Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

calendar الجمعة ١٨ محرم ١٤٤٨هـ ٠٣-٠٧-٢٠٢٦م

خطبة الأسبوع

الإصدار الحادي والستون: سلسلة زاد الأئمة والخطباء.. ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين

الكاتب

وزارة الأوقاف المصرية

الإصدار الحادي والستون: سلسلة زاد الأئمة والخطباء.. ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين

ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين

الخطبة الأولى: ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين

الهدف المراد توصيله: بيان فضل مصر وخصوصيتها، وأن الأمن والأمان أساس استقرار الأوطان ونهضتها.

الخطبة الثانية: التحذيرمن التطاول على الدين بسب أو شتم في أوقات الغضب والمشاجرات


الحمد لله الذي فاوت بين العباد، وفضَّلَ بعض خلقه على بعض، حتى في الأمكنة والبلاد، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، أفصح من نطق بالضاد، وعلى آله وصحبه السادة الأمجاد؛ أما بعد:

فمن أجلِّ نعم الله تعالى على مصرنا الحبيبة نعمة الأمن والأمان، فبالأمن والأمان تتوحد نفوس العباد، وتزدهر حياة الخلق، وتُغدق الأرزاق، ويتعارف الناس، وتُتَلقى العلوم من منابعها الصافية، ويزداد الحبل الوثيق بين الأمة وقادتها، وتتوثق الروابط بين أفراد المجتمع، فتتوحد كلمتهم، ويأنس جميعهم، ويتبادلون منافعهم، وتقام شعائر دينهم بطُمأنينة، ويعمرون الأرض، ويبنون الحضارة، ويتوسعون في العمران، فيسعدون دُنيا وأخرى.

وإذا اختل الأمن تبدل الحال، ولم يهنأ أحد منهم براحة بال، فيلحق الناس الفزع في عبادتهم، وتُهجر دور العبادة، وتتقطع أواصر المودة بينهم، وتُعاق نهضتهم، وينضب وصول الخير إلى الآخرين، وينقطع تحصيل العلم وملازمة العلماء، ولا توصل الأرحام، ويئن المريض فلا دواء ولا طبيب، وتختل المعايش، وتُهجر الديار، وتفارَق الأوطان، وتتفرق الأسر، وتنتقض عهود ومواثيق، وتبور التجارة، ويتعسر طلب الرزق، وتتبدل طباع الخلق، فيظهر الكذب والشح والخيانة، فيشقى الخلق دُنيا وأخرى.

  • مصر بلد الأعاجيب ولا عجب!

إن مصر بلد مكرَّم عند الله تعالى، منحه الله تعالى من الحفظ والرعاية ما لم يعط بلدًا مثله في الدنيا، قال الإمام الكِندي في "فضل مصر": "بمصر العجائب والبركات، فجبلها المقدس، ونيلها المبارك، وبها الطور الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام؛ وبها الوادي المقدس، وبها ألقى موسى عصاه، وبها فلق البحر لموسى، وبها ولد موسى وهارون، وبها ولد عيسى، وبها كان ملك يوسف، وبها النخلة التي ولدت مريم عيسى تحتها بريف من كورة إهناس، وبها مسجد إبراهيم، ومسجد يعقوب، ومسجد موسى، ومسجد يوسف، ومسجد مارية سرية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبها مجمع البحرين وهو البرزخ الذي قال الله تعالى: ﴿مَرَجَ ٱلۡبَحۡرَیۡنِ یَلۡتَقِیَانِ ۝١٩ بَیۡنَهُمَا بَرۡزَخࣱ لَّا یَبۡغِیَانِ﴾ [الرحمن: ١٩ - ٢٠].

ومصر عند الحكماء العالَمُ الصغير، سليلُ العالم الكبير؛ لأنه ليس في بلد غني غريب إلا وفيها مثله وأغرب منه، وتفضل على البلدان بكثرة عجائبها". [حسن المحاضرة للسيوطي بتصرف].

