Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

السخرية الرقمية حين تتحول الكلمة إلى ذنب لا ينسى

الكاتب

وزارة الأوقاف المصرية

السخرية الرقمية حين تتحول الكلمة إلى ذنب لا ينسى

هل فكرت يومًا أن تعليقًا ساخرًا كتبته في ثوانٍ قد يكون سببًا في جرح قلب إنسانٍ لسنوات؟ وهل تأملت أن ضحكةً حصدت آلاف الإعجابات قد تُكتب عليك عند الله سيئةً، لا تمحوها إلا التوبة؟

في عصرٍ أصبحت فيه منصات التواصل ساحةً مفتوحةً للتعليقات الساخرة، وصناعة «الترند»، صار المسلم أحوجَ ما يكون إلى أن يسأل نفسه، قبل أن يكتب: هل يرضى الله عن هذه الكلمة؟

موقف الإسلام من السخرية

السخرية خُلُقٌ مذمومٌ نهى الله عنه قبل أن تكون مخالفةً اجتماعية؛ فلم ينظر الإسلام إلى السخرية على أنها مجرد مزاحٍ أو أسلوبٍ للتسلية، بل عدَّها اعتداءً على كرامة الإنسان التي وهبها الله له.

ولذلك جاء النهي صريحًا في القرآن الكريم، فقال تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا یَسۡخَرۡ قَوۡمࣱ مِّن قَوۡمٍ عَسَىٰۤ أَن یَكُونُوا۟ خَیۡرࣰا مِّنۡهُمۡ وَلَا نِسَاۤءٌ مِّن نِّسَاۤءٍ عَسَىٰۤ أَن یَكُنَّ خَیۡرࣰا مِّنۡهُنَّۖ وَلَا تَلۡمِزُوۤا۟ أَنفُسَكُمۡ وَلَا تَنَابَزُوا۟ بِٱلۡأَلۡقَٰبِۖ بِئۡسَ ٱلِٱسۡمُ ٱلۡفُسُوقُ بَعۡدَ ٱلۡإِیمَٰنِۚ وَمَن لَّمۡ یَتُبۡ فَأُو۟لَٰۤئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١].

تأمل كيف جمع الله، في آيةٍ واحدة، بين السخرية، واللمز، والتنابز بالألقاب؛ لأن جميعها يطعن في كرامة الإنسان، ويزرع الكراهية بين الناس.

والعجيب أن الله قال: ﴿عَسَىٰۤ أَن یَكُونُوا۟ خَیۡرࣰا مِّنۡهُمۡ﴾؛ لأن معيار التفاضل ليس الشكل، ولا المال، ولا الشهرة، ولا عدد المتابعين، وإنما التقوى والعمل الصالح.

وقد قال النبي ﷺ: «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ» [رواه مسلم برقم: (٢٥٦٤)، وأحمد في مسنده برقم: (٨٧٢٣)].

فالاستهزاء ليس مظهرًا للقوة، بل دليلٌ على ضعف القلب، وغرورالنفس، وجهل بقيمة الإنسان عند الله.

من مجالس الناس إلى منصات التواصل

في الماضي، كانت السخرية لا تتجاوز دائرةً محدودةً من الناس، أما اليوم، فقد أصبحت صناعةً رقميةً؛ إذ قد يصل تعليقٌ ساخرٌ أو مقطعٌ مستهزئٌ إلى ملايين البشر خلال ساعات.

وأصبحت بعض الصفحات والحسابات تبني شهرتها على:

  • السخرية من هيئات الناس وخِلقَتهم.
  • الاستهزاء بلهجاتهم.
  • تحويل أخطاء الآخرين إلى مادة للضحك.
  • صناعة المقاطع الساخرة من الفقراء، أو كبار السن، أو ذوي الهِمم.
  • نشر الصور بعد تعديلها؛ لإضحاك الناس.
  • وربما يكتب أحدهم تعليقًا لا يتجاوز عدة كلمات، لكنه يترك في نفس صاحبه ألمًا لا يزول بسهولة.

ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» [رواه البخاري برقم: (١٠)، ومسلم برقم: (٦٥)].

واليوم أصبح «اللسان» يشمل كذلك لوحة المفاتيح، والهاتف، وكل ما يكتبه الإنسان وينشره.

فليس كل ما يُضحِك الناس يجوز نشره، وليس كل تعليقٍ يحصد الإعجابات يُرضي الله تعالى.

لماذا يلجأ البعض إلى السخرية؟ وما آثارها على الفرد والمجتمع؟

غالبًا لا تنشأ السخرية من قوة الشخصية، بل من أمراضٍ خفية في النفس، منها: 

  • الكِبْر والشعور بالتفوق على الآخرين.
  • حب الظهور وجذب الانتباه.
  • الفراغ الروحي، وضعف استشعار مراقبة الله.
  • تقليد المشاهير وصنَّاع المحتوى دون تمييز.

