Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الدروس النفسية المستفادة من الهجرة النبوية

الكاتب

هيئة التحرير

الدروس النفسية المستفادة من الهجرة النبوية

إن المتأمل في تفاصيل الهجرة المباركة يجدها مدرسة متكاملة تزخر بالعديد من الدروس النفسية التي تمثل علاجًا ناجعًا لكثير من الأزمات والضغوط التي يواجهها الإنسان المعاصر، فهي نموذجٌ واقعيٌّ للتغلُّب على المشاكل البيئية والمجتمعيَّة والنفسيَّة.

التوكل على الله وأثره في تحقيق الأمن النفسي

يُعَدُّ الأمن النفسي (Psychological Security) من أهم الاحتياجات الإنسانية التي تضمن استقرار الفرد وسلامة صحته العقلية والنفسية، وقد تجلى هذا الأمن في أبهى صوره خلال أحداث الهجرة، وتحديدًا في غار ثور؛ فعندما وقف المشركون على باب الغار، واشتد القلق بسيدنا أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- خوفًا على حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا"؛ فأجابه النبي -صلى الله عليه وسلم- بيقين وثبات ونفسٍ مطمئنَّة لقدرة القوي المتين -سبحانه: «ما ظَنُّكَ يا أبا بَكْرٍ باثْنَيْنِ اللَّهُ ثالِثُهُما؟!» [رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما].

لا تكاد هذه الصورة التي رسمها سيدنا أبو بكر -رضي الله عنه- بهذه العبارة تفارق خيالك، فالأعداء قد أحاطوا بالغار، والعدد كبير، ومكان المُهَاجِرَين بغير حصون ولا مَنَعَة، والرغبة في إيقاف هجرة النبي -صلى الله عليه وسلم- وصاحبه شديدة، وفي هذه اللحظة يظهر إيمان وعبقرية النبي -صلى الله عليه وسلَّم- فالقلق والخوف شعوران طبيعيان يواجهان الإنسان عند الخطر، لكن النبي -صلى الله عليه وسلم- عالج قلق صاحبه بتوجيه انتباهه إلى قوة أعلى وأعظم، وهي معية الله - تعالى.

فهذا اليقين المطلق -التوكل على الله تعالى- يعمل كمصد نفسي قوي (Psychological Buffer) يمتص صدمة الخوف، ويخفض من إفراز هرمونات التوتر، ويستبدل الهلع بشعور عميق بالسكينة والطمأنينة، كما وثق القرآن الكريم هذا الحدث بقوله -تعالى: ﴿إِذۡ یَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِینَتَهُۥ عَلَیۡهِ وَأَیَّدَهُۥ بِجُنُودࣲ لَّمۡ تَرَوۡهَا﴾ [سورة التوبة: ٤٠].

التخطيط وإدارة الأزمات كعلاج وقائي للقلق

التوكل لا يتعارض مع التخطيط من الناحية النفسية، بل إنَّ العشوائية وعدم اليقين هما اللذان يُسبِّبَان التوتر والقلق (Anxiety) ، ولكي يتجاوز النبي -صلى الله عليه وسلَّم- هذا الألم النفسي اتخذ أسبابًا دقيقة لنجاح الهجرة؛ فاختار الرفيق المناسب -أبا بكر رضي الله عنه- واستأجر دليلًا خبيرًا بالطرق ولو كان على غير دينه -عبد الله بن أريقط - وكلَّف سيدنا علي بن أبي طالب بالنوم في فراشه للتمويه ورد الأمانات، وجعل السيدة أسماء بنت أبي بكر مسؤولة عن التموين والإمداد اللوجستي، وعبد الله بن أبي بكر لنقل الأخبار، وعامر بن فهيرة لإخفاء آثار الأقدام [كتاب الرحيق المختوم للمباركفوري].

فهذا التخطيط المحكم للهجرة المباركة يمثل ما يُعرف في علم النفس بـ (التعامل المرتكز على حل المشكلة) (Problem-Focused Coping) ، فعندما يواجه الإنسان أزمة كبيرة، فإن تقسيم المشكلة إلى مهام صغيرة وتوزيع الأدوار يمنح الفرد شعورًا بالسيطرة (Sense of Control) على الموقف، وهذا الشعور يخفف من حدة التوتر النفسي، ويجعل الإنسان مستعدًا لمواجهة التحديات بذهن صافٍ، مؤكدًا أن الأخذ بالأسباب الدنيوية جزء لا يتجزأ من الاستقرار النفسي.

