Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

التصوف السني: معالم الإحسان وتزكية النفس

الكاتب

أ.د/ علي جمعة

التصوف السني: معالم الإحسان وتزكية النفس

هل التصوف هو الانعزال عن الحياة وترك العمل، أم هو فقه قلبي لإدارة علاقتك بالخالق والخلق؟

الإجابة تكمن في "مرتبة الإحسان"؛ فالتصوف الحقيقي هو سلوك مقيد بالكتاب والسنة، يرتكز على الذكر والفكر، ويقوم على أربعة أركان: قلة الكلام، والطعام، والمنام، والأنام، إنه المنهج الذي يجعل الدنيا في يدك لا في قلبك، لتعيش "خلوتك في جلوتك" وتصل بحكمتك إلى طمأنينة الرضا واليقين.

خلوة القلب في جَلوةِ الأنام

التصوف هو مرتبة الإحسان التي ذُكرت في حديث سيدنا جبريل - عليه السلام - وكان الجنيد يقول: طريقنا هذا إلى الله مقيد بالكتاب والسنة، ولذلك قالوا: إن طريقنا مقيد بالذكر والفكر.

تريد أن تسلك طريق الله، فماذا تفعل؟

عليك بالذكر؛ قال تعالى: ﴿ٱلَّذِینَ یَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِیَٰمࣰا وَقُعُودࣰا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ﴾ [آل عمران: ١٩١]، وبالفكر: ﴿وَیَتَفَكَّرُونَ فِی خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلࣰا سُبۡحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١]، وبعد الذكر والفكر تأتي المناجاة والدعاء.

وماذا أيضًا؟

قلة المنام، وقلة الطعام، وقلة الأنام، وقلة الكلام.

ومن أين أتى هذا الكلام؟

سيدنا النبي- ﷺ - أوصانا بالصمت، وهو قلة الكلام، وقال: «إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ قَدْ أُعْطِيَ زُهْدًا فِي الدُّنْيَا، وَقِلَّةَ مَنْطِقٍ، فَاقْتَرِبُوا مِنْهُ، فَإِنَّهُ يُلَقَّى الْحِكْمَةَ» [أخرجه الإمام ابن ماجه]

وربنا سبحانه وتعالى يقول: ﴿یُؤۡتِی ٱلۡحِكۡمَةَ مَن یَشَاۤءُۚ وَمَن یُؤۡتَ ٱلۡحِكۡمَةَ فَقَدۡ أُوتِیَ خَیۡرࣰا كَثِیرࣰاۗ وَمَا یَذَّكَّرُ إِلَّاۤ أُو۟لُوا۟ ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ [البقرة: ٢٦٩]،وقال - : «مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الجَنَّةَ» [أخرجه الإمام البخاري]، وكان شأن الأنبياء الصمت، حتى إن ابن أبي الدنيا ألّف كتابًا ضخمًا أورد فيه الأحاديث الواردة في فضيلة الصمت.

أما قلة الطعام، فعندنا صيام شهر رمضان، وكان سيدنا رسول الله - ﷺ - يصوم الاثنين والخميس، ويصوم ثلاثة أيام من كل شهر، وكان يصوم أغلب المحرم، وأغلب شعبان، وكان - ﷺ - يصوم كثيرًا، وعندما تُحصي ما ورد في السنة في أبواب الصيام تجد أكثر من ستة شهور، ومع رمضان يكون ذلك أزيد من نصف الدهر، أي نحو سبعة شهور.

وقلة الطعام كذلك في قوله -ﷺ: «ما مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شرًّا من بَطْنٍ، بحَسْبِ ابن آدم أُكَيْلَات يُقِمْنَ صُلْبَه، فإن كان لا محالة، فثُلُثٌ لطعامه، وثُلُثٌ لشرابه، وثُلُثٌ لنَفَسِه» [رواه مسلم].

