Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

هجرة الرسول إلى المدينة

الكاتب

فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور/ محمد الفحام شيخ الأزهر

هجرة الرسول إلى المدينة

تُمثّل الهجرة النبوية الشريفة أعظم نقطة تحول في تاريخ الإسلام، حيث تحوّلت الدعوة من مرحلة الصبر والمواجهة في مكة، إلى مرحلة التمكين وبناء الدولة في المدينة المنورة.

قريش بدار الندوة

كانت لقريش دارٌ يجتمعون فيها للتشاور في أمورهم، وهي دار أحد أجدادهم قصي بن كلاب، فلما علمتْ بهجرة المسلمين إلى المدينة التي أصبح لهم بها أنصارٌ بايعوا محمدًا على الموت في سبيل الإسلام؛ خافوا هجرته إليهم لِمَا يترتب عليها من حروب يشنّها عليهم بالمهاجرين والأنصار، فاجتمعوا بدار الندوة المذكورة للتشاور فيما يصنعون برسول الله حتى يَحُولُوا دون الخطر المنتظر، فقال أبو البَختري بن هشام: احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه بابًا، ثم تربَّصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء قَبْلَهُ، فقال قائل: ما هذا برأي، والله لو حبستموه ليخرجنَّ أَمْرُه من وراء الباب الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه فلأوشكوا أَنْ يَثِبُوا عليكم فينتزعوه من أيديكم ثم يُكاثروكم حتى يغلبوكم على أمركم، فانظروا في غيره، فقال ربيعة بن عمرو العامري: نُخْرِجُه من بين أَظْهُرِنا فننفيه من بلادنا فلا نُبالي أين ذهب، فقال قائل: والله ما هذا برأي، ألم تروا حُسْنَ حديثه وحلاوة مَنْطِقِهِ وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي به، والله لو فعلتم ذلك ما أَمِنْتُمْ أَنْ يَحِلَّ على حَيٍّ من العرب فيغلب بذلك عليهم من قوله حتى يطلعوا عليكم ثم يسير بهم إليكم حتى يَطَأَكُمْ بهم فيأخذَ أمركم من أيديكم، ثم يفعل بكم ما أراد، فانظروا رأيًا آخر.

فقال أبو جهل: والله إن لي فيه رأيًا ما أراكم وقعتم عليه، أرى أَنْ تأخذوا من كل قبيلة فَتًى شَابًّا جَلْدًا نَسِيبًا وسيطًا، ثم يُعْطَى كُلُّ فَتًى منهم سيفًا صارمًا، ثم يعمدوا إليه فيضربوه ضربة رجل واحد فيقتلوه فنستريح منه ويتفرق دَمُه في القبائل، فلا يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعًا فنعقله لهم، فقال قائل: القول ما قال لا أرى غيره، فوافق المتآمرون وتفرقوا على ذلك ﴿وَیَمۡكُرُونَ وَیَمۡكُرُ ٱللَّهُۖ وَٱللَّهُ خَیۡرُ ٱلۡمَٰكِرِینَ﴾ [الأنفال: ٣٠]، فقد أرسل الله جبريل فأوصى النبي -صلى الله عليه وسلم- أن لا يبيت على فراشه الذي كان يبيت عليه في الليلة التي حدَّدها المشركون لتنفيذ ما تآمروا عليه وأخبره بمؤامرتهم.

فلَمَّا جاءت الليلة الموعودة اجتمعوا على بابه يرصدونه حتى ينام فيَثِبُوا عليه فأمر عليًّا أن ينام على فراشه ويتغطَّى بِبُرْدِهِ الأخضر، وقال له: «لَنْ يَخْلُصَ إِلَيْكَ شَيْءٌ تَكْرَهُهُ»، ونَفَّذَ عليٌّ ما أوصاه به الرسول بائعًا نفسَه فداءً لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- [سيرة ابن هشام١/٤٨٠-٤٨٣(المجلة)].

هجرة الرسول إلى المدينة

تَمَّتْ عمليةُ المبادلة بين الرسول  وبين ابن عمِّه عليٍّ، والقومُ يرصدون، ولكن الله أعماهم فلم يروها، مع أنهم كانوا يُتابعون النظر من فرج في بابه، ثم خرج الرسول من بين أولئك الراصدين ونثر الترابَ على رءوسهم جميعًا، وهو يتلو سورة (يس) إلى قوله تعالى: ﴿فَأَغۡشَیۡنَٰهُمۡ فَهُمۡ لَا یُبۡصِرُونَ﴾ [يس: ٩]، فأعماهم الله عن مشاهدته، وكان الرسول قد توجه ظُهْرًا إلى أبي بكر وأعلمه أن الله -تعالى- أذن له في الهجرة، فسأله الصحبة فأجابه إليها، فعرض عليه إحدى راحلتيه اللتين أعدَّهما فَقَبِلَها بالثمن فجهَّزاهما أسرع الجهاز، وصنعتْ لهما سفرة في جراب، فقطعتْ أسماء بنت أبي بكر نطاقها، وربطت به فم الجراب، واستأجرَا عبد الله بن أُرَيْقِط من بني الديل بن بكر، وكان هاديًا ماهرًا وعلى دين قريش، وكان أمينًا فَدَفَعَا إليه راحلتيهما وواعداهُ غَارَ ثَوْرٍ بعد ثلاثِ ليالٍ، ثم فارق الرسولُ أبا بكر وواعده المقابلةَ ليلًا.