 أما آثارها فهي خطيرة، منها: 

  • تحطيم الثقة بالنفس، خاصة لدى الأطفال والشباب.
  • نشر الكراهية والتنمر الإلكتروني.
  • تفكك العلاقات الأسرية والاجتماعية.
  • انتشار الخصومات والعداوات.
  • قسوة القلب واعتياد احتقارالناس.

وقد يكون الإنسان سببًا في بكاء شخص لا يعرفه، بسبب تعليق ساخر كتبه وهو يظنه مجرد مزاح.

ومن أخطر ما في الأمر أن كثيرًا من الناس يشاركون هذه التعليقات بالضحك والإعجاب وإعادة النشر، فيصبحون شركاء في الإثم؛ قال تعالى: ﴿مَّا یَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَیۡهِ رَقِیبٌ عَتِیدࣱ﴾ [ق: ١٨].

فكل كلمة مكتوبة محفوظة، وكل تعليق مسجل، وكل منشور سيحاسب عليه صاحبه.

كيف نبني ثقافة الاحترام بدلًا من ثقافة السخرية؟

 إذا كان العالم الرقمي قد سهَّل نشر الكلمات، فإن المؤمن مطالبٌ بأن يجعل منصاته بابًا للأجر، لا بابًا للإثم.

 ومن أهم الوسائل العملية:

  1. استحضار مراقبة الله تعالى قبل كتابة أي تعليق.
  2. سؤال النفس: هل أرضى أن تُقال هذه الكلمة في حقي؟
  3. الامتناع عن نشرأومشاركة المقاطع القائمة على الاستهزاء بالناس.
  4. نشر الكلمة الطيبة بدلًا من السخرية.
  5. تربية الأبناء على احترام الاختلاف وعدم التنمر.
  6. الاعتذار إذا أخطأنا في حق أحد، ورد المظالم المعنوية قدرالمستطاع.

وقد وضع النبي صلى الله عليه وسلم ميزانًا عظيمًا للكلام فقال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» [رواه البخاري برقم: ( ٦١١٠)، ومسلم برقم: (٧٤)].

ولو جعل المسلم هذا الحديث قاعدةً لكل ما ينشره على وسائل التواصل، لاختفى كثير من التنمر والإساءة والاستهزاء.

  • قصة مؤثرة:

حدث أن أحد الطلاب تعرّض لسخريةٍ متكررة من زملائه بسبب طريقة نطقه وبعض ملامحه، وكانوا يصورونه وينشرون المقاطع على وسائل التواصل طلبًا للضحك والمشاهدات.

ومع مرور الوقت أصبح ينعزل عن الجميع، وتراجع مستواه الدراسي، حتى اكتشف أحد المعلمين ما يحدث، فجمع الطلاب وذكّرهم بقول الله تعالى: ﴿لَا یَسۡخَرۡ قَوۡمࣱ مِّن قَوۡمٍ﴾، وبيّن لهم أن الكلمة قد تهدم إنسانًا كما قد تبنيه.

اعتذر الطلاب إليه، وحذفوا ما نشروه، وتحولت الحادثة إلى درس تربوي بقي أثره في المدرسة سنوات؛ ليدرك الجميع أن الضحك الذي يقوم على إهانة الآخرين ليس مرحًا، بل ظلمٌ يُسأل عنه الإنسان أمام الله.

الخلاصة

السخرية قد تبدأ بكلمةٍ أو تعليق، لكنها قد تنتهي بكسر قلبٍ، وإفساد علاقةٍ، وذنبٍ يبقى في صحيفة صاحبه.

وفي زمن التواصل الرقمي، أصبح حفظ اللسان يشمل حفظ الأصابع قبل الكتابة.

فلنجعل حساباتنا منابر للكلمة الطيبة، ولنتذكر دائمًا أن ما يرضي الناس لحظةً قد لا يرضي الله أبدًا.

موضوعات ذات صلة

التنمر الإلكتروني يتنافى جملة وتفصيلًا مع القيم والمبادئ الأساسية التي جاء بها الإسلام.

سلوك عدوانيّ متكرر، يقوم فيه شخص أو مجموعة بإيذاء فرد آخر بدنيًّا أو نفسيًّا أو لفظيًّا.

اتفقت الدراسات جميعها على خطورةالتنمر، وعظم ضرره، وسوء أثره على الفرد والمجتمع.

يهدد كرامة الإنسان ويفكك روابط المجتمع، ويسبب أضرارًا نفسية واجتماعية للضحايا.

يحذر الإسلام استخدام الشتائم؛ لما فيها من انتهاك لكرامة الإنسان.