وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
امتنَّ الله سبحانه وتعالى على الإنسان بنعمة الثياب، وجعلها من دلائل تكريمه له؛ إذ لم يقتصر دورها على وقاية الجسد من الحر والبرد، وإنما جعلها وسيلةً لحفظ الكرامة، وصيانة العورة، وإظهار الزينة المباحة قال تعالى: ﴿یَٰبَنِیۤ ءَادَمَ قَدۡ أَنزَلۡنَا عَلَیۡكُمۡ لِبَاسࣰا یُوَٰرِی سَوۡءَٰتِكُمۡ وَرِیشࣰاۖ وَلِبَاسُ ٱلتَّقۡوَىٰ ذَٰلِكَ خَیۡرࣱۚ﴾ [الأعراف: ٢٦]، بيَّنت الآية وظيفة الستر على الزينة؛ تلبية للمقصد الأول من الثياب وهو حفظ كرامة الإنسان، وتأتي الزينة تبعًا في إطار الاعتدال، ولم يقف القرآن الكريم عند اللباس الظاهر، بل وجَّه الأنظار إلى ما هو أعظم؛ وهو لباس التقوى؛ فصلاح الظاهر مرتبط بصلاح الباطن، وإذا عمر القلب بالتقوى، انعكس ذلك على سلوك الإنسان وهيئته؛ ليصبح لباسه معبرًا عن قيمةٍ لا مجرد مظهر خارجي، وحقيقة لباس التقوى: "أن يتقي العبد ربه جل جلاله؛ فيواري عورته، والمعاني في ذلك متقاربة". [يراجع: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير (٣/ ٣٦٠)].
ويؤكد القرآن الكريم أن الثياب من تمام نعم الله على عباده قال سبحانه: ﴿وَجَعَلَ لَكُمۡ سَرَٰبِیلَ تَقِیكُمُ ٱلۡحَرَّ وَسَرَٰبِیلَ تَقِیكُم بَأۡسَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ یُتِمُّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَیۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تُسۡلِمُونَ﴾ [النحل: ٨١]، والنعم وسيلة تعين العبد على طاعة الله تعالى، وقد خُوطب العربُ بما يَعرفون؛ فاكْتُفي بذكر سَرابيل تقي الحر؛ لأنها تقي البرد أيضًا، ولأن سياق الآيات جاء ممتنًّا بنعمٍ خُصّوا بها. [يراجع: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ابن جرير الطبري (١٤ /٣٢٤،)، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير (٤ /٥٠٧)]، وفي شمول السرابيل لكل ما يقي الإنسان اتقاءً للأخطار والجو، دلالة على مراعاة الشريعة لحاجاته الفطرية، وربطها بمقاصدها الكبرى في حفظ النفس والكرامة.
لم يضع الإسلام للناس لونًا معينًا للملبس أو هيئةً واحدةً له، وإنما قرر ض٠وابط عامة تحقق مقصود الستر، وتراعي اختلاف الأعراف والبيئات ما دامت لا تخالف نصًّا شرعيًّا أو قيمةً أخلاقية، ولذلك فالأصل في الثياب الإباحة، غير أن هذه الإباحة مقيدة بما يحفظ كرامة الإنسان، ويصون المجتمع مما يخل بالحياء العام "ومن هنا صارت المقاصد التابعة خادمة للمقاصد الأصلية؛ فالله لم يكلف العباد بالواجبات مع حرمانهم من حظوظهم الفطرية، بل امتن عليهم بجعل هذه الحظوظ والوسائل مباحة؛ للاستعانة بها على عمارة الدنيا للآخرة، وضبطها بقوانين شرعية هي أبلغ في تحقيق المصلحة وأدوم لها مما يظنه العبد مصلحة لنفسه". [ينظر: الموافقات، الشاطبي (٢/ ٣٠٢-٣٠٤)].
ومن أهم هذه الضوابط: أن يكون الثياب ساترًا للعورة، غير شفاف يُظهر لون البشرة، ولا ضيقًا يصف تفاصيل الجسد وصفًا يخل بمقصود الستر؛ لأن المقصود من الثوب أن يحقق الستر حقيقةً لا صورةً، وقد نص الإمام ابن قدامة على أن الستر الواجب هو ما يمنع ظهور البشرة، فقال: "فإن كان الثوب يصف البشرة لم تصح الصلاة فيه؛ لأن الستر لا يحصل به". [المغني (١/٤١٤)].