المرونة النفسية (Resilience) والتعامل مع الفقد والتغيير

لا شك أنَّ الهجرة وترك الأهل والأوطان -برغبة من المهاجر أو رغمًا عنه- من أشد الضغوط النفسية التي يتعرض لها الإنسان (Acculturative Stress) فالتعلق بالمكان جزء من هوية الفرد، ومفارقة الوطن تولد حزنًا عميقًا في النَّفْس.

وقف النبي - صلى الله عليه وسلم - يخاطب مكة عند خروجه منها قائلًا بحزن يملأ قلبه: «واللهِ إنَّكِ لخَيرُ أرضِ اللهِ وأحَبُّ أرضِ اللهِ إلى اللهِ، ولولا أنِّي أُخرِجْتُ منكِ ما خَرَجْتُ» [رواه الترمذي وقال: حسن صحيح]، فهذا الموقف يوضح أهمية الاعتراف بالمشاعر أو التنفيس الانفعالي (Emotional Catharsis) فلم يكبت النبي -صلى الله عليه وسلم- حزنه أو يتجاهله، بل عبر عنه بكلمات صريحة ومؤثرة، وتؤكد الدراسات النفسية الحديثة أن كبت المشاعر السلبية يؤدي إلى اضطرابات نفسية وجسدية، بينما التعبير عنها يسرع من عملية الشفاء وتَقَبُّل الواقع الجديد، وقد أظهر النبي - صلى الله عليه وسلم - مرونة نفسية فائقة؛ فبمجرد أن فرغ من توديع ماضيه -مكة- وجَّه طاقته النفسية والجسدية لبناء مستقبله -المدينة- وهو جوهر مفهوم المرونة النفسية: القدرة على التكيُّف مع المحن والنهوض بعدها بقوة.

زرع الأمل والتفكير الإيجابي في أحلك الظروف

في أوقات الأزمات الشديدة تتوارد إلى العقل البشري بعض الأفكار الكارثيَّة (Catastrophizing) وهنا يأتي دور القائد في بث الأمل وتغيير النظرة المستقبلية؛ فعندما لحق سراقة بن مالك بالنبي -صلى الله عليه وسلم- وصاحبه أبي بكر -رضي الله عنه- طمعًا في الجائزة الكبرى التي رصدتها قريش لمن يأتي بهما أحياءً أو أمواتًا، وعقب غوص قوائم فرس سراقة في الرمال وعجزه عن الوصول إليهما، أعطاه النبي -صلى الله عليه وسلم- الأمان، وبشره بشارة عظيمة قائلًا: «كَأَنِّي بِكَ قَدْ لَبِسْتَ سِوَارَيْ كِسْرَى» [رواه البيهقي في السنن الكبري].

ترى في هذا الموقف النبوي تجسيدًا لأقصى درجات التفكير الإيجابي (Positive Thinking) والنظرة المستقبلية المتفائلة (Optimism) فالنبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا الموقف كان مهاجرًا ومُتَخَفِّيًا ومُلاحقًا، ورغم ذلك كله كان واثقًا من النصر لدرجة أنه لم يَعِد سراقة بالنجاة فقط، بل وعده بغنائمِ أعظمِ إمبراطورية في ذلك الزمان، من الناحية النفسية، فإنَّ زرع الأملِ في النفوس وقت الأزمات يحمي الفرد من الانهيار النفسي والاستسلام للاكتئاب، ويفتح أمامه بابًا لتحقيق الأهداف والطموحات، ويحفز العقل على رؤية الفرص بدلًا من التركيز على التهديدات.

أهمية الدعم الاجتماعي لبناء صحة نفسية سليمة

الانتقال إلى بيئة جديدة يولد شعورًا بالاغتراب والوحدة، ولذلك كان من أُولى الخطوات في المدينة معالجة هذا الأثر النفسي، فبعد وصول النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة قام بخطوة عبقرية غير مسبوقة، وهي المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار حيث قاسم الأنصارُ إخوانهم المهاجرين الأموال والديار بطيب خاطر [سيرة ابن هشام].

