وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
العُـجْـب هو: رؤيةُ العبادة واستعظامها من العبد، فهو معصيةٌ تكونُ بعد العبادةِ ومتعلقة بها تعلقًا خاصًّا، فيتعجب العابدُ بعبادته، والعالم بعلمه، وكل مطيع بطاعته، وهو وإن كان حرامًا لا يفسد العبادة؛ لأنه يقعُ بعدها، بخلاف الرياء، فإنهُ يقع معها فيفسدها [الفروق – (٤ /١٣٥٧)].
وهذا التعريف قد فرّق بين العُـجْـب والرياء، وهو تعريف حسنٌ؛ لأنهُ كثيرًا ما يلتبس على الناس معناهما.
أما العُـجْـب فهو مذمومٌ في كتاب الله تعالى وسنةِ رسوله صلّى الله عليه وسلّم، قال تعالى: {وَيَوۡمَ حُنَيۡنٍ إِذۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡ كَثۡرَتُكُمۡ فَلَمۡ تُغۡنِ عَنكُمۡ شَيۡـٔٗا} [التوبة: ٢٥]، حيث ذكر ذلك في معرض الإنكار.
وقال عز وجل: {وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمۡ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ فَأَتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِنۡ حَيۡثُ لَمۡ يَحۡتَسِبُواْۖ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعۡبَۚ يُخۡرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيۡدِيهِمۡ وَأَيۡدِي ٱلۡمُؤۡمِنِينَ فَٱعۡتَبِرُواْ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ} [الحشر: ٢]، فرد على الكفار بإعجابهم بحصونهم وشوكتهم.
وقال تعالى: {وَهُمۡ يَحۡسَبُونَ أَنَّهُمۡ يُحۡسِنُونَ صُنۡعًا} [الكهف: ١٤]، وهذا أيضا يرجع إلى العُـجْـب بالعمل.
وقد يعجبُ الإنسانُ بعملٍ هو مخطئ فيه، كما يعجبُ بعملٍ هو مصيب فيه، قال صلى الله عليه وسلم لأبي ثعلبةَ الخشني رضيَ الله عنهُ حيثُ ذكرَ آخر هذه الأمة وما تؤول إليه من الحوادث والوقائع: «إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً وَإِعْجَابَ كل ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ فَعَلَيْكَ بِنَفْسِكَ» [أخرجه أبو داود في (سننه) (٤ /١٢٣) حديث (٤٣٤١)]، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: "الهلاك في اثنتين: القنوط والعُـجْـب" [(إحياء علوم الدين) (٣ /٣٦٩)]، وقال مطرف بنُ الشّخير رضي الله عنه: "لأن أبيت نائما وأصبح نادما، أحب إلى من أن أبيت قائما وأصبح معجبا" [حلية الأولياء].
وقيلَ لعائشة رضيَ الله عنها وأرضاها: "متى يكون الرجل مسيئا؟، قالت: "إذا ظن أنه محسن"، أي: ظن المعجبين، وهو القطع بالإحسان، وهو غير ظن المحسنين، فذلك رجاء الإحسان، وقال تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُبۡطِلُواْ صَدَقَٰتِكُم بِٱلۡمَنِّ وَٱلۡأَذَى} [البقرة: ٢٦٤]، والمن على المتصدق عليه ينتجه استعظام صدقته، واستعظام العمل هو العُـجْـب، لأنه لولا إعجابه به لما عده عظيما، فظهر بهذا أن العُـجْـب مذموم جدا. [التحذير من المجازفة بالتكفير – ٦٢].
وسر تحريم العُـجْـب أنه سوء أدب مع الله تعالى، فإنّ العبدَ لا ينبغي لهُ أن يستعظمَ ما يتقربُ به إلى سيّده، بل يستصغرُهُ بالنسبةِ إلى عظمةِ سيّده، ولا سيّما عظمة الله تعالى، ولذلك قال الله تعالى: {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦٓ} [الأنعام: ٩١].
أي: ما عظموه حقّ تعظيمه، فمن أعجبَ بنفسه وعبادته فقد هلكَ، وعرّضَ نفسه لمقتِ الله تعالى وسخطه، ونبّه على ضدّ ذلك قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُؤۡتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمۡ وَجِلَةٌ أَنَّهُمۡ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ رَٰجِعُونَ} [المؤمنون: ٦٠].
معناهُ: يفعلونَ منَ الطاعات ما يفعلون وهمْ خائفونَ من لقاءِ الله تعالى بتلكَ الطاعةِ واحتقارًا لها، وهذا يدلُّ على طلبِ هذهِ الصفةِ والنهي عن ضدّها، فالكبرُ راجعٌ للخلقِ والعبادِ، والعُـجْـب راجعٌ للعبادةِ. [الفروق (٤/١٣٥٧)].
اعلم أنّ آفات العُـجْـب كثيرةٌ، فإنّ العُـجْـب يدعو إلى الكبر لأنه أحد أسبابه، فيتولد من العُـجْـب الكبر، ومنَ الكبر الآفات الكثيرة التي لا تخفى، هذا مع العباد من العباد، وأمّا مع الله تعالى فالعُـجْـب يدعو إلى نسيانِ الذنوبِ وإهمالها، فبعضُ ذنوبه لا يذكرُها ولا يتفقدُها لظنّه أنهُ مستغنٍ عنْ تفقُّدها فينساها، وما يتذكره منها فيستصغره ولا يستعظمه، فلا يجتهدُ في تداركه وتلافيه، بل يظنّ أن يغفرَ له، وأما العبادات والأعمال، فإنّه يستعظمُها ويتبجح بها، ويمنّ على الله بفعلها، وينسى نعمةَ الله عليه بالتوفيقِ والتمكين منها، ثم إذا أعجب بها عمي عن آفاتها.
