Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الحالة النفسية للمسلمين في المدينة لحظة وصول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وظهور النور المحمدي

الكاتب

هيئة التحرير

الحالة النفسية للمسلمين في المدينة لحظة وصول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وظهور النور المحمدي

لحظة وصول سيدنا النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- للمدينة كانت نقطة تحول نفسية تاريخية، انتقل فيها المسلمون من حالة القلق والانقسام إلى حالة من الأمل، الفرح، الانتماء، والأمان النفسي. هذا النور المحمدي كان بداية لتأسيس مجتمع متماسك نفسيًا وروحيًا، قادر على مواجهة تحديات الحياة وبناء مستقبل مزدهر.

ترقب المدينة المنورة دخول الموكب النبوي في رحلة الهجرة

إنَّ المتأمل في فقه السيرة النبوية المشرفة، لَيقفُ بـإجلالٍ ودهشة أمام تلك اللحظة التاريخية الفارقة، لحظة أن أشرقت شمس الوجود، وتحركت ركاب حضرة الحبيب المصطفى - صلى الله عليه وسلم - نحو يثرب، فتبدلت ماهيتها، وتحولت من أرض الوباء والوحشة إلى حِمى النور والسرور، لتصبح (المدينة المنورة).

لقد كانت تلك اللحظة بمثابة بعثٍ نفسي جديد، وتحولٍ روحيٍّ عميق في الوجدان الإنساني؛ إذ كان الأنصار -رضي الله عنهم - يعيشون قبلها في حالة من الترقب المشحون بالأمل اللاهب والاشتياق العارم، ينتظرون مقدمه الشريف كمن ينتظر غياث السماء بعد طول جدب، يخرجون كل غداة إلى الحَرّة ينتظرونه، حتى يمسهم حر الظهيرة، وقد ورد وصف الحالة عن عروة بن الزبير - رضي الله عنه - حيث قال: "وسَمِعَ المُسلِمونَ بالمَدينةِ مَخرَجَ رَسولِ اللهِ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - مِن مَكَّةَ، فكانوا يَغدونَ كُلَّ غَداةٍ إلى الحَرَّةِ، فيَنتَظِرونَه حتَّى يَرُدَّهم حَرُّ الظَّهيرةِ" [البخاري: ٣٩٠٦]؛ وهو مشهد يختزل رغبة عارمة في الانعتاق من أوجاع الماضي وقلق الانقسامات الأهلية والحروب القبلية المنهكة، والتطلع إلى فجرٍ جديد تسوده العدالة المحمدية، والرحمة الربانية المهداة.

ومع استقرار ركابه الشريف - صلى الله عليه وسلم - انقلبت جغرافيا المشاعر من التوجس والاضطراب إلى مراتب الأمن الروحي والاستقرار النفسي التام، حتى وصف سيدنا أنس بن مالك - رضي الله عنه - ذلك الأثر النفسي والكوني المشهود بقوله البليغ: "لَمَّا كَانَ اليَوْمُ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  - المَدِينَةَ أَضَاءَ مِنْهَا كُلُّ شَيْءٍ" [الترمذي: ٣٦١٨]، وفي رواية  قال: "ما رأيتُ يومًا كان أحسنَ ولا أضوأَ من يومِ دخل علينا رسولُ اللهِ - صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ" [أحمد" المسند،١٤٠٦٣]، قال الطيبي:" الضمير راجع إلى المدينة ، وهذا يدل على أن الإضاءة كانت محسوسة"[الملا علي القاري: مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، دار الفكر،٩ /٣٨٤٨]، فخيمت طمأنينة السكينة على القلوب؛ لأنهم صاروا تحت راية الدستور الإلهي الحكيم والنظام النبوي العادل.

مظاهر فرح وابتهاج المسلمين بمقدم سيدنا المصطفى صلى الله عليه وسلم المدينة

لما تبدَّى النور المحمدي، وظهَرتْ طَلعتهُ السَّنية التي ملأت الآفاق ضياءً، ونادى الصارخ بقدومه الشريف، انفجرت في نفوس المجتمع المدني ينابيعُ الفرح والابتهاج النفسي الغامر، وخرجت المدينة عن بكرة أبيها في تظاهرة وجدانية لم يثر التاريخ بمثلها؛ فاعتلوا آطام البيوت وصياصي النخيل، واصطف الرجال والنساء، والولائد والصبيان يشتعلون فرحًا، ويموجون بهجة، حيث يصف البراء بن عازب - رضي الله عنه - المشهد فيقول: "فصَعِدَ الرِّجالُ والنِّساءُ فوقَ البُيوتِ، وتَفَرَّقَ الغِلمانُ والخَدَمُ في الطُّرُقِ، يُنادونَ: يا مُحَمَّدُ يا رَسولَ اللهِ، يا مُحَمَّدُ يا رَسولَ اللَّهِ" [مسلم: ٢٠٠٩]، وفي رواية الإمام البخاري: "فَمَا رَأَيْتُ أَهْلَ المَدِينَةِ فَرِحُوا بشيءٍ فَرَحَهُمْ برَسولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ - حتَّى جَعَلَ الإمَاءُ يَقُلْنَ: قَدِمَ رَسولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ" [البخاري: ٣٩٢٥]، فاهتزت القلوب طربًا، وشخصت الأبصار وجدًا، وصارت الأرواح ترفرف في فضاءات من الأنس والراحة النفسية الكبرى، وكأنَّ هذا النور النبوي قد بدد - في لمحة عين - كل ظلمات الجاهلية، وضغائن النفوس، واضطرابات الخوف، وتجلى هذا الفرح الأكبر في ذلك الاستقبال المهيب الذي تلاحمت فيه الأرواح قبل الأجساد.