ويُمثِّل نظام المؤاخاة أقوى شكل من أشكال (الدعم الاجتماعي(Social Support) ، تؤكد الدراسات النفسية أن الانتماء إلى شبكة اجتماعية داعمة يخفف من آثار الصدمات النفسية  (Post-Traumatic Stress)، ويعزز من تقدير الذات، فقد شعر المهاجرون الذين فقدوا أموالهم ومنازلهم بهويتهم الجديدة وبأهميتهم في مجتمع تَقبَّلهم واحتضنهم بحب، مما أزال عنهم الشعور بالوحدة وعوَّضهم عن الفقد المادي والمعنوي الذي تعرضوا له، وقد خلد القرآن هذا السلوك الإيثاري النبيل بقوله -تعالى: ﴿وَٱلَّذِینَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلۡإِیمَٰنَ مِن قَبۡلِهِمۡ یُحِبُّونَ مَنۡ هَاجَرَ إِلَیۡهِمۡ وَلَا یَجِدُونَ فِی صُدُورِهِمۡ حَاجَةࣰ مِّمَّاۤ أُوتُوا۟ وَیُؤۡثِرُونَ عَلَىٰۤ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةࣱۚ﴾ [سورة الحشر: ٩].

إعادة البناء وتأسيس الهوية

لم يكن الهدف من الهجرة مجرد النجاة، بل كان بناء مجتمع جديد له هُوية مستقلة يستطيع مواجهة كل التحديات -الاجتماعية والنفسية والاقتصادية ...- فكان أول عمل قام به النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد استقراره في المدينة بناء المسجد، ثم كتابة وثيقة المدينة التي تنظم العلاقات بين جميع طوائف وسكان المدينة [الرحيق المختوم للمباركفوري، وسيرة ابن هشام].

ولقد وفَّرَ بناء المسجد للفرد المسلم مركزًا روحيًّا واجتماعيًّا يعزز هويته ويربطه بجماعته، أما كتابة وثيقة المدينة، فقد وفَّرَت شعورًا بالعدل والأمان المجتمعي لجميع الأطراف، وهو تطبيق لما ورد في هرم (ماسلو) للاحتياجات الإنسانية، حيث لا يمكن للفرد أن يصل إلى تحقيق الذات والإبداع إلا بعد تلبية احتياجاته للأمان والانتماء المجتمعي.

الخلاصة

تُعَدُّ الهجرة النبويَّة مدرسةً نفسيَّةً ونموذجًا واقعيًّا لتجاوز الأزمات؛ حيث رسَّخت التوكُّل على الله والتخطيط المُحكم لتحقيق الأمن النفسيّ وتخفيف القلق، كما جسَّدت المرونة النفسيَّة في التعامل مع الفقد، وغرست أملًا مشرقًا عبر التفكير الإيجابيّ وقت الشدائد، وأبرزت أهميَّة الدعم الاجتماعيّ عبر المؤاخاة، وإعادة تأسيس الهُويَّة من خلال بناء المسجد ووثيقة المدينة؛ لِتُقَدِّمَ منهجًا فريدًا يحول المحن إلى منح، واليأس إلى نجاحٍ مستدام.

موضوعات ذات صلة

هجرة النبي ﷺ التي لم تكن لتنجح لولا طاقة شبابية لا تعرف المستحيل، وقلوبًا مؤمنة هانت عليها الدنيا كلها في سبيل الله

نودع عامًا، ونستقبل آخرَ، وبين الوداع والاستقبال يبقى التأمل، سلوك المحب للطاعة

الهجرة النبوية كانت في جوهرها مشروعًا حضاريًّا متكاملًا لبناء الإنسان: عقله، وقلبه، وسلوكه، ومكانته في المجتمع

الهجرة النبوية لها أبعاد شاملة تمس كل جوانب الحياة، ومنها البعد الاقتصادي

الهجرة النبوية كانت نقطة انطلاق لـتجربة اجتماعية فريدة في التعايش السلميّ بين مختلف الجماعات الدينيّة والعرقيّة