Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

السيدة أسماء بنت عميس رضي الله عنها: صاحبة الهجرتين عبر القارتين

الكاتب

هيئة التحرير

السيدة أسماء بنت عميس رضي الله عنها: صاحبة الهجرتين عبر القارتين

تمثل سيرة الصحابية الجليلة السيدة أسماء بنت عميس - رضي الله عنها - نموذجًا متقدمًا للمرأة القيادية التي أسهمت بوعيها وثباتها في صياغة التاريخ الإسلامي المبكر، ولم تكن رحلتها الطويلة بين مكة والحبشة والمدينة المنورة مجرد تنقل جغرافي فريد بين قارتين، بل تجربة إيمانية وحضارية أسست من خلالها لفقه الصمود والوعي الحقوقي والاجتماعي.

أسماء بنت عميس: النشأة والريادة في ميزان الإسلام المبكر

تنتسب السيدة أسماء بنت عميس بن مَعَد الكنانية الخثعمية إلى بيتِ عِزٍّ ورفعة، وأمها هي هند بنت عوف التي وُصفت بأنها "أكرم عجوز في الأرض أصهارًا" [الإصابة، ابن حجر، جـ ٧، صـ ٤٩٢]، فنشأت السيدة أسماء في بيئةٍ وهبتها رجاحة العقل، والذكاء الفذ، والقدرة على إدارة الأزمات، وهي صفاتٌ صقلت شخصيتها؛ لتصبح مؤهلة لأدوار تاريخية كبرى، وقد أسلمت السيدة أسماء بمكة قديمًا قبل دخول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دار الأرقم بن أبي الأرقم [الاستيعاب، ابن عبد البر ، جـ ٤، صـ ١٧٨٢]، فكانت من السبّاقات اللواتي تجرعن مرارة الاضطهاد المكي المبكر، تزوّجت أولًا من جعفر بن أبي طالب (ذي الجناحين)، فكانا نموذجًا فريدًا للبيت الإيماني المهاجر والمجاهد في سبيل العقيدة [الطبقات الكبرى، ابن سعد، جـ ٨، صـ ٢١٩]، تجلّى صبرها وثباتها في تحمل أذى قريش، ولم يكن إسلامها مجرد استجابة عاطفية، بل كان خيارًا واعيًا مبنيًا على فقهٍ وعزيمة، وقد امتدت هذه الريادة الاجتماعية والسياسية عبر مسيرة حياتها الحافلة؛ إذ تزوجت بعد استشهاد جعفر بخليفة رسول الله أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - فكانت شريكة دربه وأنجبت له محمدا، ثم تزوجت بعد وفاته بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - لتكون سيدة في بيوت كبار رجالات الأمة والتأسيس [سير أعلام النبلاء، جـ ٢، صـ ٢٨٤]، ويُجمع المؤرخون على أنها كانت من المرجوع إليهم في الرأي والمشورة؛ لوفور عقلها وحكمتها (سير أعلام النبلاء، الذهبي، جـ ٢، صـ ٢٨٢)، إن هذا التأسيس الإيماني والنفسي المبكر، والنشأة القائمة على الصلابة والوعي، هما اللذان شكّلا التمهيد الموضوعي والركيزة الأساسية التي انطلقت منها السيدة أسماء بنت عميس لتصنع دورها الاستثنائي والريادي في تاريخ الهجرتين.

أسماء بنت عميس في هجرة الحبشة: صناعة الصمود وفقه الغربة

امتدادًا لثباتها المبكر، كانت السيدة أسماء بنت عميس في طليعة المهاجرين إلى أرض الحبشة برفقة زوجها جعفر بن أبي طالب [السيرة النبوية، ابن هشام، جـ ١، صـ ٣٢٣]، لتخوض اختبارًا عسيرًا يمسّ العقيدة والهوية،  واجهت السيدة أسماء قسوة الغربة الموحشة وعزلة الوطن بقلبٍ راسخ، متجاوزةً التحديات النفسية والاجتماعية للعيش في مجتمع غريب كليًا بلغته وعاداته، ومستظلةً بعدل ملكها "النجاشي" [سير أعلام النبلاء، الذهبي، جـ ٢، صـ ٢٨٣]، ولم يكن دورها هناك سلبيًا مكتفيًا بالانتظار، بل تحوّلت في الحبشة إلى منارة وعي، وحاضنة تربوية وفقهية للمسلمات المهاجرات، فأنشأت بيئة معنوية متماسكة خففت من وطأة الاغتراب، وقد أنجبت في تلك البلاد أبناءها: عبد الله، ومحمدًا، وعونًا، فكانت تدير شؤون بيتها ومجتمعها الصغير بذكاء وحكمة بالغة [الطبقات الكبرى، ابن سعد، جـ ٨، صـ ٢١٩]، لقد جسّد مكوثها الطويل في الحبشة -والذي دام لسنوات عديدة- المعنى الحقيقي لفقه الصمود، حيث أثبتت أسماء أن المرأة المسلمة قادرة على حفظ دينها، وصناعة مجتمع إيماني مصغر وفاعل، ومواجهة مشاقّ اللجوء والاغتراب بكل جدارة وثبات.