بيد أنَّ التجلي الأكبر لهذا النور الشريف في النفوس، والأثر النفسي الآسر الذي هيمن على العقول والقلوب لحظة اللقاء الأول، هو ما صوره بدقة وجلال حبر المدينة وعالمها عبد الله بن سلام - رضي الله عنه - عند سماع الصارخ بقدوم حضرة سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ يقول: "أَوَّلُ ما قَدِمَ رسولُ اللهِ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - المدينةَ انْجَفَلَ الناسُ إليه، فكُنْتُ فِيمَن جاءَهُ، فلما تَأَمَّلْتُ وجهَه واسْتَثْبَتُّهُ عَلِمْتُ أنَّ وَجْهَهُ ليس بوَجْهِ كَذَّابٍ! قال: وكان أَوَّلُ ما سَمِعْتُ من كلامِه أن قال: «أَيُّها الناسُ، أَفْشُوا السلامَ، وأَطْعِمُوا الطعامَ، وصَلُّوا بالليلِ والناسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الجنةَ بسَلَامٍ» [الترمذي: ٢٤٨٥]، وإن في هذا لبرهانًا ساطعًا على أن الهجرة كانت هجرةً للقلوب وتأمينًا للمشاعر قبل الأبدان.

التأهيل النفسي والمكاني للمهاجرين بعد الهجرة النبوية

لم يكن الأثر النفسي لإشراق النور المحمدي قاصرًا على ائتلاف القلوب بعد عداوة الأوس والخزرج، بل امتد ليعالج أعمق الأزمات النفسية والجسدية التي واجهت المهاجرين لحظة وصولهم، وهي وحشة الغربة واكتئاب المرض، فقد كانت يثرب أرضًا وبيلة مشهورة بالحُمَّى، فما إن استقر فيها المسلمون حتى أصاب البلاء أجسادهم، واشتاقت نفوسهم لبيوتهم بمكة، ووقعت القلوب في أسر الحنين الحارق والإحباط النفسي، وصورت أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - هذا المشهد النفسي المعقد بدقة وجلال فقالت: "لَمَّا قدِمَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المَدينةَ، وُعِك أبو بَكرٍ وبلالٌ، قالت: فدَخَلتُ عليهما، فقُلتُ: يا أبَتِ كيفَ تَجِدُك؟ ويا بلالُ كيفَ تَجِدُك؟ قالت: فكان أبو بَكرٍ إذا أخَذَته الحُمَّى يقولُ:

كُلُّ امرِئٍ مُصَبَّحٌ في أهلِه *** والمَوتُ أدنى مِن شِراكِ نَعلِه

 وكان بلالٌ إذا أقلَعَ عنه الحُمَّى يَرفَعُ عَقيرَتَه ويقولُ:

ألا لَيتَ شِعري هل أبيتَنَّ لَيلةً *** بوادٍ وحَولي إذخِرٌ وجَليلُ

وهل أرِدَنْ يَومًا مياهَ مَجَنَّةٍ *** وهل يَبدُوَنْ لي شامةٌ وطَفيلُ

إن هذا الأنين الشجي يعكس أزمة نفسية حادة كادت تعصف بالاستقرار الروحي اللازم لتأسيس المجتمع الجديد؛ حيث امتزجت سكرات المرض بآلام الفقد للموطن الأول، وفي تلك اللحظة الفاصلة، تجلى المدد النفسي والروحي ببركة وجود حضرة سيدنا النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي احتوى هذا الاضطراب، ورفع أكف الضراعة إلى السماء مصلحًا العلاقة النفسية والوجودية بين الإنسان والمكان، فدعا بدعائه التاريخي الخالد:«اللَّهُمَّ حَبِّبْ إلَيْنَا المَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ، وصَحِّحْها، وبارِكْ لنا في صاعِها ومُدِّها، وانقُلْ حُمَّاها فاجعَلْها بالجُحفةِ» [البخاري: ٣٩٢٦].

فكان هذا الدعاء الشريف بمثابة تأهيل نفسي وكوني فوري؛ حيث تبدلت جغرافيا المشاعر من الانقباض والوحشة إلى الألفة والسكينة، وانعتق المسلمون من عقدة الوباء والخوف من المجهول، لتتحول المدينة في وجدانهم منذ تلك اللحظة من منفىً موحش إلى موطن للروح ومستقر ومستودع للطاقة النفسية التي انطلقوا بها لبناء أركان الدولة الراشدة.

الخلاصة

لحظة وصول سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة شكّلت نقطة تحول نفسية وتاريخية فارقة؛ إذ انتقل المسلمون من أجواء القلق والانقسام التي عاشوها في مكة، إلى حالة من الأمل والفرح والانتماء، مقرونة بشعور عميق بالأمان النفسي. لقد كان النور المحمدي الذي أشرق في المدينة بداية تأسيس مجتمع متماسك نفسيًا وروحيًا، يمتلك القدرة على مواجهة التحديات، وبناء مستقبل مزدهر قائم على الوحدة والإيمان.

موضوعات ذات صلة

الهجرة النبوية ليست فقط انتقالًا جغرافيًّا لسيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من مكة إلى المدينة

يُعتبر دور المرأة في الهجرة النبوية مثالاً يُحتذى به في التاريخ الإسلامي

نودع عامًا، ونستقبل آخرَ، وبين الوداع والاستقبال يبقى التأمل، سلوك المحب للطاعة

الهجرة النبوية لم تكن مجرد انتقال مكاني من مكة إلى المدينة، بل كانت في جوهرها مشروعًا حضاريًّا متكاملًا

موضوعات مختارة