Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

لماذا كانت المدينة المنورة مكانًا للهجرة الأسباب والدلالات

الكاتب

هيئة التحرير

لماذا كانت المدينة المنورة مكانًا للهجرة الأسباب والدلالات

لم تكن هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - مجرد هروب أو خروج اضطراري من مكة، بل كانت خطوة مدروسة للانتقال بالدعوة من مرحلة الكلام والتبليغ إلى مرحلة العمل وبناء مجتمع ودولة فكيف التقت طبيعة أرض المدينة الـمحمية، وظروفها الـمعيشية، مع طيبة أهلها وجاهزيتهم النفسية، لتصبح هي الـمكان الـمناسب لنصرة هذا الدين الجديد

فقه التحول والامتداد ومقومات الدولة في الهجرة إلى المدينة المنورة

إن انتقال حضرة سيدنا النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة يمثل تحولاً استراتيجيًا بالدعوة من مرحلة البلاغ إلى مرحلة التأسيس؛ إذ كان من مقتضيات الوجود الحضاري إيجاد الأرض الحاضنة والبيئة المستقرة لتجسيد الدستور القرآني من أفكار وتوجيهات إلى واقع تشريعي ومؤسسي معيش، فكان اختيار المدينة المنورة بمثابة وضع حجر الأساس للعاصمة الأولى التي صاغت معالم الحضارة وبناء الإنسان.

الموقع الجغرافي للمدينة المنورة كـمكان ومستقر للهجرة إليها

  •  التحصن الطبيعي والمنعة الحربية

امتازت المدينة المنورة بتحصن طبيعي حربي فريد لا تزاحمها فيه مدينة قريبة في جزيرة العرب؛ إذ جعلتها يد القدرة الإلهية محاطة بموانع صخرية وحيوية تمنع تقدم الخيول والجيوش النظامية، فكانت حرة الوبرة مطبقة عليها من الناحية الغربية، وحرة واقم مطبقة عليها من الناحية الشرقية (والحرة هي الأرض ذات الحجارة السوداء البركانية الحادة التي تشبه النعل في صلابتها وحدتها)، ومن هنا عُرفت المدينة المدينة المنورة في الآثار والكتب القديمة بذات الحرار أو ذات الأحرين،  كما جاء في الآثار التاريخية القديمة ووصف الكهان لبيئتها قبل الإسلام: "الحق بيثرب ذات النخل والحرة ذات النعل"[السمهودي: وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى،١ / ١٩].

وقد لُقبت كذلك بذات النخل لانتشار بساتينها الملتفة، وهي الصفة الكاشفة التي ظهرت في معالم الرؤيا النبوية الشريفة، وجعلت القبائل العربية قديمًا تقصدها طلبًا للمنعة والاستقرار، كقول عمران بن عامر الكاهن وهو يصف البلاد لقومه: "ومن كان منكم يريد الراسخات في الوحل، المطعمات المحل، فليلحق بالحرة ذات النخل" [السمهودي: وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى،١ / ١٣٦].

بينما اكتست بقية أطرافها ببساتين النخيل والزروع المتشابكة، فصنعت عائقًا طبيعيًا يمنع تقدم الجيوش وترتيب صفوفها العسكرية؛ إذ لا يمكن اختراقها إلا من ممرات ضيقة تكفيها حراسات صغيرة لإحباط أي تسلل، وبناءً على هذه المنعة، ظلت الجبهة الشمالية الناحية الوحيدة المكشوفة، وهي الثغرة التي استثمرها حضرة سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحصنها بحفر الخندق سنة خمس من الهجرة في غزوة الأحزاب، فكان أحد جانبي المدينة عورة، وسائر جوانبها مشككة بالبنيان والنخيل، لا يتمكن العدو منها [أحمد ياسين الحسيني:

تاريخ معالم المدينة المنورة قديماً وحديثاً، نادي المدينة المنورة الأدبي، ١ /٢٤١]، وهو ما أشار إليه حضرة سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «أُريتُ دارَ هجرتِكم أُرِيتُ سَبَخَةً ذاتَ نخلٍ بيْنَ لابَتَيْنِ وهما حَرَّتانِ» [البخاري: الصحيح،٢٢٩٧].

