ما سر بئر زمزم ولماذا يُعد ماؤها من أعظم المياه في العالم؟ وهل حقًا يشفي ماء زمزم الأمراض ويحقق ما نويت عند شربه؟ وما الأحكام الشرعية لاستخدامه؟
في هذا المقال ستعرف قصة زمزم العجيبة وفضائلها وأحكامها لتفهم سر هذه المعجزة المباركة.
ما سر بئر زمزم ولماذا يُعد ماؤها من أعظم المياه في العالم؟ وهل حقًا يشفي ماء زمزم الأمراض ويحقق ما نويت عند شربه؟ وما الأحكام الشرعية لاستخدامه؟
في هذا المقال ستعرف قصة زمزم العجيبة وفضائلها وأحكامها لتفهم سر هذه المعجزة المباركة.
إن المتأمل في عظمة هذا النبع المبارك، يدرك أن تجليات العناية الإلهية قد أحاطته بهالة من التشريف، تجسدت جليًا في تنوع نعوته وتعدد صفاته؛ فالمقرر عند أرباب البيان أن كثرة الأسماء ليست لغوًا، بل هي برهان ساطع على رفعة الشأن وجلالة القدر؛ ومن هنا، روى الفاكهي عن أشياخ مكة أن لزمزم أسماء كثيرة تزيد على العشرين، وهي: (زمزم، وهزمة جبريل، وسقيا الله إسماعيل، وبركة، وسيدة، ونافعة، ومضمونة، وعونة، وبشرى، وصافية، وبَرَّة، وعصمة، وسالمة، وميمونة، ومباركة، وكافية، وعافية، ومغذية، وطاهرة، وحرمية، ومروية، ومؤنسة، وطعام طُعْم، وشفاء سُقْم) [الفاكهي، أخبار مكة، ٢/ ٦٧-٦٨؛ أبو الطيب المكي: شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام، ١/ ٢٥١، يوسف الصالحي: سبل الهدى والرشاد ١/ ٢١٤].
وسُميت ظبية، ورد في الحديث عن بدء شأن البئر أن عبد المطلب بن هاشم أُتي في منامه، وقيل له: "احفر ظبية"؛ وظبية - بالظاء المعجمة والباء الموحدة - قال ابن الأثير: "سميت بها تشبيهًا بالظبية الخريطة - وهي الوعاء الذي يحفظ فيه الرجل متاعه" [ابن هشام: السيرة، ١/ ١٤٣؛ ابن إسحاق: المغازي، ص ٢٤؛ البيهقي: دلائل النبوة، ١/ ٩٣؛ الفاكهي، أخبار مكة، ٢ / ٤٤].
وسميت في الجاهلية سد الخلة وشباعة العيال؛ وذلك لأن أهل العيال منهم كانوا يفدون إليها لعيالهم فينيخون عليها، فتكون صبوحًا كافيًا لهم يغنيهم عن الطعام ويشبعهم [الفاكهي، أخبار مكة، ٢/ ٦٧-٦٨؛ شفاء الغرام، ١/ ٢٥١].
بدأت قصة البئر حين هاجر الخليل إبراهيم - عليه السلام - بابنه إسماعيل وأمه هاجر إلى جبال فاران، وهي أرض مكة؛ وذلك حين اشتدت غيرة سارة، فأوحى الله إليه أن يأتي بهما إلى مكة، وليس بها يومئذ نبت ولا ماء؛ وروى ابن إسحاق "أن إبراهيم خرج ومعه جبريل، فكان لا يمر بقرية إلا سأل: أبهذه أمرت؟ فيقول جبريل: امضه، حتى قدم مكة وهي ذات عِضاهٍ وسَلَمٍ وسَمُر، وبها العماليق خارجها، وكان موضع البيت ربوة حمراء، فأنزلهما عند موضع الحِجر، وأمر هاجر أن تتخذ عريشًا، ثم قفّى راجعًا إلى الشام، وهنا تبعته أم إسماعيل قائلة: "يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء؟" فلما لم يلتفت، قالت: "آلله أمرك بهذا؟" قال: "نعم"، قالت: "إذن لا يضيعنا"، ثم انطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية استقبل البيت ودعا بدعائه الخالد: ﴿رَّبَّنَاۤ إِنِّیۤ أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّیَّتِی بِوَادٍ غَیۡرِ ذِی زَرۡعٍ عِندَ بَیۡتِكَ ٱلۡمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: ٣٧]، نفد الماء وعطش الغلام، فجعلت هاجر تسعى بين الصفا والمروة كراهية أن تنظر إليه وهو يتلوى، ففعلت ذلك سبع مرات (وهو أصل سعي الناس اليوم)، فلما كانت عند المروة سمعت صوتًا، فإذا هو الملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه -أو بجناحه- حتى ظهر الماء، فجعلت تغرف في سقائها وهو يفور، فقال لها الملك: "لا تخافي الضيعة، فإن هاهنا بيت الله يبنيه هذا الغلام وأبوه"، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يَرْحَمُ اللهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ لَوْلَا أَنَّهَا عَجِلَتْ لَكَانَ زَمْزَمُ عَيْنًا مَعِينًا» [راجع: ابن إسحاق: المغازي، ص ٢٧؛ البخاري: الصحيح،(٣٣٦٢،٣٣٦٤)].