وقد أشار إلى ذلك ابن خلدون في «المقدمة» حيث قال: «ولا أوفر اليوم في الحضارة من مصر، فهي أم العالم، وإيوان الإسلام، وينبوع العلم والصنائع».

ففضل الله تعالى على هذا البلد عظيم، وخيره عميم، لا يستطيع العبد أن يحصره أو يحصيه.

وكان من جملة حلول الأمن والأمان على أهل هذا البلد، أنه بلد أحبه الأنبياء، واستوطنه الأولياء، وآل إليه أهل البيت الكرام، فنعمت مصر وسعدت، إذ قبور الصالحين محل نزول الرحمات، وعين محل العناية الإلهية.

  • مصر مهبط الأنبياء عليهم السلام وموطن الأولياء

لقد صان الله تعالى مصر وجعل أفئدة الأنبياء والأولياء تهوي إليها، فكانت نعم المقام والمستقر، بها أعلى الله تعالى دينه، ومنها خرجت معالم الحضارة إلى الدنيا، ووصلت خيراتها إلى أقطار الأرض شرقًا وغربًا.

فاستوطنها الأنبياء وعاشوا بها، ومشوا في رحابها، واستعذبوا ماءها، حتى قال الحافظ السيوطي رحمه الله مفتخرا بمن نزلها من الأنبياء والأولياء:

قد حل مصرَ على ما قد رَوَوا زمرٌ * من النبيين زادوا مصر تأنيسا

فهاك يوسف والأسباط مع أبِهِ * وحافدا، وخليل الله إدريسا

لوطًا وأيوبَ ذا القرنين خضرَ سليم * ان أرميا يوشعا هارون معْ موسى

وأمه سارة لقمان آسية * ودانيال شعيبًا مريمًا عيسى

شيثًا ونوحًا وإسماعيل قد ذكروا * لا زال من ذكرهم ذا المصر مأنوسا.

[حسن المحاضرة].

وأخرج ابن عبد الحكم عن اللَّيث بن سعد قال: سأل المُقَوْقِس عمرو بن العاص رضي الله عنه أن يبعه سفح المُقَطّم بسبعين ألفَ دينار، فعجب عمرو من ذلك، وقال: أكتب في ذلك إلى أمير المؤمنين، فكتب بذلك إلى عمر رضي الله عنه، فكتب إليه عمر: سَلْه لم أعطاك به ما أعطاك؟ وهي لا تزرع ولا تستنبط به ماء، ولا ينتفع بها؟ فسأله فقال: إنا لنجد صفتها في الكتب أنَّ فيها غراس الجنة، فكتب بذلك إلى عمر: فكتب إليه عمر: إنا لا نعلم غراس الجنة إلا للمؤمنين، فاقبر فيها مَنْ قِبَلك من المسلمين ولا تبعه بشيء". [فتوح مصر والمغرب].

فدفن في مصر وفي جبل المقطم خيار الصحابة والتابعين والأولياء والصالحين، وأول من دفن فيها رجل من المعافر، يقال له عامر، فقيل: عمرت.

ثم سيدنا عمرو بن العاص، وعبد الله بن حذافة السهمي، وعبد الله بن الحارث الزبيدي، وأبو بصرة الغفاري، وعقبة بن عامر الجهني وغيرهم من الصحب الكرام رضي الله عنهم.

ثم الإمام الليث بن سعد، والإمام الشافعي، والإمام الشاطبي إمام القراءات، والعز بن عبد السلام، وغيرهم خلائق لا يحصون.

ناهيك عن آل البيت الكرام بمساجدهم العامرة المنورة الميمونة.

فعلى أرض مصر تعانقت القلوب وتسامحت، وتصافح المحب والمحبوب، والتقى يوسف بأبيه نبي الله يعقوب، وظهر مدد السابق للاحق، وتعطرت أرجاء البلاد بخير العلماء والزهاد.

