Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

استراتيجية الهجرة في الإسلام

الكاتب

هيئة التحرير

استراتيجية الهجرة في الإسلام

تكشف أحداث الهجرة عن نموذج فريد يجمع بين حسن التخطيط والأخذ بالأسباب والتوكل على الله، حيث تدرجت خطواتها من البحث عن الملاذ الآمن إلى بناء التحالفات وتأسيس المجتمع الجديد، لتصبح الهجرة مدرسة خالدة في القيادة وإدارة الأزمات وصناعة المستقبل.

الهجرة كخيار استراتيجي

تمثل الهجرة في الفكر الاستراتيجي الإسلامي تحولًا جذريًّا من مجرد رد فعل للهروب من الاضطهاد إلى أداة استراتيجية استباقية لكسر حتمية الجغرافيا، مصداقًا لمفهوم (المراغمة) الذي عرفه الطبري بأنه: "التحوّل من الأرض إلى الأرض" [تفسير الطبري: ٩/ ١١٩]، هذا المنظور يعيد تعريف الحركة؛ فهي ليست انسحابًا يمليه العجز، بل هي إعادة تموضع تفرضه الحكمة لإدارة الصراع وصناعة البديل، وهي فلسفة ترفض بصرامة رهن المبادئ الكبرى والمشاريع الوجودية ببقعة جغرافية معينة إذا ما تحولت هذه البقعة إلى بيئة طاردة أو مستنزِفة تعوق الإنتاج والنمو، تطبيقًا للحكم الشرعي الذي قرره القرطبي بقوله: "وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى هجران الأرض التي يعمل فيها بالمعاصي" [الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٥ / ٣٤٦].

وتتجلى أبعاد هذا المفهوم في عدة محاور رئيسة؛ منها: تجاوز القيود المكانية بالانتقال من بقعة جغرافية ضيقة إلى مكان أوسع لتمكين المشروع الحضاري، والتخطيط الاستراتيجي المحكم، وصناعة بيئة جديدة يعيش فيها بحرية، تمامًا كما تجسد هذا التخطيط الاستباقي في السيرة النبوية قبل الهجرة، حين اشترط العباس بن عبد المطلب على الأنصار لحماية المشروع قائلًا: "فَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْن أَنَّكُمْ وَافُونَ لَهُ بِمَا دَعَوْتُمُوهُ إلَيْهِ وَمَانِعُوهُ مِمَّنْ خَالَفَهُ، فَأَنْتُمْ وَمَا تَحَمَّلْتُمْ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْن أَنَّكُمْ مُسْلِموه وَخَاذِلُوهُ بَعْدَ الْخُرُوجِ بِهِ إلَيْكُمْ، فَمِنْ الْآنَ فدَعَوْه، فَإِنَّهُ فِي عِز ومَنَعة مِنْ قَوْمِهِ وَبَلَدِهِ" [السيرة النبوية لابن هشام: ٢ / ٦٣].

الهجرة إلى المدينة (يثرب)

تعامل الإسلام مع مبدأ الهجرة بشيء من البساطة والتلقائية، وجعله في بعض الحالات واجبًا مفروضًا على الإنسان، والهجرة هنا تعني حماية للنفس وصيانة للمعتقد والتوسع في الأرض والرزق وإقامة المجتمع الآمن على نفسه القادر على حماية شعبه وفكره ودولته، والناظر إلى نصوص الدين الحنيف يجد مثل هذه الأبعاد الحضارية كامنة في داخلها، ففي سورة النساء – مثلًا - جاءت الهجرة متضمنة معنى الاضطرار الحتمي، يقول المولى تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِینَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰۤئِكَةُ ظَالِمِیۤ أَنفُسِهِمۡ قَالُوا۟ فِیمَ كُنتُمۡۖ قَالُوا۟ كُنَّا مُسۡتَضۡعَفِینَ فِی ٱلۡأَرۡضِۚ قَالُوۤا۟ أَلَمۡ تَكُنۡ أَرۡضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةࣰ فَتُهَاجِرُوا۟ فِیهَاۚ﴾ [النساء: ٩٧]، 

وهذا وعد صريح واضح من الله –عز وجل- بأن الترحال والإعمار باب واسع من أبواب سعة الرزق، ويفيد أنه –جل وعلا- يرفض قبول الاستضعاف كمسوغ شرعي أو سياسي للبقاء تحت وطأة القهر إذا كانت هناك نافذة للحركة؛ لذلك جاء التوبيخ من الملائكة ليوجه إلى الوعي الجغرافي، فالمكان الذي يولد فيه الإنسان ليس قدرًا حتميًّا للبقاء فيه إذا سُلبت كرامته وحريته.

