّزْوِيجِ وَالتَّزَوُّجِ وَالدُّخُولِ فِي شَوَّالٍ وَقَدْ نَصَّ أَصْحَابُنَا عَلَى اسْتِحْبَابِهِ وَاسْتَدَلُّوا بِهَذَا الْحَدِيثِ وَقَصَدَتْ عَائِشَةُ بِهَذَا الْكَلَامِ رَدَّ مَا كَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ عَلَيْهِ وَمَا يَتَخَيَّلُهُ بَعْضُ الْعَوَامِّ الْيَوْمَ مِنْ كَرَاهَةِ التَّزَوُّجِ وَالتَّزْوِيجِ وَالدُّخُولِ فِي شَوَّالٍ وَهَذَا بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ وَهُوَ مِنْ آثَارِ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَتَطَيَّرُونَ بِذَلِكَ لِمَا فِي اسْمِ شَوَّالٍ مِنَ الْإِشَالَةِ والرفع. [النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم (٩/٢٠٩)].

كانت العرب في جاهليتهم يتطيرون ببناء الرجل على امرأة في أشهر الحج، ولا يرون يُمنًا في التزوج والعرس فيهما، فردت عليهم بذلك معتقدهم. [البيضاوي ، تحفة الابرار شرح مصابيح السنة (٢/٣٤٦)].

أرادت بهذا الحديث: أنَّ العَوَامَّ كانوا يقولون: التزوُّجُ بين العيدَين ليس بمحمودٍ، فذَكرَتْ عائشةُ هذه الحكايةَ إنكارًا عليهم؛ يعني: فلو لم يكنِ التزوُّجُ بين العيدَين محمودًا لَمَا تزوَّجَني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في شوال، والتزوُّجُ بين العيدَين حرامٌ لِمَن أَحرَمَ بالحجِّ من أول شوال، ومِن حين أَحرَمَ الرجلُ بالحجَّ أو العُمرة، حَرُمَ عليه التزوُّجُ، ولا يَنعقدُ النَّكاحُ في الإحرام؛ هذا في المُحْرِم، وأمَّا في غير المُحْرِم، فلا بأسَ عليه بالتزوُّجِ والزَّفاف بين العيدَين. [مظهر الدين الذيداني المفاتيح في شرح المصابيح (٤/٣٥)].

وعَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم تَزَوَّجَ أُمَّ سَلَمَةَ فِي شَوَّالٍ، وَجَمَعَهَا إِلَيْهِ فِي شَوَّالٍ». [سنن ابن ماجه (١٩٩١)].

الخلاصة

يُعد شهر شوال جسرًا إيمانيًا يربط بين نفحات رمضان ومواسم الحج، متميزًا بفضائل صيام الست وتصحيح مفاهيم الجاهلية حول الزواج، كما يزخر بتاريخ حافل ببطولات نبوية رسَّخت دروس الثبات واليقين؛ ليكون مدرسة حقيقية للاستقامة، ودوام العبادة، وشكر المنعم حتى اليقين.

موضوعات ذات صلة

الاستقامة بعد رحيل رمضان، تحمل دلالات القبول المتمثلة في المداومة على الطاعة.

الصيام ليس مجرد إمساك عن الطعام، بل بوصفه هندسة روحية تٌعيد بناء الإنسان من الداخل.

إنَّ صيامَ الستِّ من شوال ليس مجردَ نافلةٍ زمنية، بل هو تجلٍّ لصدقِ الإقبالِ على الله

ليس الصيام مجرد انقطاع مادي عن ضروريات الجسد، بل هو "رياضة روحية" ومدرسة عظمى تُصاغ فيها الإرادة الإنسانية.

 يعد شوالٌ في الوجدان الإسلامي مطلعًا لأشهر الحج وشكرًا للنعمة بصيام الست