كما نهى سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم عن الثياب الذي يفرغ الستر من مضمونه؛ فعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صِنْفَانِ من أهلِ النارِ لمْ أَرَهُما بَعْدُ... نِساءٌ كَاسِياتٌ عَارِياتٌ، مُمِيلاتٌ مائِلاتٌ، رُؤوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ البُخْتِ المائِلَةِ، لا يَدْخُلَنَّ الجنةَ، ولا يَجِدَنَّ رِيحَها» [رواه مسلم في "صحيحه" رقم (٢١٢٨)]. وقد بيَّن الإمام النووي أن المراد بـ "كاسيات عاريات": هن من يلبسن ثيابًا رقاقًا تصف ما تحتها، أو ثيابًا ضيقة أو قصيرة لا تحقق مقصود الستر". [المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (١٧ /٣٠٨)].
ومن الضوابط كذلك: ألا يكون الثياب وسيلةً للتشبه المذموم أو التفاخر وطلب الشهرة؛ لأن الإسلام يدعو إلى الاعتدال في المظهر كما يدعو إلى الاعتدال في السلوك؛ فعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ فِي الدُّنْيَا، أَلْبَسَهُ اللَّهُ ثَوْبَ مَذَلَّةٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ أَلْهَبَ فِيهِ نَارًا». [رواه ابن ماجه في "سننه" رقم (٣٦٠٧)].
جاءت الشريعة الإسلامية مراعيةً لأحوال الناس وظروفهم، فلم تمنع الإنسان من التخفف من الملابس بما يناسب طبيعة الزمان والمكان، ولا سيما في فصل الصيف الذي تشتد فيه درجات الحرارة، وإنما وضعت لذلك ضوابط تحفظ التوازن بين التيسير المشروع، وبين صيانة العورات، وحفظ الآداب العامة.
فالإسلام دين يراعي طبيعة الإنسان وحاجاته، وقد امتنَّ الله تعالى على عباده بما جعل لهم من أسباب الوقاية من الحر والبرد فقال سبحانه: ﴿وَجَعَلَ لَكُمۡ سَرَٰبِیلَ تَقِیكُمُ ٱلۡحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]، ومن هنا؛ فإن ارتداء الملابس الصيفية الخفيفة لا حرج فيه ما دامت محققة لمقصود الستر؛ فلا تكون شفافة تظهر البشرة، ولا ضيقة تصف الجسد.
ومع هذا التيسير ينبغي التنبه لعدم التوسع في التخفف أمام من لا يحل له الاطلاع على العورة، أو في الأماكن العامة، ومواضع السباحة المشتركة؛ فمراعاة الحر لا ترفع أحكام الستر، والشريعة لبت الحاجة دون أن تهدر الحياء؛ فعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الحَياءُ شُعبةٌ مِنَ الإيمانِ» [متفق عليه]، فالاحتشام سلوك يعكس وعي الإنسان، وقد أمر الشرع بستر العورة عن الأعين أدبًا وحفظًا للأعراض؛ ولهذا وجه سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا انكشفت فخذه، فقال له: «غطِّ فخِذَكَ؛ فإنَّ الفخِذَ عورةٌ» [روه الترمذي في "سننه" رقم (٢٧٩٨) وحسنه، وأحمد في "المسند" رقم (٢٢٤٩٤) واللفظ له]، وقد استدل العلماء بهذا الحديث على أهمية مراعاة الستر والحياء في المجامع العامة.
إن معيار اللباس في الإسلام هو مدى تحقيقه للستر، وصيانة الكرامة؛ لذا قد يتحول اللباس إلى كاشف للعورة إذا فقد ضوابطه الشرعية، ومن أهمها:
ليس بين الاحتشام والأناقة تعارض؛ بل إن الإسلام دعا إلى حسن الهيئة، ونظافة المظهر، وجعل الجمال المنضبط من الأمور المحمودة التي يحب الله أن تظهر على عباده من غير إسراف ولا خيلاء؛ فعن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ الله جميلٌ يحبُّ الجمال» [رواه مسلم في "صحيحه" رقم (٩١)]، فالجمال الذي يحبه الإسلام هو الجمال المنضبط بالأخلاق، الجامع بين حسن المظهر، ونقاء المخبر دون مبالغة أو تجاوز لحدود الشرع.
والمسلم مأمور بأن يظهر في صورة حسنة، وأن يعتني بنظافته وملبسه، ولكن في إطار من الاعتدال بعيدًا عن الإسراف أو الكِبر أو طلب الشهرة قال تعالى: ﴿یَٰبَنِیۤ ءَادَمَ خُذُوا۟ زِینَتَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدࣲ وَكُلُوا۟ وَٱشۡرَبُوا۟ وَلَا تُسۡرِفُوۤا۟ۚ إِنَّهُۥ لَا یُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِینَ﴾ [الأعراف: ٣١].
والأناقة الحقيقية ليست في كشف ما ينبغي ستره، وإنما في التوفيق بين جمال المظهر، وسلامة السلوك؛ ليكون الثوب معبرًا عن شخصية متزنة تحترم نفسها ومجتمعها؛ فالاحتشام إطار أخلاقي يجعل الجمال أكثر اتزانًا، ويؤكد أن الإنسان يقاس بحسن هيئته وخلقه معًا.