وفي قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَن یُهَاجِرۡ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ یَجِدۡ فِی ٱلۡأَرۡضِ مُرَٰغَمࣰا كَثِیرࣰا وَسَعَةࣰۚ﴾ [النساء: ١٠٠] إشارة إلى أن الهجرة قد تكون قانونًا مطردًا لتوفير الرزق وتحقيق الأمن، فيربط القرآن بشكل شرطي حتمي بين الهجرة والنتيجة التمكينية بلفظة (يَجِدْ)، وقد فسّر المفسرون لفظة (السعة) في الآية بالسعة في الرزق والمعيشة والخروج من الضيق" [تفسير ابن كثير: ص ٩٤]، وتعني استراتيجيًّا وفرة الخيارات الحياتية والموارد الاقتصادية التي كان الحصار الخارجي يمنعها [مقال بعنوان: إعمار الأرض غاية حضارية، د مصطفى رمضان، مجلة الخليج، ٢ أكتوبر ٢٠٠٨].

تعدد الهجرات في الإسلام

الهجرة في الإسلام تعني الانتقال في سبيل الله لحفظ الدين، وهو ما يقرره ابن حجر العسقلاني في بيان معناها الاصطلاحي بقوله: "الهجرة مفارقة دار الكفر إلى دار الإسلام" [فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر: ١ / ١٦]، وتنقسم إلى هجرة حسية (انتقال مكاني)، وهجرة معنوية (ترك ما نهى الله عنه)، وقد شكّلت هذه الهجرات محطات حاسمة في حماية الدعوة الإسلامية وتأسيس الدولة الإسلامية، وشملت أحداثًا مفصلية متعددة؛ إذ لم تقف الهجرة عند حدود الانتقال الجغرافي كإجراء مؤقت، بل امتدت لتصبح منظومة حركية متكاملة توازن بين المادة والوعي.

وقد تعددت الهجرات في الإسلام وكلها كان لتحقيق هذا الهدف فكانت الهجرة إلى الحبشة (الهجرة الأولى والثانية) لاشتداد أذى قريش على المسلمين الأوائل في مكة، وكانت الهجرة إلى يثرب (الهجرة النبوية) التي تُعد الحدث الأبرز الذي غيّر مجرى التاريخ الإسلامي، وبداية تأسيس الدولة الإسلامية، ثم هجرة الدعوة والجهاد بعد فتح مكة الذي انتهى بعد الهجرة من مكة إلى المدينة، كما بيّن الإمام النووي علة هذا الانتهاء بقوله: "لا هجرة بعد الفتح أي لا هجرة من مكة لأنها صارت دار إسلام" [المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج للنووي: ٥ / ١٧٣]، وبقي باب الهجرة إلى الله متمثلًا في الجهاد، ونشر الإسلام، وطلب العلم ثم بعد ذلك الهجرة المعنوية (الباقية إلى يوم القيامة) التي أرساها النبي ﷺ بقوله: «وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ» [صحيح البخاري (٦٤٨٤)]، وتتمثل في مجاهدة النفس وترك المعاصي والآثام.

الخلاصة

يؤصل المنهج الإسلامي للهجرة باعتبارها استراتيجية واعية ترفض قبول القهر الجغرافي كمسوّغ للعجز، رابطاً إياها بفرص السعة والتمكين واكتشاف الموارد البديلة، وقد تجلت مرونة هذه الفكرة في ترابط أبعادها؛ حيث بدأت بهجرات حسّية ومكانية متتالية شيدت ركائز الدولة، وامتدت لتستقر كقانون معنوي وسلوكي دائم يضمن تجدد الأمة وتفوقها القيمي.

موضوعات ذات صلة

الهجرة النبوية جسدت التوكل الحق على الله مقترنًا بالأخذ الكامل بالأسباب والتخطيط الدقيق.

كانت الهجرة النبوية مشروعًا حضاريًا متكاملًا جسّد معاني الصبر والأخذ بالأسباب.

كانت الهجرة في جوهرها مشروعًا حضاريًّا متكاملًا لبناء الإنسان.

كانت الهجرة انتقالًا استراتيجيًا من مرحلة الدعوة إلى مرحلة بناء الدولة والمجتمع.

نغوص في أعماق العبقرية الإدارية للقيادة النبوية، لنكتشف كيف أدار النبي ﷺ المخاطر، ووظف الطاقات، وأحبط مؤامرات قريش

موضوعات مختارة