  •  الموقع الاقتصادي للمدينة المنورة

إن موقع المدينة الجغرافي يرشحها للزعامة، فهي تقع في الوسط بين الدول الكبرى الثلاث التي كانت موجودة في ذلك العصر، الفرس والروم من الشمال، والحبشة من الجنوب والمسافات بينها وبين هذه الدولة بعيدة بحيث يصعب على أي منها غزوها أو التسلط عليها، بعكس مكة فإنها كانت قريبة جدا من الحبشة التي حاول بعض قادتها الاعتداء عليها ومهاجمتها عن طريق اليمن، وبهذا تكون المدينة من الناحية السياسية أكثر ملاءمة من غيرها لتكون عاصمة للدولة الجديدة [د. محمد السيد الوكيل: المدينة المنورة عاصمة الإسلام الأولى، دار المجتمع، ص٨٠]

أما على الصعيد الاقتصادي، فقد تميز هذا الموقع بوجوده الحاكم على شريان طريق القوافل التجارية الرئيسي بين اليمن والشام، بحيث غدت المدينة بمثابة النقطة الإجبارية التي لا تكاد تتجاوزها تجارة قريش، هذا الموقع الحيوي مَنح المدينة المنورة قوة ضغط اقتصادية هائلة مكنتها من محاصرة عصب الحياة والوجود لأهل مكة، وهو ما تجلى بوضوح في شهادات قادة قريش أنفسهم؛ إذ يُلخص صفوان بن أمية هذا المأزق الخانق بقوله: "إنّ محمداً وأصحابه قد عوّروا علينا متجرنا، فما ندري كيف نصنع بأصحابه، وهم لا يبرحون الساحل، وقد وادعهم أهل الساحل ودخل عامتهم معه، فما ندري أين نسلك؟ وإن أقمنا في دارنا هذه أكلنا رؤوس أموالنا، فلم يكن لنا بها بقاء، وإنما حياتنا بمكة على التجارة إلى الشام في الصيف، وفي الشتاء إلى أرض الحبشة" [الواقدي: المغازي، دار الأعلمي، ١ / ١٩٧]، فكان هذا الحصار الاقتصادي البليغ سبباً في كسر غطرستهم، وأخضعهم لاحقاً لمهادنة المسلمين في صلح الحديبية.

  •  الاكتفاء الذاتي في المدينة المنورة

تميزت المدينة المنورة بكونها بلدًا زراعيًا يوفر الضروريات من طعام وشراب وكساء؛ هذا الوضع منحها استقلالًا ماديًا واكتفاءً ذاتيًا يُغنيها عن الحواضر الأخرى، ووفر لأهلها استقراراً بيئيًا واجتماعيًا هيأهم لحمل عبء الدعوة والجهاد، دون الاضطرار للضرب في الأرض طويلاً للتجار [د. محمد السيد الوكيل: المدينة المنورة عاصمة الإسلام الأولى، ص ٧٩].

وهو التمايز الاقتصادي والبيئي الذي عبّر عنه أبو هريرة - رضي الله عنه - بقوله: "إنَّ إِخْوَتِي مِنَ المُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بالأسْوَاقِ، وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنَ الأنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمُ العَمَلُ فِي أَمْوَالِهِمْ" [البخاري: صحيح، ٢٣٥٠].

الدلالات الاجتماعية والدعوية للهجرة إلى المدينة المنورة

  •  الفراغ السياسي ومأساة يوم بعاث

لم تكن يثرب مركزًا دينيًا مقدسًا يحرك صراع القبائل كوجود الكعبة في مكة، مما أبعد عنها أنظار الطامعين، كما تميزت بعدم وجود قيادة سياسية موحدة نتيجة النزاع التاريخي التقليدي بين الأوس والخزرج، والتوجس الـمتبادل مع اليهود؛ ولم يكن بها إلا مشروع زعامة واهن لعبد الله بن أبي بن سلول الذي كان قومه ينظمون له الخرز ليتوجوه ملكاً، فلما دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة تلاشى مشروعه، وهذا الواقع السياسي صوّره سعد بن عبادة – رضي الله عنه - بقوله:" أي رسول الله، بأبي أنت، اعف عنه واصفح، فوالذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحق الذي أنزل عليك، ولقد اصطلح أهل هذه البحرة على أن يتوجوه ويعصبوه بالعصابة، فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاك شرق بذلك، فذلك فعل به ما رأيت"[البخاري، الصحيح، ٦٢٠٧].

ومن فقه التدبير الإلهي أن الحروب الطاحنة التي دامت بين الجُذَمين منذ حرب سُمير حتى يوم بُعاث أهلكت كبار زعمائهم القدامى، مما أزاح عقبة كؤودًا؛ إذ كان الـمحتمل أن يقفوا عائقًا أمام إسلام قومهم حفاظاً على مكاسبهم، كما فعل سادة مكة، ويظهر هذا العائق جلياً في قصة الوفد الأوسي الذي قدم مكة يطلب حِلف قريش؛ فإذ عرض عليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - الإسلام، قال الغلام إياس بن معاذ: "هذا والله خير مما جئتم له"، فما كان من رئيس الوفد أبو الحُيسر أنس بن رافع إلا أن زجره وضَرَب وجهه بحفنة تراب قائلًا: "دعنا منك، لقد جئنا لغير هذا"، وانصرفوا إلى المدينة حيث كانت وقعة بعاث، ثم مات إياس بعدها يهلل ويكبر، ولم يشك قومه في إسلامه [ابن هشام، ١/٤٢٨].

