التصوف هو مرتبة الإحسان التي ذُكرت في حديث سيدنا جبريل - عليه السلام - وكان الجنيد يقول: طريقنا
هذا إلى الله مقيد بالكتاب والسنة،
ولذلك قالوا: إن طريقنا مقيد بالذكر والفكر.
تريد أن تسلك طريق الله، فماذا تفعل؟
عليك بالذكر؛ قال تعالى: ﴿ٱلَّذِینَ یَذۡكُرُونَ
ٱللَّهَ قِیَٰمࣰا وَقُعُودࣰا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ﴾ [آل عمران: ١٩١]، وبالفكر: ﴿وَیَتَفَكَّرُونَ
فِی خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلࣰا
سُبۡحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١]، وبعد
الذكر والفكر تأتي المناجاة والدعاء.
وماذا أيضًا؟
قلة المنام، وقلة الطعام، وقلة الأنام، وقلة الكلام.
ومن أين أتى هذا الكلام؟
سيدنا النبي- ﷺ - أوصانا بالصمت، وهو قلة الكلام، وقال: «إِذَا
رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ قَدْ أُعْطِيَ زُهْدًا فِي الدُّنْيَا، وَقِلَّةَ مَنْطِقٍ،
فَاقْتَرِبُوا مِنْهُ، فَإِنَّهُ يُلَقَّى الْحِكْمَةَ» [أخرجه الإمام ابن ماجه]
وربنا سبحانه وتعالى يقول: ﴿یُؤۡتِی ٱلۡحِكۡمَةَ مَن
یَشَاۤءُۚ وَمَن یُؤۡتَ ٱلۡحِكۡمَةَ فَقَدۡ أُوتِیَ خَیۡرࣰا كَثِیرࣰاۗ وَمَا
یَذَّكَّرُ إِلَّاۤ أُو۟لُوا۟ ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ [البقرة: ٢٦٩]،وقال
- ﷺ: «مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ
أَضْمَنْ لَهُ الجَنَّةَ» [أخرجه الإمام البخاري]،
وكان شأن الأنبياء الصمت، حتى إن ابن أبي الدنيا ألّف كتابًا ضخمًا أورد فيه
الأحاديث الواردة في فضيلة الصمت.
أما قلة الطعام، فعندنا صيام شهر رمضان، وكان سيدنا رسول الله - ﷺ -
يصوم الاثنين والخميس، ويصوم ثلاثة أيام من كل شهر، وكان يصوم أغلب المحرم، وأغلب
شعبان، وكان - ﷺ - يصوم كثيرًا،
وعندما تُحصي ما ورد في السنة في أبواب الصيام تجد أكثر من ستة شهور، ومع
رمضان يكون ذلك أزيد من نصف الدهر، أي نحو سبعة شهور.
وقلة الطعام كذلك في قوله -ﷺ: «ما مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً
شرًّا من بَطْنٍ، بحَسْبِ ابن آدم أُكَيْلَات يُقِمْنَ صُلْبَه، فإن كان لا محالة،
فثُلُثٌ لطعامه، وثُلُثٌ لشرابه، وثُلُثٌ لنَفَسِه»
[رواه مسلم].
وأما قلة المنام، ففي قوله تعالى: ﴿قُمِ
ٱلَّیۡلَ إِلَّا قَلِیلࣰا *
نِّصۡفَهُۥۤ أَوِ ٱنقُصۡ مِنۡهُ قَلِیلًا *
أَوۡ زِدۡ عَلَیۡهِ وَرَتِّلِ ٱلۡقُرۡءَانَ تَرۡتِیلًا﴾ [المزمل: ٢-٤]،
وقوله سبحانه: ﴿وَمِنَ ٱلَّیۡلِ فَتَهَجَّدۡ بِهِۦ
نَافِلَةࣰ لَّكَ عَسَىٰۤ أَن یَبۡعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامࣰا مَّحۡمُودࣰا ﴾ [الإسراء: ٧٩].
ومعنى التهجد: أن تترك النوم ابتغاء العبادة،
لما في ذلك من الثواب الكبير، وفضل قيام الليل معلوم.
وأما قلة الأنام، فمعناها: الانكفاف عن الناس، والعزلة الطيبة التي تمكنك
من التفكر والتدبر.
وهذا المعنى ظاهر في الاعتكاف، حتى إن الإمام الشافعي يوصينا أيضًا،
أخذًا من السنة، بأن الإنسان عندما يدخل المسجد يقول: نويت سنة الاعتكاف، فيجلس
عشر دقائق أو ربع ساعة، ويصلي ثم ينصرف، فلا مانع من ذلك.