وكانت هذه الليلة ليلة الاستعداد من قريش لتنفيذ ما تآمروا عليه، فاجتمعوا حول بابه، وحدث ما ذكرناه من خروجه - صلى الله عليه وسلم - من بينهم وهم لا يشعرون، وتوجَّه للقاء أبي بكر كما وعده فلقيَه في داره -كما ذكره ابن القيم في زاد المعاد [٣ / ٤٦ (المجلة)]- ثم خرجا من خوخة [الخوخة: باب صغير] فيها وسارا حتى بلغا غار ثَوْرٍ فاختفيا فيه.

وجاء رجلٌ فوجد المشركين بباب الرسول فقال: ما تنتظرون؟ قالوا: محمدًا، قال: قد خيَّبكم الله، قد والله خرج محمدٌ عليكم ثم ما ترك منكم رجلًا إلا ووضع على رأسه ترابًا وانطلق لحاجته، فما ترون ما بكم؟ فوضع كُلُّ رجلٍ منهم يدَه على رأسه فإذا عليه تراب [ذكره القسطلاني في المواهب وابن القيم في زاد المعاد].

وروى ابن إسحاق أنهم جعلوا يطلعون فيرون عليًّا على الفراش مُتَسَجِّيًا بِبُرْدِ الرسول -صلى الله عليه وسلم، فيقولون: والله إن هذا لمحمدٌ نائمٌ عليه بردةٌ، فلم يزالوا كذلك حتى أصبحوا، فقام عليٌّ عن الفراش، فقالوا: لقد صَدَقَنَا الذي كان حدَّثنا [سيرة ابن هشام ١ / ٤٨٣. (المجلة)].

وعن أحمد أنهم سألوا عليًّا فقالوا: أين صاحبُك؟ قال: لا أدري [مسند أحمد، تحقيق: الشيخ أحمد شاكر، حديث رقم: (٣٢٥١) (المجلة)]، وقال السهيلي: ذكر بعضُ أهل السِّيَرِ أنهم هَمُّوا بالوُلُوجِ عليه فصاحت امرأةٌ من الدار، فقال بعضهم لبعض: إنها لَسُبَّةٌ في العرب أن يتحدث عنَّا أنَّا تَسَوَّرْنَا الحيطان على بنات العَمِّ وهتكنا سِتْرَ حُرْمَتِنا، فهذا الذي أقامهم على الباب حتى أصبحوا [الروض الأنف، للسهيلي ٤ / ٢٠١ (المجلة)].

وكان خروجُه للهجرة بعد بيعة العقبة الثانية بثلاثة أشهر تقريبًا، كما ذكره الحاكم وابنُ إسحاق.

هياج قريش وحسرتهم

لَمَّا تحققتْ قريش من خيبتهم وأنهم إنما باتوا يحرسون عليًّا هاجتْ عواطفهم وتحسّروا على ضياع تدبيرهم، فطلبوه من كل جهة وأرسلوا العَرَّافِينَ بالأثر خَلْفَهُ، وجعلوا لمن يأتي بالرسول أو يدلُّ عليه مئةً من الإبل، فوجد أحدُهم أثره متجهاً إلى جبل ثَوْرٍ فتبعه حتى وصل إلى جبل ثور فقال: هُنا انقطع الأثرُ، ولا أدري أخذ يمينًا أو شمالًا أو صعد الجبلَ.

الخلاصة

أثبتت أحداث الهجرة النبوية أن المكر البشري يتلاشى أمام الرعاية الإلهية، وأن التضحية وحسن التخطيط هما الركيزتان الأساسيتان اللتان شُيِّدت عليهما أركان الدولة الإسلامية الأولى.

موضوعات ذات صلة

الانتقال من أرض إلى أخرى؛ لتحقيق أهداف سامية للمهاجر.

رسّخت الهجرة معالم اليقين وصنعت الأمل وسط الأزمات بمعجزاتها ودلالاتها الإيمانية.

الهجرة النبوية جسدت التوكل الحق على الله مقترنًا بالأخذ الكامل بالأسباب والتخطيط الدقيق.

كانت الهجرة ملحمةً إيمانيةً واستراتيجيةً عظيمةً، تجلَّت فيها معاني التضحية والصبر والأخذ بالأسباب.

تتجلى عبقرية القيادة النبوية في الاستعانة بـ (عبد الله بن أُرَيقط) دليلًا للرحلة رغم كفره.

موضوعات مختارة