Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

ميزانُ العقل ونورُ النقل

الكاتب

هيئة التحرير

ميزانُ العقل ونورُ النقل

هل المنطق آلةٌ للفكر أم معولٌ لهدم الإيمان؟ وهل يمكن فهم كليات الشريعة دون التسلح بالقواعد العقلية؟

إن العلاقة بين النقل والعقل هي صمام الأمان لسلامة العقيدة، في هذا المقال، نكشف كيف أدى الجفاء تجاه علوم المعقولات إلى "تخبط أصولي" أنتج التطرف، ونبين أن المنطق المهذب هو مفتاح فهم النصوص، لا خصمٌ لها.

جناية (النابتة) على معاقد الفهم الأصولي

لقد مُنيت الأمةُ في أزمانِ تراجعها بـ(نابتةٍ) ضاقَت عقولهم عن استيعابِ كليات الوجود، فاستداروا على علوم المعقولات -وعلى رأسها علم المنطق- بالتحريم والتبديع، زاعمين أنَّ في ظواهر النقل غُنيةً عن قواعد العقل، وهذا المسلكُ هو الذي أورثهم (التخبط الأصولي)؛ إذ كيف يستقيمُ لمن يجهلُ (أحكام العقل الثلاثة) (الوجوب والاستحالة والجواز) أن يغوص في دقائق (علم الأصول)؟

إنَّ هؤلاء حين حذروا من (روضة الناظر) لابن قدامة بسبب مقدمتها المنطقية، أو استشهدوا بكلام الأئمة كالشافعي - رضي الله عنه - في غير سياقه، لم يدركوا أنَّ ذم السلف إنما انصبَّ على (الفلسفة الضالة) التي تُصادم العقيدة، لا على (المنطق المعياري) الذي هو آلةُ الفكر وميزانُ النظر، فالعقل الصحيح لا يمكن أن يُناقض النقل الصريح، قال تعالى: ﴿‌أَفَلَا ‌یَتَدَبَّرُونَ ‌ٱلۡقُرۡءَانَ ‌أَمۡ ‌عَلَىٰ ‌قُلُوبٍ ‌أَقۡفَالُهَاۤ﴾ [محمد: ٢٤]، والأقفالُ هنا هي التعطيل والجمود عن إدراك الحقائق.

المنطق المهذب.. من اليونان إلى عبقرية المسلمين

إنَّ القول بأنَّ المنطق علمٌ (أعجمي) محض هو مغالطةٌ معرفية، فقد تلقفه علماء الإسلام بالتهذيب والتنقيح حتى صار (منطقًا إسلاميًّا) بامتياز، لقد ألقى المسلمون بفضول الفلاسفة، وأبقوا على (آلات الإدراك)، فأضافوا له (دلالات الألفاظ) وحذفوا منه ما لا يليق بروح الشريعة.

وكما قرر المحققون كالإمام الغزالي وابن عابدين والشنقيطي، فإنَّ المنطق الذي ندرسه في (سلم الأخضري) و(إيساغوجي) هو (قواعد عقلية) مشتركة بين بني البشر، والخللُ لا يأتي من العلم ذاته بل من (الناظر فيه)، فالمنطقُ كالمجهر، إن أسأت استخدامه لم ترَ الحقيقة، لا لخللٍ في المجهر بل لضعفٍ في بصرك، وقد جاء في الحديث: «الْكَلِمَةُ الْحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ، فَحَيْثُ وَجَدَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا» [أخرجه الترمذي].

المعقولاتُ ترياقٌ من وباء (التطرف والظاهرية)

يرى العلامة الراغب الأصبهاني وحجة الإسلام الغزالي أنَّ العلوم العقلية بمثابة (الأدوية) التي تُهيئ النفس لاستقبال (أغذية) الوحي، فمن كان مريض النفس بعلة الجهل بالعقليات، صار النقلُ في حقه فتنة، تمامًا كالمريض الذي يضره الغذاء الصالح لفساد مِعدته.

إنَّ انفصال العقل عن النقل هو المفرخة الأولى للتطرف؛ لأن المتطرف يحملُ النص ويُنـزله في غير منـزله لفقده (آلة الفهم) والقرآن الكريم لم يأتِ لمخاطبة جثثٍ بلا عقول، بل خاطب (أولي الألباب)، فمن عزل العقل فقد أظلمت عنده آفاق القرآن، قال سبحانه: ﴿‌وَتِلۡكَ ‌ٱلۡأَمۡثَٰلُ ‌نَضۡرِبُهَا ‌لِلنَّاسِۖ ‌وَمَا ‌یَعۡقِلُهَاۤ ‌إِلَّا ‌ٱلۡعَٰلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣].

أثر غياب العقليات في توليد التشدد والخلط

إنَّ الذي نراه اليوم من طعنٍ في أئمة الأمة (كالأشاعرة والماتريدية) واتهامهم بالجهل، إنما هو نتاج (العداء لما جُهل)، فمن جهل أحكام العقل وقع في (التجسيم) أو (التشبيه) أو (الاضطراب) في فهم الصفات والمقاصد.

لقد أدرك علماؤنا أنَّ المنطق (فرض كفاية) لرد الشكوك وإقامة الحجج، فالجمود على الظواهر دون إدراكٍ للقواعد الكلية يُحول الدين إلى طقوس جوفاء ويفضي بالمرء إلى (التزندق الفكري) من حيث لا يشعر، إنَّ إحياء (المنطق المهذب) هو ضرورة حضارية لاستعادة العقل المسلم القادر على المحاورة، والبناء، ودحض الأوهام المتطرفة.

الخلاصة

إن استعادة "المنطق المهذب" ليست ترفًا، بل ضرورة حضارية لتحرير العقل من أغلال الجمود والظاهرية السطحية، فالمصالحة بين ضياء الوحي ونور العقل هي السبيل الوحيد لإقامة صرحٍ إسلامي متين، يمتلك أدوات الحجاج، ويصون مقاصد الدين، ويحمي وعي الأمة من فتنة التكفير والتطرف الفكري البغيض.

موضوعات ذات صلة

 إنَّ صيانة جناب التوحيد تبدأ من فهم لسان العرب الذي نزل به الوحي.

يتجلى موقف السلف الصالح كبنيانٍ مرصوص يزاوج بين جلال النقل وكمال العقل.

يمثل الفكر مركز السلوك الإنساني، ومن ثم فإن انحرافه العقدي والسلوكي يولد فكرًا تكفيريًا يستهدف هيبة العلماء.