  • نعمة الأمن قرينة الشكر ونسبة الفضل المطلق إلى الله تعالى

لم يقل نبي الله سيدنا يوسف عليه السلام: "ادخلوا مصر آمنين"، بل قال: "إن شاء الله آمنين"، وسر هذا الاستثناء أنه عليه السلام راعى مقام الأدب مع مولاه، فكأنه يقول: يا رب اجعل مصر آمنة مطمئنة بفضلك وجودك ورحمتك يا كريم، فمن الأدب مع الله عزّ وجل قولك: (إن شاء الله) عندما تخبر عن أمر تنوي فعله مستقبلًا، أو مقصد تريد تحقيقه؛ عملًا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَا۟یۡءٍ إِنِّی فَاعِلࣱ ذَٰلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤].

ومما يدل على أهمية هذا الأدب وعلو شأنه: هو أن الله سبحانه وتعالى قد استثنى في كلامه تعليمًا لنا على سلوك هذا الأدب معه سبحانه، فقال: ﴿لَّقَدۡ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءۡیَا بِٱلۡحَقِّۖ لَتَدۡخُلُنَّ ٱلۡمَسۡجِدَ ٱلۡحَرَامَ إِن شَاۤءَ ٱللَّهُ ءَامِنِینَ مُحَلِّقِینَ رُءُوسَكُمۡ وَمُقَصِّرِینَ لَا تَخَافُونَۖ﴾ [الفتح: ٢٧].

قال الإمام ثعلب رحمه الله: "إن الله استثنى فيما يعلم، ليستثني الخلق فيما لا يعلمون".

وكذا في قول سيدنا إسماعيل عليه السلام لأبيه عندما عرض عليه أمر ذبحه: ﴿یَٰۤأَبَتِ ٱفۡعَلۡ مَا تُؤۡمَرُۖ سَتَجِدُنِیۤ إِن شَاۤءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰبِرِینَ﴾ [الصافات: ١٠٢].

وكذا قول سيدنا شعيب لسيدنا موسى عليه السلام بعدما عرض عليه أن يكون أجيرًا عنده، كما في قوله تعالى: ﴿سَتَجِدُنِیۤ إِن شَاۤءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰلِحِینَ﴾ [القصص: ٢٧].

وهذا يعلمنا أن أماننا مقرون ومشروط بقدرته وإرادته ومشيئته النافذة، وأنه سبحانه هو المتفضل المنعم على هذا البلد بنعمة الأمن والأمان، فاللهم لك الحمد أولًا وآخرًا.

  • مصر أمان في كل شيء ولكل أحد

إن دلالة الأمن الذي أشار إليه ربنا في القرآن عظيمة، فادخلوا آمنين من كل شيء، ومعنى ادخلوا: أي: أقيموا واستقروا بمصر، وكونوا آمنين.

آمنين يعني: على أنفسكم وأموالكم وأهليكم لا تخافون أحدًا.

وقيل: آمنين من القحط والشدة والفاقة، فخيرها عميم، ورزقها وفير.

وقيل: آمنين من أن يضركم يوسف بالجُرْم السالف الذي فعلتموه في حقه، وآذيتموه وغدرتم به عندما كان صغيرًا، ولكن باب العفو والصفح مفتوح وقد سامحكم في حقه.

وآمنين من حاكمها، فلا هو يظلم ولا يعتدي، فخرج سيدنا يوسف عليه السلام والملك في أربعة آلاف من الجند والعظماء وأهل مصر بأجمعهم تلقوا يعقوب عليه السلام وهو يمشي يتوكأ على يهوذا، فنظر إلى الخيل والناس فقال: يا يهوذا هذا فرعون مصر.

قال: لا هذا ولدك يوسف، فذهب يوسف يبدأ بالسلام فمنع من ذلك، فقال يعقوب عليه السلام: السلام عليك، وقيل: إن يعقوب وولده دخلوا مصر وهم اثنان وسبعون ما بين رجل وامرأة، وخرجوا منها مع موسى والمقاتلون منهم ست مئة ألف وخمس مئة وبضع وسبعون رجلًا سوى الصبيان والشيوخ. [مفاتيح الغيب].

