Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الصبر في عصر السرعة

الكاتب

وزارة الأوقاف المصرية

الصبر في عصر السرعة

كم مرة شعرت بالضيق؛ لأن أمنيةً لم تتحقق بالسرعة التي أردتها؟ وكم مرة دفعتنا عجلة الحياة إلى استعجال النتائج حتى نسينا أن لكل ثمرة موسمًا تنضج فيه؟

السرعة سمة هذا العصر

لقد أصبح الإنسان المعاصر يعيش في عالمٍ لا يعرف الانتظار، فالمعلومة تصل في ثوانٍ، والرسائل تُجاب في لحظات، والطلبات تُلبَّى بضغطة زر، حتى نشأ جيل اعتاد السرعة في كل شيء.

ومع مرور الوقت تسللت هذه الثقافة إلى النفوس، فأصبح كثير من الناس يريدون النجاح بلا تعب، والرزق بلا سعي، والإصلاح بلا تدرج، بل وربما أراد بعضهم الاستقامة نفسها دون مجاهدة.

غير أن الإسلام يربّي الإنسان على حقيقة كبرى، وهي أن السنن التي أقام الله عليها الكون لا تتغير، فكل بناء يحتاج إلى زمن، وكل ثمرة تحتاج إلى صبر، وكل نجاح يسبقه جهد ومثابرة.

ولذلك كان الصبر من أعظم الأخلاق التي أثنى الله عليها، فقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا یُوَفَّى ٱلصَّٰبِرُونَ أَجۡرَهُم بِغَیۡرِ حِسَابࣲ﴾ [الزمر: ١٠]

لماذا أصبح الصبر من أصعب الأخلاق في عصرنا؟

لم يكن الصبر في يوم من الأيام خُلقًا سهلًا، لكنه أصبح اليوم أكثر تحديًا بسبب نمط الحياة الذي يحيط بنا.

فالإنسان يتعامل يوميًّا مع وسائل تقنية صممت لتمنحه كل شيء بسرعة، حتى اعتاد العقل الاستجابة الفورية، وأصبح التأخير مصدرًا للضيق والقلق.

ومن مظاهر ذلك:

  • استعجال النجاح العلمي أو المهني.
  • ضيق الصدر عند تأخر الرزق أو الزواج أو الإنجاب.
  • سرعة الغضب عند أول خلاف.
  • الملل من العبادة إذا لم يشعر الإنسان بأثرها سريعًا.
  • الانتقال المستمر بين الأعمال والهوايات دون إكمالها.

وقد أشار النبي- صلى الله عليه وسلم- إلى قيمة التدرج في تربية النفس فقال: «وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ» [رواه البخاري برقم: ١٤٠٠].

فالصبر ليس موهبة يولد بها الإنسان، بل خُلق يكتسبه بالمجاهدة والتدريب، حتى يصبح عادة راسخة في حياته.

الصبر في الإسلام قوة لا ضعف

يظن بعض الناس أن الصبر يعني الاستسلام أو السلبية، بينما الصبر في المفهوم الإسلامي هو قوة داخلية تمنح الإنسان القدرة على الثبات أمام الشدائد، وضبط النفس عند الانفعال، والاستمرار في طريق الحق مهما كثرت العقبات.

والصبر: نقيض الجزع [لسان العرب لابن منظور- ج٨ ص ١٩٣]

والصبر: قوة مقاومة الأهوال والآلام الحسية والعقلية. وقال بعضهم: تجرع مرارة الامتناع من المشتهى إلى الوقت الذي ينبغي فيه تعاطيه.

وقال الصوفية: ترك الشكوى من ألم البلوى لغير الله لا إلى الله فإنه تعالى أثنى على أيوب بالصبر مع دعائه في دفع الضر عنه. 

وقيل: حبس القلب على حكم الرب. وقيل: إسرار المحنة وإظهار المنة [كتاب التوقيف على مهمات التعاريف للمناوي ص٢١٢]

وقد بيّن القرآن الكريم أن الصبر يشمل جوانب متعددة، منها:

  •  الصبر على الطاعة

فالعبادة تحتاج إلى دوام ومثابرة، ولذلك قال تعالى: ﴿وَأۡمُرۡ أَهۡلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصۡطَبِرۡ عَلَیۡهَاۖ﴾ [طه: ١٣٢].

  •  الصبر عن المعصية

فالإنسان قد تدعوه نفسه إلى الحرام، لكن المؤمن يكبح شهوته ابتغاء مرضاة الله، وهذا من أعظم صور الصبر ﴿إِنَّهُۥ مَن یَتَّقِ وَیَصۡبِرۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا یُضِیعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِینَ﴾ [يوسف: ٩٠].