إن ترسيخ قيمة الستر والحياء مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمجتمع؛ فالأسرة هي اللبنة الأولى التي يتعلم فيها الأبناء معاني الحياء من خلال القدوة والتوجيه، امتثالًا لتوجيه حضرة سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم؛ فعن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيتِهِ فالأميرُ الذي على الناسِ راعٍ عليهم وهو مسؤولٌ عنهم والرجلُ راعٍ على أهلِ بيتِهِ وهو مسؤولٌ عنهم والمرأةُ راعيةٌ على بيتِ بعلها وولدِهِ وهي مسؤولةٌ عنهم» [رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٢٥٥٤)].
وقد ربط القرآن الكريم بين الستر ومواجهة إفساد الفطرة في قوله تعالى: ﴿یَٰبَنِیۤ ءَادَمَ لَا یَفۡتِنَنَّكُمُ ٱلشَّیۡطَٰنُ كَمَاۤ أَخۡرَجَ أَبَوَیۡكُم مِّنَ ٱلۡجَنَّةِ یَنزِعُ عَنۡهُمَا لِبَاسَهُمَا لِیُرِیَهُمَا سَوۡءَٰتِهِمَاۤ﴾ [الأعراف: ٢٧]، فالآية تدل على أن حفظ الستر من مقتضيات الفطرة السليمة، وأن صيانة الإنسان لخصوصيته وكرامته من المعاني التي جاءت الشرائع بتقريرها. [ينظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي (٧ /١٨٦)].
كما تقع على المجتمع مسؤولية تعزيز ثقافة الوعي بخطاب يقوم على الحكمة والرحمة، ويقدم أحكام الإسلام باعتبارها وسائل لحفظ الإنسان لا التضييق عليه؛ فالشريعة جاءت لتحقيق المصالح، ومن أعظم مقاصدها: حفظ العرض، وصيانة الكرامة. [الموافقات (٢/ ٢٠)].
ولا يعني ذلك فرض نمط واحد في اللباس أو تجاهل اختلاف البيئات والثقافات، وإنما المقصود أن يبقى المجتمع محافظًا على القيم الأساسية التي تحقق الاحترام المتبادل، وتمنع تحول الحرية الشخصية إلى اعتداء على الذوق العام أو خروج عن مقتضيات الحياء.
ما المقصود بالثياب المحتشم في الإسلام؟
هو اللباس الذي يحقق الستر، ويحفظ الكرامة، ويراعي ضوابط الشرع الحنيف.
هل يجوز ارتداء الملابس الصيفية الخفيفة؟
نعم، بشرط أن تكون ساترة وغير شفافة أو واصفة للجسد.
متى يكون الثياب كاشفًا للعورة؟
عندما يكون شفَّافًا أو قصيرًا أو ضيقًا بما يخل بمقصود الستر.
هل الاحتشام يمنع الأناقة؟
لا، فالاحتشام يجمع بين حسن المظهر، والالتزام بالقيم والمبادىء العامة.
ما ضوابط ثياب المرأة المسلمة؟
أن يكون ساترًا، غير شفَّاف أو ضيق، وموافقًا للآداب الشرعية.
ما ضوابط ثياب الرجل في الإسلام؟
أن يستر العورة، وألا يكون شفَّافًا أو مخالفًا للوقار، والذوم العام.
هل تختلف أحكام الثياب باختلاف العادات والبيئات؟
تختلف صور الثياب باختلاف العادات والبيئات مع ثبات ضوابط الستر والحياء في كل زمان ومكان.
الثياب في الإسلام نعمة تجمع بين الستر والزينة، وتكريم الإنسان، ولا تتعارض الملابس الصيفية مع هذه التعاليم ما دامت ملتزمة بضوابط الاعتدال؛ حيث يقوم المنهج الإسلامي على التوازن بين مراعاة الأناقة والجمال، والحفاظ على قيم الحياء والمسؤولية؛ ليكون المظهر عنوانًا للرقي، وسمو الأخلاق.
سياجٌ متين يحفظ به الإنسان قلبه وجوارحه، ويصون به المجتمع من الانحراف والاضطراب.
كفّ النفس عن الشهوات واعتدال الرغبة تحت حكم العقل والشرع.
جريمة أخلاقيّة واجتماعيّة تهدّد كرامة الفرد وسلامة المجتمع.
ظاهرة اجتماعية مقلقة تتطلب مواجهة شاملة.
تأمين المقومات الضرورية لحياة الإنسان وهي الضرورات الخمس: الدين- النفس- العقل- العرض- المال.