فبقضاء حرب بُعاث على تلك الرؤوس العاتية (ومنهم أبو الحيسر)، برزت طبقة ثانية اصطلت بنار الحرب وعاشت ويلاتها، فصارت أنفسهم ظامئة لـملاذٍ يحقن دماءهم، فكانت البيئة النفسية خصبة تماماً لقبول الإسلام كحلٍّ منصفٍ يجمع الكلمة، مصداقاً لقول السيدة عائشة - رضي الله عنها: "كان يوم بعاث يوما قدمه الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم -، فقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد افترق ملؤهم، وقتلت سرواتهم وجرحوا، فقدمه الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - في دخولهم في الإسلام" [البخاري، الصحيح، ٣٧٧٧].

  •  دور أهل الكتاب (اليهود) في إعداد العقول

كان تمركز اليهود بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة في يثرب سببًا غير مباشر في تهيئة أذهان الأوس والخزرج؛ إذ كانوا أهل كتاب وعلم وسط مجتمع مشرك يعبد الأوثان، وكان اليهود يترقبون ظهور نبي آخر الزمان، ويتوعدون العرب بالانتقام تحت رايته، ويرددون في نواديهم مفاهيم البعث والحساب والجنة والنار، فلما عَرَض النبي - صلى الله عليه وسلم - الإسلام على وفد الخزرج في عقبة منى، كانت هذه الـمعارف مألوفة في وعيهم، فبادروا بالتصديق فوراً مخافة أن يسبقهم اليهود إليه، وهذا الأثر الفكري والـموقف الاستباقي يظهر جلياً في الرواية التاريخية وفيها "فلما كلَّم رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أولئك النفر، ودعاهم إلى الله، قال بعضُهم لبعضٍ: يا قوم، تعلموا واللهِ إنه للنبي الذي توعدكم به يهود، فلا تسبقنَّكم إليه، فأجابوه فيما دعاهم إليه بأن صدّقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام، وقالوا: إنا قد تركنا قومنا، ولا قومَ بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك... ثم انصرفوا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - راجعين إلى بلادهم وقد آمنوا وصدقوا" [ابن هشام: السيرة النبوية،١/٤٢٨].

  •  سيطرة الأوس والخزرج السياسية وبشائر مصعب

دخل الإسلام يثرب على أيدي قوة عربية حرة تملك قرارها؛ إذ نجح الأوس والخزرج قُبيل الهجرة في فرض سيادتهم على المدينة وإخضاع اليهود لنفوذهم، بعد أن غلبوهم على الأموال والآطام، وعزّوا وذلّت اليهود [راجع: محب الدين ابن النجار: الدرة الثمينة في أخبار المدينة، ص٣١]، وتكللت هذه السيادة المستقلة بنجاح سفارة سيدنا مصعب بن عمير - رضي الله عنه - الذي حملت تقاريره بشائر تحول مجتمعي حاسم؛ إذ اعتنق سادة القوم وأشرافهم الدين الجديد بحرية تامة، حتى" لم تبقَ دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون" [ابن هشام، السيرة، ١ / ٤٣٧]، فغدت المدينة مهيأة تماماً لتكون معقلاً حراً وحصناً آمناً للدولة الناشئة.

  •  الخصائص السلالية والروح اليمانية للأنصار

شاهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جفاء قريش وغلظتهم معه وهم أهله، وعاين طرد أهل الطائف له وجرأتهم على أذاه، بينما وجد في وفود الأنصار اختلافاً جذرياً في الطبيعة البشرية؛ حيث امتازوا بدماثة الأخلاق، ورجاحة العقول، وسلامة الصدور، فقد طُبعت هذه القبائل على الرقة واللين وعدم المغالاة في الكبرياء وجحود الحق، نظراً لخصائصهم السلالية اليمانية؛ إذ نزح أجدادهم من اليمن قديماً عقب انهيار سد مأرب، وتتلاقى هذه الطبائع النفسية مع الـمأثور الـحق في الثناء على أهل اليمن الذين هم أصل الأنصار؛ حيث أخرج الإمام البخاري من حديث أبي مسعود عقبة بن عمرو رضي الله عنه قوله - صلى الله عليه وسلم - مشيراً بيده نحو اليمن: «جاءَ أهلُ اليَمَنِ، هُم أرَقُّ أفئِدةً، الإيمانُ يَمانٍ، والفِقْهُ يَمانٍ، والحِكمةُ يَمانيةٌ» [البخاري، الصحيح،٤٣٨٧]، فكان من فقه القدر أن يأرز الإيمان إلى المدينة ويسكنها، مصداقاً لثنائه سبحانه عليهم في محكم التنزيل: ﴿وَٱلَّذِینَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلۡإِیمَٰنَ مِن قَبۡلِهِمۡ یُحِبُّونَ مَنۡ هَاجَرَ إِلَیۡهِمۡ وَلَا یَجِدُونَ فِی صُدُورِهِمۡ حَاجَةࣰ مِّمَّاۤ أُوتُوا۟ وَیُؤۡثِرُونَ عَلَىٰۤ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةࣱۚ وَمَن یُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُو۟لَٰۤئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩]، فغدت طبيعتهم المرنة الحاضنة هي البيئة الـمثالية لاستقرار الدين ونموه.