وأما قلة المنام، ففي قوله تعالى: ﴿قُمِ ٱلَّیۡلَ إِلَّا قَلِیلࣰا * نِّصۡفَهُۥۤ أَوِ ٱنقُصۡ مِنۡهُ قَلِیلًا * أَوۡ زِدۡ عَلَیۡهِ وَرَتِّلِ ٱلۡقُرۡءَانَ تَرۡتِیلًا﴾ [المزمل: ٢-٤]، وقوله سبحانه: ﴿وَمِنَ ٱلَّیۡلِ فَتَهَجَّدۡ بِهِۦ نَافِلَةࣰ لَّكَ عَسَىٰۤ أَن یَبۡعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامࣰا مَّحۡمُودࣰا ﴾ [الإسراء: ٧٩].

ومعنى التهجد: أن تترك النوم ابتغاء العبادة، لما في ذلك من الثواب الكبير، وفضل قيام الليل معلوم.

وأما قلة الأنام، فمعناها: الانكفاف عن الناس، والعزلة الطيبة التي تمكنك من التفكر والتدبر.

وهذا المعنى ظاهر في الاعتكاف، حتى إن الإمام الشافعي يوصينا أيضًا، أخذًا من السنة، بأن الإنسان عندما يدخل المسجد يقول: نويت سنة الاعتكاف، فيجلس عشر دقائق أو ربع ساعة، ويصلي ثم ينصرف، فلا مانع من ذلك.

عزلة الروح: ضوابط الزهد والتعامل مع الخلق

وهناك من سيأتي ويقول: أنت تريد من الناس أن تعتزل؟

فالسادة الصوفية وجدوا مخرجًا لهذا الأمر، فقالوا: "خلوتهم في جلوتهم".

فالسادة الصوفية لم يقولوا: انعزل واحبس نفسك في البيت، لا، بل جعلوا عمل الإنسان بيده، واكتسابه لرزقه من عمل يده، أساسًا في هذا الطريق.

ولكن كيف أعتزل؟

قالوا: تعتزل بقلبك، وتدربه على هذه العزلة التي لا تغتاب فيها، ولا تنمّ، ولا تتكبر، ولا تدخل في مهاترات الناس وأنت لست طرفًا فيها، قلل من تبعاتك مع الخلق، وتفكر هذه هي العزلة.

إذن العزلة هنا عزلة شعورية، قلبية، روحية، الغرض منها الطمأنينة، وعدم مخالطة المعاصي.

العزلة هنا معناها إتاحة مساحة أكبر للتفكر.

والصوفية التي تهتم بالذكر والفكر تهتم - أيضًا - بالتخلية والتحلية:

"خلِّ قلبك من كل قبيح، وحلِّ قلبك بكل صحيح".

ومن دعاء السادة أهل الله: "اللهم اجعل الدنيا في أيدينا، ولا تجعلها في قلوبنا".

لماذا؟

لأن الزاهد الحقيقي هو من كانت الدنيا في يده فزهد فيها، أما من لم تكن الدنيا في يده أصلًا، فليس له أن يدّعي الزهد فيها؛ لأنه لم يُمكَّن منها حتى يزهد فيها، وإنما الذي يليق به التواضع، لا دعوى الزهد.

أما إذا ادعيت الزهد، فلا بد أن تكون الدنيا في يدك، ثم تعرض عنها.

الخلاصة

التصوف هو جوهر الإحسان وقيد الكتاب والسنة، يهدف لبناء مؤمن يعمر الأرض بيده ويذكر الله بقلبه، فالعزلة الحقيقية ليست حبسًا للأبدان، بل هي طهارة شعورية تحفظ القلب من المهاترات والمعاصي، والزهد الصادق لا يكون إلا لمن ملك الدنيا فتركها لله، محققاً التوازن بين سعي الجوارح وسكينة الروح في رحلة التخلي عن القبيح والتحلي بكل صحيح.

موضوعات ذات صلة

التصوف الإسلامي: سمو الروح بضوابط الكتاب والسنة.

التجلي: انكشاف أنوار الغيب لأهل الصفاء والقلوب.

التوكل: حركةُ الجوارحِ مع سكونِ يقينِ القلوب.

موضوعات مختارة