بمرور السنوات، تعرضت البئر للردم والإخفاء نتيجة السيول والصراعات، وظل مكانها مجهولًا لقرون طويلة حتى قيض الله لها عبد المطلب بن هاشم جد حضرة النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ اختصه الله بإعادة حفر البئر بعد رؤيا صادقة حددت له مكانها (بين الفَرث والدم، عند قرية النمل، حيث ينقر الغراب الأعصم)؛ فقام ومعه ابنه الحارث وحفر حتى ظهر طوي البئر ونبع ماؤها مجددًا، وبعد نزاع مع قريش، تجلت آية الله بسقيا عبد المطلب من نبع تحت خف ناقته في رحلة الاحتكام؛ فعرفوا فضله، وبقيت السقاية في آله حتى ورثها العباس بن عبد المطلب - رضي الله عنه [السيرة لابن هشام، ١/ ١٤٣- ١٤٥؛ الكردي: التاريخ القويم، ج٣، ص٤١٤٣؛ والفاكهي: أخبار مكة، ٢/ ٤٤].
تجلت بركتها في كفايتها للنبي - صلى الله عليه وسلم - منذ صغره؛ فقد قالت أم أيمن حاضنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم: "ما شكي محمد - صلى الله عليه وسلم - جوعًا قط ولا عطشًا، وكان يغدو إذا أصبح فيشرب من ماء زمزم، فربما عرضنا عليه الغداء فيقول: أنا شبعان" [بدر العيني: عمدة القاري، (٩ /٢٧٧)].
إن العمدة في فضلها قول المصطفى - صلى الله عليه وسلم -: «ماءُ زَمزمَ لما شُرِبَ لَهُ» [ابن ماجه: السنن، (٣٠٦٢)]؛ فمن شربه يستشفي شفاه الله، ومن شربه لشبعه أشبعـه الله، وكان ابن عباس - رضى اللّه عنهما - إذا شرب ماء زمزم قال: "اللهم إني أسألك علمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا، وشفاءً من كلِ داء" [الحاكم، المستدرك ١/ ٤٧٣].
وعن أبي بكر الدٍِينَوَري، أن سفيان بن عيينة حدَّث بحديث: «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ»، فقام رجل من المجلس ثم عاد، فقال: يا أبا محمد، أليس الحديث الذي حدثتنا به في زمزم صحيحًا؟ قال: نعم، قال الرجل: فإني شربت الآن دلوًا من زمزم على أنك تحدثني بمائة حديث، فقال له سفيان: اقعد، فقعد فحدثه بمائة حديث [أبو بكر الدينوري: المجالسة وجواهر العلم ٢/ ٢٤٢].
تعد بئر زمزم مادة غذائية متكاملة وهبها الله خاصية الإشباع والريّ معًا؛ فمن عظيم فضلها ومما جُرب من بركتها أنك إن شربته ليشبعك أشبعك الله، مصداقًا لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «خَيرُ ماءٍ على وجْهِ الأرضِ ماءُ زَمْزَمَ، فِيه طعامٌ من الطُّعْمِ»، فهي لا تروي الظماء فحسب، بل تمد البدن بالقوة وتغني عن الزاد، كما حدث مع أبي ذر الغفاري رضي الله عنه حين عاش عليها شهرًا كاملًا [مسلم، الصحيح (١٩٢١)].
هي الماء الذي اختاره الله ليغسل به الملائكة صدر المصطفى - صلى الله عليه وسلم - في كل حادثة كشق الصدر، وليلة الإسراء والمعراج، قال - صلى الله عليه وسلم -: «أُتِيتُ ليلةَ أُسرِيَ بي، فانطُلِقَ بي، إلى زمزمَ فشرح عن صدري، ثم غُسِلَ بماء زمزمَ» [مسلم: الصحيح، (١٦٢)]، والنظر إليها عبادة تحط الخطايا، وهي علامة فارقة؛ إذ لا يستطيع المنافق التضلع منها عن ابن عباس- رضي الله عنهما – أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «التضلُّعُ من ماءِ زمزمَ براءةٌ من النفاقِ» [السخاوي: المقاصد الحسنة، (٤٢٢)، الفاكهي: أخبار مكة، ١/ ٢٠٠].