  •  رعاية الأرحام والقرابة الاجتماعية

كان بنو عدي بن النجار من الخزرج أخوالًا لجد النبي - صلى الله عليه وسلم - عبد المطلب؛ حيث تزوج هاشم بن عبد مناف بـ"سلمى بنت عمرو" الخزرجية، فوُلد لها عبد المطلب وتربى في بيئة أخواله بالمدينة وغلاماً بها قبل أن يحتمله عمه الـمطلب إلى مكة، وحيث إن العرف العربي يضع للأرحام وزناً ثقيلاً في الـمنعة والنصرة والذمام، فقد شكل هذا الرابط دافعاً وجدانياً أصيلاً لبني النجار خاصة، والأنصار عامة، في حماية ابن أختهم - صلى الله عليه وسلم -؛ وهو ما تجلى في نزوله الشريف أول مقدمه في دار أبي أيوب الأنصاري - رضي الله عنه - وهو من بني النجار[راجع: ابن هشام، السيرة، ١ / ١٣٧].

الأسس الروحية والاجتماعية لبناء مجتمع ما بعد الهجرة في المدينة المنورة

  • صهر العصبية والمؤاخاة النبوية

 كان المجتمع العربي منقسمًا سلاليًًا بين القحطانية (الأنصار) والعدنانية (المهاجرون)، وكانت بينهما منافسات شعواء تُذكيها العصبية، فانسدت منافذها بائتلافهم تحت لواء الإسلام، وعمد حضرة سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى إحداث تغيير جذري؛ فبدّل اسم يثرب لـِما فيه من دلالات التثريب والملامة وسماها المدينة أو طابة، واستبدل اسمي الأوس والخزرج بالأنصار إزالةً للفرقة، ثم عقد المؤاخاة النبوية بين المهاجرين والأنصار كإجراء دستوري واجتماعي صهر المجتمع الجديد في بوتقة واحدة، وأسس لارتباط مصيري بلغ حدّ التوارث قُبيل نسخه، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةࣱ﴾ [الحجرات: ١٠].

  •  النقاوة البيئية والمباركة الروحية

 إلى جانب الأبعاد السياسية والاجتماعية، حبا الله المدينة بمواصفات بيئية شفائية؛ فبدعائه - صلى الله عليه وسلم - تحولت من أرض وباء وحُمّى إلى أرض بركة ونقاء، وجُعل في ثمارها وتمرها لا سيما عجوة العالية ترياق وشفاء، مصداقاً لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ فِي عَجْوَةِ الْعَالِيَةِ شِفَاءً، وَإِنَّهَا تِرْيَاقٌ مِنْ أَوَّلِ الْبُكْرَةِ» [مسلم، الصحيح ٢٠٤٨]، لتغدو بيئة معافاة تناسب استقرار المحضن الجديد للدولة.

الخلاصة

إن اختيار المدينة المنورة لم يكن محض اتفاق، بل هو مظهر من مظاهر العناية الإلهية والحكمة النبوية التي استثمرت عبقرية المكان ونقاء البيئة ورقة النفوس الإيمانية؛ لتذوب عصبية الجاهلية في بوتقة المؤاخاة، ويتحول الوجود الإسلامي من فضاء البلاغ والتوجيه إلى واقع التشريع وبناء الدولة الجامعة الجديدة.

موضوعات ذات صلة

يتجلى الإيثار، السر الأعظم من أسرار الهجرة النبوية

نودع عامًا، ونستقبل آخرَ، وبين الوداع والاستقبال يبقى التأمل، سلوك المحب للطاعة

الهجرة النبوية كانت في جوهرها مشروعًا حضاريًّا متكاملًا لبناء الإنسان: عقله، وقلبه، وسلوكه، ومكانته في المجتمع؛

الهجرة النبوية ليست فقط انتقالًا جغرافيًّا لسيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من مكة إلى المدينة