إن مصر هي البلد الأعظم في الدنيا الذي فتح أبوابه لكل بلاد الدنيا، وما منع خيره عن أحد، فاستقبل الخلق من كل حدب وصوب.

حتى قيل: إن سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام لما دخل إلى مصر، وأقام بها قال: "اللهم إني غريب فحببها إليَّ وإلى كل غريب؛ فمضت دعوة يوسف، فليس يدخلها غريب إلا أحب المُقام بها". [حسن المحاضرة].

  • مصر معافاة من الفتن

رغم ما مرت به مصر من محن وإحن، ولكن لطف الله كان مصاحبًا لها على الدوام، فجيشها خير الجيوش، وجندها خير الجند، موصوفون بالرباط الدائم، قائمون بنصرة الحق وقت الفتن، يدفعون وبكل قوة وشدة كيد الكائدين ومكر الماكرين، وهم الذين أثنى عليهم الجناب النبوي الأجل فيما أخرجه الطبراني والحاكم في المستدرك، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي وابن حجر والسيوطي عن عمرو بن الحمِق رضي الله عنه، قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: «تكون فتنةٌ يكون أسلم الناس فيها الجندُ الغربيُّ»، قال ابن الحَمِق: فلذلك قدمت عليكم مصر.

وعن سيدنا كعب الأحبار قال: "في التوراة مكتوب: مصر خزائن الأرض كلها، من يردها بسوء قصمه الله".

وعنه قال: "لولا رغبتي في بيت المقدس ما سكنت إلا مصر، قيل: ولم؟ قال: لأنها بلدة معافاة من الفتن، ومن أرادها بسوء كبَّه الله على وجهه؛ وهو بلد مبارك لأهله فيه".

وعن أبي بَصرة الغفاري، قال: "مصر خزائن الأرض كلها، وسلطان مصر سلطان الأرض كلها".

وعن أبي رهم السماعي، قال: "لا تزال مصر معافاةً من الفتن، مدفوعًا عن أهلها كل الأذى؛ ما لم يغلب عليها غيرهم؛ فإذا كان كذلك لعبت بهم الفتن يمينًا وشمالًا".

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: "البركة عشر بركات؛ ففي مصر تسع، وفي الأرض كلها واحدة؛ ولا تزال في مصر بركة أضعاف ما في جميع الأرضين".

وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: "أهل مصر الجند الضعيف، ما كادهم أحد إلا كفاهم الله مؤنته"، قال تبيع بن عامر الكلاعي: فأخبرت بذلك معاذ بن جبل، فأخبرني أن بذلك أخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وعن شُفي بن عبيد الأصبحي: قال: "مصر بلد معافاة من الفتن، لا يريدهم أحد بسوء إلا صرعه الله، ولا يريد أحد هلكهم إلا أهلكه". [المقاصد الحسنة للسخاوي].

  • الأمان نعمة عظيمة لا يعرف قدرها إلا من افتقدها

إن الأمان من أعظم نعم الله تعالى على الإطلاق؛ به يحصل الاستقرار والبناء والعمران، وانظر أي بقعة من أرجاء المعمورة إذا نُزِعَ منها الأمان كيف تكون! فكم دمر الخوف خلقًا، وكم أفسدت الحروب شعوبًا، فاللهم اجعلنا من أهل الأمان في الدنيا وأدم علينا نعمتك، واجعلنا في الآخرة من أهل دار السلام آمين.

وللمسلم أن يتأمل ما جاء في الحديث عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ الخَطْمِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا» (رواه الترمذي، وابن حبان).