وضع الفقهاء ضوابط دقيقة لاستعمال ماء زمزم تعظيمًا لقدره وتشريفًا لمكانته، وقد انقسمت هذه الاستعمالات إلى أمرين:
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن استعمال ماء زمزم في الوضوء والغسل أمرٌ جائزٌ لا كراهة فيه، بل هو مستحبٌّ عند كثيرين لنيل البركة، وتفصيل ذلك:
هنا يقف الفقهاء وقفة إجلال لهذا الماء المبارك، ففرقوا بين طهارة البدن وبين إزالة القذر، فمنعوا استعماله فيما فيه امتهان للماء:
الكراهة والتحريم: قرر السادة الحنفية كراهة الاستنجاء به أو غسل الثياب المتنجسة، بل نقلوا عن بعض العلماء القول بالحرمة صونًا لكرامة الماء [ابن عابدين، رد المحتار، ٢ /٦٢٥].
صيانة الماء عن المواضع المهينة: شدد المالكية على عدم إدخال ماء زمزم للمراحيض أو خلطه بالنجاسات أو الاغتسال به في الحمامات العامة، وأجازوه فقط لمن سَلُمت أعضاؤه من النجاسة الحقيقية [الحطاب، مواهب الجليل، دار الفكر، ١ / ٤٨-٤٩].
التعليل بكونه طعامًا: ويرى بعض المالكية أن وصفه بالطعام في السنة يقتضي حرمة استعماله في إزالة النجاسات لا مجرد الكراهة [العدوي، حاشية العدوي، دار الفكر، ١ / ١٦٠].
التشريف عند الشافعية والحنابلة: اتفقوا على كراهة إزالة النجاسة به تشريفًا لمكانته، فالمقام مقام تعظيم لا امتهان [زكريا الأنصاري، أسنى المطالب، دار الكتاب الإسلامي، ١ / ٩]، وأكد ذلك البهوتي بقوله "تشريفًا له" [البهوتي: كشاف القناع، ١/ ٢٨].
وكعادة الفقه الإسلامي في التيسير، فإن الكراهة ليست حكمًا مؤبدًا إذا ضاق الأمر، فإذا تعين ماء زمزم ولم يوجد غيره لإزالة نجاسة، زالت الكراهة؛ لأن الكراهة تزول بأدنى حاجة كما هي القاعدة المستقرة [العلامة السفاريني، غذاء الألباب، مؤسسة قرطبة، ج ٢، ص ٢٢].
نصَّ الفقهاء على أن ماء زمزم يُندب نقله، وأن خاصيته وبركته باقية ومصاحبة له في حله وترحاله، ردًا على من توهم زوال تلك الخصائص بمجرد خروجه من مكة، [أحمد الصاوي المالكي، حاشية الصاوي على الشرح الصغير، دار المعارف، ٢ /٤٤]، واستدلوا بفعل أمنا عائشة - رضي الله عنها – حيث "كانت تحملُ من ماءِ زمزمَ، وتخبرُ أنَّ رسولَ اللهِ - صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ - كان يحملُه" [الترمذي: السنن،٩٦٣].
ومن هنا استحب العلماء نقل الماء إلى الأوطان بقصد التبرك وإفادة الأهل والأصحاب ممن لم يزوروا البيت الحرام [ابن حجر الهيتمي، تحفة المحتاج، دار إحياء التراث، ٤/ ١٤٤]، وقال المُلّا علي القاري: "نقل ماء زمزم بقصد التبرك به هو أمر مندوب إليه ومحل اتفاق بين علماء الأمة لعموم نفع الماء وبركته " [الملا علي القاري، مرقاة المفاتيح، دار الفكر، ٥/ ١٨٠٥].
سنّ أهل مكة جعل آخر غسلة للميت بماء زمزم تبركًا ورجاء البركة للميت في قبره، كما فعلت السيدة أسماء بنت أبي بكر- رضي الله عنهما - مع ابنها عبد الله بن الزبير - رضي الله عنهما [راجع: حاشية العدوي، ١/ ٤١١].
ستظل بئر زمزم آيةً باقيةً، وشاهدةً على صدق الوعد الإلهي؛ تروي ظمأ الأجيال يقينًا واستشفاءً، وتتجدد بفيضها معجزات النبوة في كل عصر؛ فما أعظمها من نعمة، وما أجله من فيض؛ سقانا الله وإياكم من حوض نبيه - صلى الله عليه وسلم - شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا.
اختصت مصر بكسوة الكعبة فترة من الزمن.
حجر بيضاوي الشكل أسود ضارب للحمرة.
يمثل مقام إبراهيم عليه السلام أحد أعظم معالم المسجد الحرام.
يمثل حجر إسماعيل عليه السلام معلمًا بارزًا في رحاب المسجد الحرام.
كيف بدأت رحلة الحج منذ نداء إبراهيم عليه السلام؟