والمعجبُ يغترّ بنفسه وبرأيه، ويأمنُ مكرَ الله وعذابه، ويظنّ أنه عبد الله بمكان، وأن له عند الله تعالى منة وحقا بأعماله التي هي نعمة وعطية من عطاياه، وإن أعجب برأيه وعمله وعقله منعه ذلك منَ الاستفادةِ ومنَ الاستثارةِ والسؤال، فيستبد بنفسه وبرأيه، ويستنكف عن سؤال من هو أعلم منه، وربما يعجبُ بالرأي الخطأ الذى خطرَ له، فيفرحُ بكونه من خواطره ولا يفرح بخواطر غيره فيصر عليه، ولا يسمعُ نصحًا ولا وعظًا واعظًا، بل ينظرُ إلى غيره بعينِ الاستجهال، ويصرّ على خطئه، فإنْ كان رأيه في أمر دنيوي فيحقق فيه، وإنْ كانَ في أمر دينيّ لا سيما فيما يتعلقُ بأصول العقائد فيهلك به، ولو اتهم نفسه ولم يثق برأيه واستضاء بنور القرآن، واستعانَ بعلماء الدين، وواظبَ على مدارسة العلم، وتابعَ سؤالَ أهل البصيرة لكان ذلك يوصله إلى الحقّ، فهذا وأمثاله من آفات العُـجْـب، فلذلك كان من المهلكات.
ومنْ أعظمِ آفاته أن يفترَ في السعي لظنّه أنهُ فاز وأنه استغنى، وهو الهلاكُ الصريحُ الذي لا شبهةَ فيه، نسألُ الله تعالى العظيم حسنَ التوفيق لطاعته. [(إحياء علوم الدين) (٣/٣٧٠)].
ذكرَ اللهُ تعالى في القرآن العُـجْـبَ بالرأي الخطأ، فقالَ سبحانه وتعالى: {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُۥ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ فَرَءَاهُ حَسَنٗاۖ} [فاطر: ٨]، وقالَ تعالى: {وَهُمۡ يَحۡسَبُونَ أَنَّهُمۡ يُحۡسِنُونَ صُنۡعًا} [الكهف: ١٤].
وقد أخبرَ رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم أنّ ذلكَ يغلبُ على آخر هذه الأمة، وبذلك هلكتِ الأممُ السابقةُ إذْ إنّها افترقت فِرَقًا، فكلٌّ معجب برأيه، قال تعالى: {كُلُّ حِزۡبِۭ بِمَا لَدَيۡهِمۡ فَرِحُونَ} [المؤمنون: ٥٣].
وجميعُ أهل البدع والضلال إنّما أصرّوا عليها لعجبهم بآرائهم، والعُـجْـب بالبدعة هو استحسانُ ما يسوقُ إليه الهوى والشهوةِ مع ظنِّ كونه حقًّا، وعلاج هذا العُـجْـب أشد من علاج غيره؛ لأنّ صاحبَ الرأيِ الخطأ جاهلٌ بخطئه ولو عرفه لتركه، ولا يعالجُ الداء الذي لا يعرف، والجهلُ داءٌ لا يعرف فتعسر مداواته جدًّا، لأنّ العارفَ يقدرُ على أن يبينَ للجاهل جهلَه ويزيله عنه إلا إذا كان معجبًا برأيه وجهله، فإنّهُ لا يُصغي إلى العارف ويتّهمه، فقدْ سلّطَ الله عليه بليةً تهلكه وهو يظنّها نعمةً. [(إحياء علوم الدين) (٣ /٣٧٧)].
وفي النهاية، اعلم أنّ العُـجْـب آفةٌ خفيةٌ تُهلك صاحبَها، وتفسدُ عليه دينَهُ دون أن يشعرَ؛ لأنّه يمنعه من التواضع والرجوع إلى الحق، ومن أعظمِ مخاطره أنهُ يُمهّد طريقَ الغلوّ والتكفير، ويزرعُ بذورَ التعصبِ والفرقة، فالتدينُ الحقُّ لا يقومُ على الاستعلاءِ، بل على العلمِ والرحمةِ وخشيةِ الله، فلنحذرْ من إعجابنا بأنفسنا، ولنجعلْ تواضعَنا زادًا في طريقِ الهداية والصلاح.
هذا الضابط يمنع من تكفير من تبنى رأيا بناء على اجتهاد أو تأويل، وإن كان اجتهاده فاسدا.
التوحيد شرفه عظيم عند الله تعالى، فمن أجله خلق الأكوان، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب
إن المعاصي والكبائر , وإن أصر عليها صاحبها ولم يتب منها, تخدش الإيمان وتنقصه
كلَّ من تعثّر بمعصيةٍ أو خالطتْهُ خصلةٌ من خصال النّقص لا يُسلَب عنه الإيمانُ
إن الله تعالى لا يحاسبنا لو اجتهدنا وأخطأنا في الحكم على إنسان معين بأنه ما زال مؤمنا والله يعلم أنه كافر