لم يكن الأثر النفسي لإشراق النور
المحمدي قاصرًا على ائتلاف القلوب بعد عداوة الأوس والخزرج، بل امتد ليعالج
أعمق الأزمات النفسية والجسدية التي واجهت المهاجرين لحظة وصولهم، وهي وحشة
الغربة واكتئاب المرض، فقد كانت يثرب أرضًا وبيلة مشهورة بالحُمَّى، فما إن
استقر فيها المسلمون حتى أصاب البلاء أجسادهم، واشتاقت نفوسهم لبيوتهم بمكة، ووقعت
القلوب في أسر الحنين الحارق والإحباط النفسي، وصورت أم المؤمنين عائشة - رضي
الله عنها - هذا المشهد النفسي المعقد بدقة وجلال فقالت: "لَمَّا قدِمَ
رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المَدينةَ، وُعِك أبو بَكرٍ وبلالٌ، قالت:
فدَخَلتُ عليهما، فقُلتُ: يا أبَتِ كيفَ تَجِدُك؟ ويا بلالُ كيفَ تَجِدُك؟ قالت:
فكان أبو بَكرٍ إذا أخَذَته الحُمَّى يقولُ:
كُلُّ امرِئٍ مُصَبَّحٌ في أهلِه *** والمَوتُ أدنى مِن شِراكِ نَعلِه
وكان بلالٌ إذا أقلَعَ عنه الحُمَّى يَرفَعُ
عَقيرَتَه ويقولُ:
ألا لَيتَ شِعري هل أبيتَنَّ
لَيلةً *** بوادٍ وحَولي إذخِرٌ وجَليلُ
وهل أرِدَنْ يَومًا مياهَ
مَجَنَّةٍ *** وهل يَبدُوَنْ لي شامةٌ وطَفيلُ
إن هذا الأنين الشجي يعكس أزمة نفسية
حادة كادت تعصف بالاستقرار الروحي اللازم لتأسيس المجتمع الجديد؛ حيث امتزجت سكرات
المرض بآلام الفقد للموطن الأول، وفي تلك اللحظة الفاصلة، تجلى المدد النفسي
والروحي ببركة وجود حضرة سيدنا النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي احتوى
هذا الاضطراب، ورفع أكف الضراعة إلى السماء مصلحًا العلاقة النفسية والوجودية بين
الإنسان والمكان، فدعا بدعائه التاريخي الخالد:«اللَّهُمَّ حَبِّبْ إلَيْنَا المَدِينَةَ
كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ، وصَحِّحْها، وبارِكْ لنا في صاعِها ومُدِّها،
وانقُلْ حُمَّاها فاجعَلْها بالجُحفةِ» [البخاري: ٣٩٢٦].
فكان
هذا الدعاء الشريف بمثابة تأهيل نفسي وكوني فوري؛ حيث تبدلت جغرافيا المشاعر من
الانقباض والوحشة إلى الألفة والسكينة، وانعتق المسلمون من عقدة الوباء والخوف من
المجهول، لتتحول المدينة في وجدانهم منذ تلك اللحظة من منفىً موحش إلى موطن للروح
ومستقر ومستودع للطاقة النفسية التي انطلقوا بها لبناء أركان الدولة الراشدة.