أسماء بنت عميس في هجرة المدينة: الالتحاق بالركب التأسيسي ونيل اللقب

شهد عام خيبر المحطة الأبرز في مسيرة السيدة أسماء بنت عميس التاريخية، حيث طوت صفحة اغتراب الحبشة الطويل لتبدأ رحلة هجرتها الثانية نحو المدينة المنورة، مكللةً مسيرتها بلقب "صاحبة الهجرتين" [الاستيعاب، جـ ٤، صـ ١٧٨٣]، وصلت أسماء في سفينتها ليلتحق ركبها بدولة الإسلام الناشئة، ففرح النبي -صلى الله عليه وسلم - بقدومهم فرحًا عظيمًا جلى وحشة السنين، ويدل على ذلك ما رواه البخاري في صحيحه في قصة دخول أسماء على أم المؤمنين حفصة، ودخول النبي - صلى الله عليه وسلم - وتسجيله هذا الشرف التاريخي لها:

عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «بَلَغَنَا مَخْرَجُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَنَحْنُ بِاليَمَنِ، فَخَرَجْنَا مُهَاجِرِينَ إِلَيْهِ... فَأَلْقَتْنَا سَفِينَتُنَا إِلَى النَّجَاشِيِّ بِالحَبَشَةِ، فَوَافَقْنَا جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَأَصْحَابَهُ عِنْدَهُ، فَقَالَ جَعْفَرٌ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بَعَثَنَا هَاهُنَا وَأَمَرَنَا بِالإِقَامَةِ فَأَقِيمُوا مَعَنَا، فَأَقَمْنَا مَعَهُ حَتَّى قَدِمْنَا جَمِيعًا، فَوَافَقْنَا النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ فَتَحَ خَيْبَرَ، فَقَسَمَ لَنَا أَوْ أَسْهَمَ لَنَا... وَكَانَ نَاسٌ يَقُولُونَ لَنَا - يَعْنِي لِأَهْلِ السَّفِينَةِ -: سَبَقْنَاكُمْ بِالهِجْرَةِ، وَدَخَلَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ - وَهِيَ مِمَّنْ قَدِمَ مَعَنَا - عَلَى حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم – زَائِرَةً، وقدْ كانَتْ هاجَرَتْ إلى النَّجاشِيِّ فِيمَن هاجَرَ، فَدَخَلَ عُمَرُ على حَفْصَةَ، وأَسْماءُ عِنْدَها، فَقالَ عُمَرُ حِينَ رَأى أسْماءَ: مَن هذِه؟ قالَتْ: أسْماءُ بنْتُ عُمَيْسٍ، قالَ عُمَرُ: الحَبَشِيَّةُ هذِه البَحْرِيَّةُ هذِه؟ قالَتْ أسْماءُ: نَعَمْ، قالَ: سَبَقْناكُمْ بالهِجْرَةِ، فَنَحْنُ أحَقُّ برَسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنكُمْ، فَغَضِبَتْ......... »، وفي تمام الحديث يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لأسماء تطيبًا لخاطرها وإنصافًا لها ولأهل السفينة: «لَيْسُوا بِأَحَقَّ بِي مِنكُمْ، لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ هِجْرَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَكُمْ أَنْتُمْ أَهْلَ السَّفِينَةِ هِجْرَتَانِ» [ صحيح البخاري، حديث رقم ٤٢٣٣،  جـ ٥، صـ ١١٥]، فالحديث يثبت تأكيد النبي - صلى الله عليه وسلم - لعظمة دورها ودور ركبها بأن لهم "هجرتين"؛ هجرة إلى الحبشة وهجرة إلى المدينة، ولم تكن هذه العودة مجرد تغيير للمكان، بل شكلت نقطة تحول كبرى في اندماجها السريع بمجتمع المدينة التأسيسي؛ إذ سرعان ما تبوأت مكانة اجتماعية رفيعة بفضل وعيها وخبراتها المتراكمة، فأقبلت عليها نساء المدينة ينهلن من فقهها وحكمتها، فقد كرست هذه الهجرة الثانية اسم السيدة أسماء كنموذج للمرأة المسلمة التي عاصرت مراحل التمكين وبناء الدولة بعد سنوات الصبر، واستحقت عن جدارة تصدر الصفوف الأولى في تاريخ الإسلام التأسيسي برحلتها المباركة بين قارتين.