  •  الصبر على البلاء

وقد وعد الله الصابرين بمعيته الخاصة فقال سبحانه: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱسۡتَعِینُوا۟ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِینَ﴾ [البقرة: ١٥٣]، إن هذه المعية ليست مجرد تسلية، بل هي عون وتوفيق وتثبيت، ولذلك كان الأنبياء أكثر الناس ابتلاءً وأعظمهم صبرًا.

ولنا في نبي الله يوسف- عليه السلام- نموذج خالد، فقد صبر على ظلم إخوته، ثم على فراق أبيه، ثم على السجن، حتى جاءت لحظة التمكين.

 وهكذا يعلمنا القرآن أن الطريق إلى الفرج يمر غالبًا بمحطات من الصبر.

كيف نتعلم الصبر وسط إيقاع الحياة السريع؟

إذا كان العصر يعلّمنا العجلة، فإن الإيمان يعلّمنا التوازن، وهناك وسائل عملية تعين المسلم على ترسيخ خلق الصبر.

١. استحضار سنن الله في الحياة

فكل إنجاز عظيم احتاج إلى وقت، فالزراعة لا تثمر في يوم، والطفل لا يكبر في ليلة، وكذلك بناء الإيمان والأخلاق.

٢. تقليل الاستهلاك المفرط لوسائل التواصل

الإفراط في استخدام وسائل التواصل يضعف قدرة الإنسان على التركيز والانتظار، ويجعله أسيرًا للإشباع الفوري، ومن الحكمة أن يجعل الإنسان لنفسه أوقاتًا يخلو فيها من الهاتف؛ ليتدرب على الهدوء واستعادة توازنه.

٣. تربية النفس على الأعمال الطويلة

وتكون من خلال العبادات الدينية كحفظ القرآن، أو طلب العلم، أو الأعمال الدنيوية كممارسة رياضة منتظمة، فهذه الأعمال تغرس في النفس معنى الاستمرار، وتكسر ثقافة النتائج السريعة.

٤. الإكثار من الدعاء

كان النبي- صلى الله عليه وسلم- يسأل الله الثبات فيقول: «اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الْأَمْرِ، وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ» [مسند أحمد برقم: ١٧١١٤، سنن الترمذي برقم: ٣٧٠٥]

فالقلب بين أصبعين من أصابع الرحمن، ولا يثبت إلا بتوفيقه.

ثمار الصبر في الدنيا والآخرة

الصبر لا يغيّر الظروف دائمًا، لكنه يغيّر الإنسان، ومن تغير قلبه استطاع أن يتعامل مع الحياة بصورة أفضل.

ومن أعظم ثمار الصبر:

١. الطمأنينة النفسية

فالصابر لا ينهار عند أول أزمة؛ لأنه يعلم أن كل أمر يجري بقضاء الله وحكمته.

٢. حسن اتخاذ القرار

فالاندفاع يولد الأخطاء، أما الصبر فيمنح الإنسان فرصة للتفكير والتروي، ولذلك كانت كثير من النجاحات ثمرة قرار هادئ لا رد فعل متسرع.

٣. نيل محبة الله

قال تعالى: ﴿وَٱللَّهُ یُحِبُّ ٱلصَّٰبِرِینَ﴾ [آل عمران: ١٤٦]، وأي منزلة أعظم من أن يكون العبد محبوبًا عند ربه؟

٤. الفوز العظيم يوم القيامة

قال سبحانه: ﴿أُو۟لَٰۤئِكَ یُجۡزَوۡنَ ٱلۡغُرۡفَةَ بِمَا صَبَرُوا۟ [الفرقان: ٧٥]، فالصبر الذي يراه الناس تعبًا مؤقتًا، يراه الله سببًا لنعيم دائم لا ينقطع.

الخلاصة

في زمنٍ يقيس كل شيء بالسرعة، يذكّرنا الإسلام بأن أعظم الإنجازات تحتاج إلى صبر، وأن الطريق إلى الله لا يُقطع بالقفزات، بل بالخطوات الثابتة، فليس النجاح أن تصل سريعًا، وإنما أن تصل ثابتًا على الحق.

فالصبر الجميل هو الذي لا يفسده جزع، ولا يقطعه يأس، ولا تضعفه كثرة الفتن.

موضوعات ذات صلة

وصفًا لفكر الإنسان وسلوكه دون غيره من المخلوقات، والإنسان منذ نشأته يمارس الحكم الأخلاقي على الأشياء

الصبر هو حبس النفس على ما يقتضيه العقل والشرع، أوعمَّا يقتضيان حبسها عنه.

كثيرًا ما يمرّ الإنسان في حياته بأوقات من الضيق والابتلاء

من أعظم المعاني التي تتجلى في الهجرة النبوية معنى الصبر والمقاومة؛ فهما الركيزتان اللتان قام عليهما المشروع النبوي

موضوعات مختارة