فتأمل أنه بدأ بقوله: «آمنا في سِرْبه» بكسر السين (نفسه والجماعة)، أي: آمِنًا في نفسه وأهله ومجتمعه"، فجعل الأمن قبل الصحة، وقبل الطعام والشراب! أتدري لماذا؟ لأن الخائف لا يهنأ بصحة ولا بمطعم ولا بمشرب، ولذا بدأ النبي صلى الله عليه وسلم به.

فمن جمع اللّه تعالى له بين عافية بدنه، وأمن نفسه حيث توجه، وكفاف عيشه بقوت يومه، وسلامة أهله، فقد جمع اللّه له جميع النعم التي من ملك الدنيا لم يحصل على غيرها، فينبغي أن لا يستقبل يومه ذلك إلَّا بشكرها، بأن يصرفها في طاعة المنعم، لا في معصية، ولا يفتر عن ذكره.

قال سيدنا بكر بن عبد الله المزني: "من كان مسلمًا، وبدنه في عافية، فقد اجتمع عليه سيد نعيم الدنيا، وسيد نعيم الآخرة؛ لأن سيد نعيم الدنيا: هو العافية، وسيد نعيم الآخرة: هو الإسلام". [تنبيه الغافلين للسمرقندي]

فاللهم أدم على مصر نعمة الأمن والأمان، واحفظ مصرنا وسائر بلاد الدنيا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأسب علينا نعمك الظاهرة والباطنة، بفضلك يا كريم آمين.

الخطبة الثانية

التحذير من التطاول على الدين بسب أو شتم في أوقات الغضب والمشاجرات

إن "التطاول على الدين بسب أو شتم في أوقات الغضب والمشاجرات" جريمة دينية وأخلاقية لا يقدم عليها من تغلغل الإيمان في قلبه، ولا مبرر لها من غضب أو انفعال أو غير ذلك من الأمور مهما عظمت، فتعظيم شعائر الله من أهم المهمات في حياة المسلم الذي يرجو النجاة في أمور دينه ودنياه.

وإذا كنا نعلم عادة أن أغلب من يتلفظ بهذه الألفاظ الشائنة المهولة لا ينعقد قلبه على ما تلفظ به لسانه، إلا أن هذا ليس مبررًا للتساهل في التلفظ بها أبدًا؛ لأنها مجلبة لغضب الله وسخطه على قائلها في الدنيا والآخرة.

إن هذه الآفة من أخطر الآفات اللفظية والسلوكية التي ابتُليت بها بعض المجتمعات، لما تنطوي عليه من اعتداءٍ على أعظم المقدسات، وما تعكسه من ضعفٍ في تعظيم الله تعالى ودينه، واضطرابٍ في منظومة القيم والأخلاق، ولا تقتصر خطورة هذا السلوك على ما يترتب عليها من أحكام شرعية وآثار عقدية جسيمة، بل تمتد إلى ما تُحدثه من تبلُّدٍ في الحسِّ الديني، حتى غدا بعض الناس يتداولون هذه الألفاظ في لحظات الغضب أو الانفعال، أو يجرونها على ألسنتهم على سبيل العادة، دون استشعارٍ لفداحة جرمها، أو إدراكٍ لما تخلِّفه من آثارٍ مدمرة على الفرد والأسرة والمجتمع.

  • تعظيم الدين من أعظم واجبات الإيمان

إن الدين وحي الله الذي ارتضاه لعباده، ومن استهان به أو سبه أو تطاول عليه فقد وقع في أمر عظيم يناقض تعظيم الله وشريعته، قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَۖ وَمَن یُعَظِّمۡ حُرُمَٰتِ ٱللَّهِ فَهُوَ خَیۡرࣱ لَّهُۥ عِندَ رَبِّهِۦۗ﴾ [الحج: ٣٠]، وقال سبحانه: ﴿ذَٰلِكَۖ وَمَن یُعَظِّمۡ شَعَٰۤئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقۡوَى ٱلۡقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]، فكلما ازداد الإيمان في القلب، ازداد تعظيم صاحبه لله ولدينه وشعائره.