أسماء بنت عميس ومكانتها في العهد النبوي: حوار الوعي وبشارة الهجرتين

لم يكن لقب "صاحبة الهجرتين" مجرد تشريف عابر، بل عكس وعيًا عميقًا جسّدته السيدة أسماء بنت عميس في إدراكها لجهادها ومكانتها، تجلّى هذا الوعي في مناقشتها الشهيرة مع سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حين قال لها ممازحًا: "سبقناكم بالهجرة، فنحن أحق برسول الله - صلى الله عليه وسلم - منكم"، فغضبت السيدة أسماء ولم تقبل بإنقاص قدر رحلتهم الشاقة، وردّت بصلابة وبيان واضح: "كلا والله، كنتم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يطعم جائعكم، ويعظ جاهلكم، وكنّا في دار البُعداء البغضاء بالحبشة، وذلك في الله وفي رسوله" [فتح الباري، جـ ٧، صـ ٤٤٢]. نقلت السيدة أسماء الحوار إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - تبتغي حكمًا منصفًا ينهي جدل المفاضلة، فجاءت الشهادة النبوية الشريفة جابرة لقلبها ومثبتة لأجر ركبها الطويل بـ "أجر الهجرتين" [سير أعلام النبلاء، جـ ٢، صـ ٢٨٥]، فأظهر هذا الموقف فقه السيدة أسماء الدفاعي عن حقوق المهاجرين الأوائل، وعمق منزلتها عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي أنصف موقفها، فصارت قصتها منارة تُبرز كيف صانت المرأة المسلمة حقها الأدبي والتاريخي بالوعي والحجة الساطعة.

الإرث الخالد لـ أسماء بنت عميس: دروس في القيادة النسائية والتضحية

يتجاوز إرث السيدة أسماء بنت عميس حدود الزمان، ليقدم نموذجًا حيًا ومتقدمًا للمرأة القيادية والمثابرة في صدر الإسلام، فقد تركت السيدة أسماء أثرًا اجتماعيًا وسياسيًا عميقًا؛ إذ تحولت من مهاجرة تقاوم قسوة الاغتراب وفقد الوطن، إلى مرجعية فقهية واستشارية كبرى يثق بها الخلفاء الراشدون ويعتدّون برأيها وحكمتها [ سير أعلام النبلاء، جـ ٢، صـ ٢٨٧]، ويتضح ذلك في اعتماد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - على علمها النادر في تأويل الرؤى، حيث ورد في الأثر: «كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِذَا رَأَى الرُّؤْيَا، أَوْ رُئِيَتْ لَهُ، أَتَى أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ فَأَخْبَرَهَا بِهَا، فَتَعْبُرُهَا لَهُ» [الإصابة، جـ ٧، صـ ٤٩٣]، ولم تقتصر هذه الثقة على شؤون التعبير، بل امتدت لتشمل فقه القضايا العامة؛ حيث كانت أول من أشار في الإسلام بصناعة النعش المغطى صونًا لحرمة جسد المرأة عند حمل الجنازة، وهو الصنيع الذي رأتْه في الحبشة واستحسنه الخلفاء وعملوا به بالمدينة [سير أعلام النبلاء، جـ ٢، صـ ٢٨٦]، كما بلغت مكانتها الاستشارية ذروتها في بيت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، الذي كان يثق برجاحة عقلها ويفوض إليها الحكم في دقائق الأمور لمعرفته بعمق فقهها وحكمتها البالغة [الطبقات الكبرى، جـ ٨، صـ ٢٢٠]، كما يتجلى الأثر الممتد لرحلتها بين قارتين في ترسيخ مفهوم التضحية الواعية، حيث أثبتت أن دور المرأة في بناء الدولة وحمايتها لا يقل أهمية عن دور الرجال، لقد ألهمت مسيرتها أجيالًا من المسلمات في كيفية الجمع بين رعاية الأسرة في أصعب الظروف، وبين المشاركة الفاعلة في صياغة الوعي المجتمعي والدفاع عن الحقوق [الطبقات الكبرى، جـ ٨، صـ ٢٢٠]، فهذا التاريخ الحافل يجعل من اسم السيدة أسماء بنت عميس رمزًا ملهمًا في الثبات المرن، وإدارة الأزمات، والقيادة بالقدوة، حيث برهنت عبر مسيرة هجرتيها الشاقتين أن عظمة الأوطان وبناء العقيدة يحتاجان دومًا إلى عقول النساء الحكيمة وسواعدهن الصابرة.

الخلاصة

سيرة السيدة أسماء بنت عميس - رضي الله عنها - ستظل فصلًا استثنائيًا في تاريخ الإسلام؛ إذ لم تكن مجرد عابرة في محطات الهجرة، بل صانعة أثر بوعيها وثباتها، فإرثها الخالد بوصفها "صاحبة الهجرتين" يؤكد أن قوة الدين وبناء الأوطان لا يكتملان إلا بعقول النساء الحكيمة وتضحياتهن العظيمة عبر التاريخ.

موضوعات ذات صلة

إن تتبُّعَ مآثر الرعيل الأول، كأم أيمن - رضي الله عنها - هو استمطارٌ لقيم البناء التربوي والحضاري لأمتنا

ارتبطت هجرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، في أذهان المسلمين بالشجاعة والقوة والإقدام

كان سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه أقرب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة 

شكل الانتماء الصادق للأمة حجر الزاوية في القيادة النبوية

موضوعات مختارة