  • الغضب لا يبرر أبدا التطاول على الدين

من المفاهيم والتصورات الخاطئة لدى بعض الناس أنهم يظنون أن ألفاظ "التطاول على الدين بسب أو شتم في أوقات الغضب والمشاجرات" يعفَى عنها إذا خرجت حال الغضب أو الاستفزاز من الآخرين، والحق أن المسلم مأمور بحفظ لسانه في جميع أحواله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، لَا يُلقِي لَهَا بَالًا، يَهوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ» [رواه البخاري].

وقال صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمنُ بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت» [متفق عليه].

فالغضب لا يبيح المحرمات، والاستفزاز لا يبيح الاستهزاء بالدين، وإن كان التطاول على الدين بالسب والشتم قد خرج منه في هذه الحال، فإنه يحتاج إلى تربية إيمانية جديدة، تحفظ عليه قلبه ولسانه حتى لا يفعل أو يقول مثل هذا مرة أخرى، وتلزمه التوبة والندم.

  • إجراءات عملية للحد من التطاول على الدين بسب أو شتم في أوقات الغضب والمشاجرات

  • أولًا: تعظيم الله ودينه في القلب، فكلما ازداد تعظيم العبد لله تعالى ولدينه ورسوله، استحيا أن يجري على لسانه ما يمس هذه المقدسات.
  • ثانيًا: حفظ اللسان ومحاسبة النفس، أن يجعل المسلم لنفسه رقيبًا على ألفاظه، فلا يتكلم إلا بما يرضي الله، ويتذكر أن كل كلمة مسجلة عليه، قال تعالى: ﴿مَّا یَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَیۡهِ رَقِیبٌ عَتِیدࣱ﴾ [ق: ١٨].
  • ثالثًا: السيطرة على الغضب؛ لأن الغضب من أكثر الأسباب التي تدفع إلى إطلاق الألفاظ المحرمة، فيلتزم المسلم بالوصايا النبوية عند الغضب؛ كالاستعاذة بالله، والوضوء، والسكوت، وتغيير الهيئة.
  • رابعًا: تعويد اللسان على ذكر الله والكلام الطيب، فالإكثار من القرآن، والذكر، والدعاء، والكلمة الحسنة، يطهر اللسان من الفحش والسباب، قال تعالى: ﴿وَقُل لِّعِبَادِی یَقُولُوا۟ ٱلَّتِی هِیَ أَحۡسَنُۚ﴾ [الإسراء: ٥٣].
  • خامسًا: الابتعاد عن مجالس السباب والفحش، فالمجالس تؤثر في أخلاق أصحابها، ومن اعتاد سماع الألفاظ القبيحة هان عليه التلفظ بها، ولذلك ينبغي اختيار الصحبة الصالحة.
  • سادسًا: المبادرة إلى التوبة إذا زل اللسان، فإن وقع المسلم في لفظ محرم، فلا يصر عليه، بل يبادر إلى التوبة الصادقة، ويستغفر الله، ويجدد إيمانه، ويعزم على ألا يعود إليه.
  • سابعًا: تذكير الآخرين بالحكمة والموعظة الحسنة، إذا سمع المسلم من يتلفظ بسبِّ الدين أو بالألفاظ التي تمس المقدسات، نصحه برفق ولين، مبينًا خطورة الكلمة وعظيم شأنها.
  • ثامنًا: استحضار خطورة الكلمة وعاقبتها.


مراجع للاستزادة:

  • فتح الباري، لشيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني.
  • حسن المحاضرة، للإمام السيوطي.

موضوعات ذات صلة

الأمن للفرد والمجتمع والدولة من أهم مقومات الحياة.

كيف يتحقق أمان الأوطان في مواجهة الفكر المنحرف؟

عبادة عظيمة تشمل القلب واللسان والجوارح

أرشيف خطب الجمعة متاح الآن للقراءة

أرشيف خطب الجمعة متاح الآن للقراءة

أرشيف خطب الجمعة